الرجوع إلى مقالاتمقالات

سبع دقائق صامتة

في الساعة التاسعة وثلاث وأربعين دقيقة من مساء الثلاثاء، ضغطت رُواء زر كتم الصوت وتركت أباها يتحدث وحده.

كانت جالسة أمام شاشة كبيرة في مركز اتصالات الطوارئ، تضع سماعة سوداء فوق أذنها اليسرى، وتراقب أرقام المكالمات المنتظرة وهي تتزايد في زاوية الشاشة. اثنتا عشرة مكالمة. ثم أربع عشرة. ثم سبع عشرة.

ظهر اسم أبيها على هاتفها الشخصي للمرة الثالثة خلال أقل من عشر دقائق.

لم يكن مسموحاً لها باستخدام الهاتف أثناء الدوام، لكنها أبقته مقلوباً قرب لوحة المفاتيح لأن والدها يعيش وحده، ولأنها تعرف أنه لا يتصل عادة في ذلك الوقت. ومع ذلك، لم تجب.

قال صوته المتسرب من الهاتف:

— رُواء… إذا خلص دوامچ، دقي عليّ.

لم يقل إن الأمر عاجل. لم يطلب النجدة. ولم يستخدم ذلك الصوت الذي يجعلها تنهض حتى لو كانت نائمة.

كان صوته عادياً، وربما أكثر هدوءاً من المعتاد.

أنهى التسجيل، وبقيت الشاشة مضيئة لحظات قبل أن تنطفئ.

أعادت رُواء الهاتف إلى مكانه، ورفعت صوت السماعة المهنية.

جاءتها مكالمة عن طفل ابتلع قطعة نقدية. ثم رجل يصرخ لأن سيارة أغلقت باب منزله، مع أن الرقم مخصص للحالات الطارئة. وبعده امرأة مسنة لا تستطيع إيقاظ زوجها. بقيت معها على الخط حتى وصلت سيارة الإسعاف، ثم انتقلت مباشرة إلى اتصال عن حريق صغير في مطبخ مطعم.

لم تجد وقتاً للقلق.

أو هكذا قالت لنفسها لاحقاً.

كانت رُواء في الخامسة والثلاثين، تعمل في مركز اتصالات الطوارئ منذ تسع سنوات. تعرف كيف تفصل بين الخوف والمعلومة، وبين الصراخ والحقيقة. تسأل عن العنوان أولاً، ثم طبيعة الحالة، وعدد المصابين، وما إذا كان المكان آمناً. تستطيع أن تسمع رجلاً يبكي على ابنه، وتواصل طرح الأسئلة بصوت ثابت؛ لأن انهيارها معه لن يرسل سيارة الإسعاف أسرع.

تعلمت أن تؤجل مشاعرها حتى نهاية الدوام.

لكن المشاعر المؤجلة لا تختفي. كانت تتراكم في مكان خفي، ثم تظهر في أوقات لا تناسبها: حين تسقط منها ملعقة، أو يتأخر المصعد، أو يسألها أحدهم لماذا تبدو متعبة.

انتهى دوامها عند الحادية عشرة ليلاً. نزعت السماعة، فشعرت بثقل مفاجئ في رأسها، كأن الأصوات التي ظلت ساعات تتدفق إلى أذنها لم تغادرها، بل اجتمعت خلف جبهتها.

فتحت هاتفها.

ثلاث مكالمات فائتة من أبيها، ورسالة صوتية واحدة.

ترددت قبل تشغيلها. كانت ما تزال غاضبة منه بسبب شجار وقع بينهما قبل أسبوع. اتهمها بأنها لم تعد تزوره إلا عندما يحتاج إلى طبيب، واتهمته بأنها يحول كل زيارة إلى محاكمة.

قال لها يومها:

— أنا أبوچ، مو مريض ضمن جدولچ.

فأجابته:

— وأنت تتصل بي فقط عندما تحتاج شيئاً، ثم تقول إنني مقصرة.

— لأنچ دائماً مشغولة.

— أنا أعمل، وعندي بيت وطفلة.

— أعرف. ولهذا ما أطلب منچ شي.

ضحكت بمرارة.

— أنت تطلب بطريقة أسوأ. تسكت، وبعدها تجعلني مذنبة لأنني لم أفهم سكوتك.

خرجت من منزله قبل أن تشرب الشاي الذي أعدّه لها. تبعها حتى الباب، لكنه لم يحاول إيقافها. قال فقط:

— خذي علبة الحلوى للبنية.

رفضت حملها، لا لأنها لا تريدها، بل لأنها أرادت أن يعرف أنها ما تزال غاضبة.

عندما عادت بعد يومين لتأخذ ابنتها العلبة، وجدتها معلقة بكيس عند مقبض الباب الخارجي. لم يكن في البيت، ولم تتصل لتسأله أين ذهب.

الآن، وهي تستمع إلى رسالته في غرفة الموظفين، بدا صوته خالياً من العتاب.

— رُواء… إذا خلص دوامچ، دقي عليّ.

خلف صوته كانت هناك ضوضاء خفيفة. صوت مروحة، أو تلفاز، أو ماء يجري. أعادت التسجيل، لكنها لم تستطع تحديده.

اتصلت به.

رن الهاتف طويلاً ولم يجب.

اتصلت مرة ثانية وهي تنزل السلالم، ثم ثالثة عند وصولها إلى موقف السيارات.

لم تقلق فوراً. كان والدها يترك الهاتف في غرفة وينتقل إلى أخرى، ثم ينسى أين وضعه. وفي بعض الليالي ينام على الكرسي أمام التلفاز ولا يسمع شيئاً.

أرسلت له رسالة:

«خلص دوامي. اتصل بي عندما تصحى».

ثم قادت إلى بيتها.

كان زوجها نِبراس نائماً في غرفة الجلوس، والتلفاز يعمل بصوت منخفض. وجدت ابنتها لُجين قد تركت كتبها فوق مائدة الطعام، مع ورقة مدرسية تحتاج إلى توقيع ولي الأمر.

وقّعتها، رتبت الكتب، وأطفأت التلفاز. ثم وقفت في المطبخ تشرب الماء وهي تنظر إلى هاتفها.

لا رد.

قالت لنفسها إنها ستتصل به صباحاً. كان الوقت متأخراً، والمسافة إلى منزله تحتاج إلى أربعين دقيقة في الشوارع شبه الخالية. لديها دوام آخر في اليوم التالي، ولُجين يجب أن تستيقظ للمدرسة، ونِبراس يبدأ عمله مبكراً.

كان لكل قرار سبب منطقي.

وهذا ما جعلها تكرهه لاحقاً.

استيقظت عند السادسة والنصف. أول ما فعلته أنها نظرت إلى هاتفها.

لم يتصل أبوها.

اتصلت به وهي توقظ لُجين، ثم أثناء إعداد سندويشة المدرسة، ثم بعدما خرجت الطفلة مع أبيها.

في المرة الرابعة، سمعت رنين هاتفه يتوقف فجأة.

ثبتت الهاتف عند أذنها.

— ألو؟

لم يجب أحد.

أعادت الاتصال، فصار الهاتف مغلقاً.

ارتدت ملابسها على عجل، وأرسلت إلى مديرتها أنها ستتأخر. في الطريق، أقنعت نفسها بأن البطارية انتهت. ربما استيقظ وأغلق الهاتف مصادفة. ربما ذهب إلى السوق. ربما كان في الحمام.

وصلت إلى الحي عند السابعة وأربعين دقيقة.

كانت المحال ترفع أبوابها المعدنية، ورائحة الخبز تختلط بدخان السيارات. رأت باب بيت أبيها مغلقاً، والستارة خلف النافذة مسدلة كما تركها دائماً في الليل.

طرقت الباب.

— أبي؟

انتظرت.

طرقت بقوة أكبر.

خرج الجار المقابل، رجل متقاعد اسمه غازي، يرتدي دشداشة رمادية ويحمل كوب شاي.

قال:

— خير؟

— أبي ما يجاوب.

— يمكن نايم.

— اتصلت به من البارحة.

وضع غازي الكوب على حافة النافذة واقترب.

— عندچ مفتاح؟

هزت رأسها.

كان والدها قد أعطاها نسخة قبل سنوات، لكنها أضاعتها أثناء انتقالها إلى بيت جديد. طلبت منه نسخة أخرى، فقال إن عليه تغيير القفل أولاً لأنه صار ثقيلاً، ثم نسي الاثنان الأمر.

طرق غازي الباب ونادى:

— عم عادل!

لم يأتِ جواب.

انحنت رُواء ونظرت من الفتحة أسفل الباب. لم ترَ سوى شريط ضوء خافت.

قال غازي:

— خلي أتصل بابني يجيب عدته.

صرخت رُواء:

— ما ننتظر.

لم تعرف من أين جاءت بالقوة، لكنها ضربت الباب بكتفها. لم يتحرك. حاول غازي دفعه، ثم جاء صاحب المخبز ورجل آخر من المارة. وبعد عدة ضربات انكسر جزء من القفل وانفتح الباب.

دخلت رُواء أولاً.

كان التلفاز يعمل. المروحة تدور ببطء. وعلى الأرض قرب الممر المؤدي إلى المطبخ، كان عادل مستلقياً على جانبه، إحدى يديه تحت صدره والأخرى ممدودة نحو طاولة صغيرة سقط فوقها الهاتف.

صرخت باسمه وركعت قربه.

كان وجهه مائلاً إلى الأرض، ونظارته بعيدة عنه. لمسته فوجدت جلده بارداً، لكن معرفتها المهنية رفضت الاعتراف بما عرفه جسدها فوراً.

قلبته بمساعدة غازي، وضعت أصابعها على عنقه، ثم قربت أذنها من فمه. لا تنفس. لا نبض.

اتصلت بالطوارئ.

للمرة الأولى في حياتها، كانت على الجانب الآخر من المكالمة.

قالت الموظفة:

— ما عنوان الحالة؟

أعطتها العنوان بسرعة.

— هل المريض واعٍ؟

— لا.

— هل يتنفس؟

نظرت إلى وجه أبيها.

— لا.

— ضعي الهاتف على مكبر الصوت وسأرشدك إلى الإنعاش.

قالت رُواء بصوت اختنق رغم محاولتها تثبيته:

— هو بارد.

سكتت الموظفة لحظة، ثم سألت:

— متى شوهد آخر مرة بخير؟

— لا أعرف.

كانت تلك أصعب جملة قالتها في حياتها.

وصل المسعفون بعد تسع دقائق. فعلوا ما تعرف رُواء أنه لن يغير شيئاً، ثم توقفوا. سألها أحدهم عن أمراضه وأدويته، فأجابت بصورة آلية: ضغط، سكري، تضيق في أحد شرايين القلب، دواء صباحي وآخر مسائي، مراجعة قلبية قبل شهرين.

قال المسعف إن الوفاة تبدو ناتجة عن أزمة قلبية، وإنها ربما حدثت قبل ساعات.

نظرت رُواء إلى هاتف أبيها الملقى قرب الطاولة.

قالت:

— اتصل بي الساعة التاسعة وثلاث وأربعين.

سألها المسعف:

— مساءً؟

— نعم.

تفحص جسد أبيها، ثم قال بهدوء:

— الأغلب أن الحالة حدثت بعد ذلك بوقت قصير، لكن الطبيب يحدد.

لم تسمع بقية كلامه.

رأت الساعة المعلقة على الجدار. كانت متوقفة عند التاسعة وخمسين دقيقة، لا بسبب لحظة الموت، بل لأن بطاريتها انتهت منذ أيام. عرفت ذلك لأنها وعدت أباها في زيارتها السابقة أن تحضر بطارية جديدة.

لم تحضرها.

في الأيام التالية، أصبح البيت مزدحماً على نحو لم يعرفه في حياة صاحبه. دخل أقارب لم يزوروا عادل منذ أشهر، وجلس رجال في الغرفة التي كان يقضي فيها أمسياته وحيداً، وامتلأ الممر بالأحذية وأصوات التعازي.

كان الجميع يملكون قصة عنه.

قال ابن عمه إنه كان شهماً. وقال جار قديم إنه لم يرد محتاجاً. وتحدث أحد زملائه المتقاعدين عن السنوات التي قضاها في تصليح أجهزة التبريد داخل المستشفى الحكومي. حتى غازي حكى كيف كان عادل يطرق بابه كل خميس ويسأله إن كان يحتاج شيئاً من السوق.

استمعت رُواء إليهم وهي تقدم القهوة، وشعرت أن أباها صار فجأة معروفاً أكثر بعد موته مما كان في حياته.

كانت زوجته، أم رُواء، قد توفيت قبل ثماني سنوات بسرطان الرئة. بعد رحيلها، رفض عادل الانتقال إلى بيت ابنته. قال إن البيت لا يحتمل إغلاقه، وإنه لا يعرف النوم في مكان لا يسمع فيه صوت مضخة الماء القديمة عند منتصف الليل.

حاولت رُواء إقناعه ببيع المنزل وشراء شقة قريبة منها. رفض.

— هنا أعرف الجيران، والصيدلي يعرف علاجي، والمخبز يرسل لي الخبز إذا تأخرت.

— وأنا أريدك قريباً مني.

— قريب حتى تشوفيني ساعة بالأسبوع بدل ساعة كل أسبوعين؟

غضبت من عبارته، لكنه كان محقاً إلى حد جعلها تشعر بالإهانة.

لم تكن ابنة سيئة. كانت تزوره، تراجع معه الأطباء، تشتري أدويته عندما يعجز عن العثور عليها، وتنظف الثلاجة من الطعام القديم. كانت تدفع عنه بعض الفواتير من دون أن تخبره، وتتصل به في طريقها إلى العمل.

لكن معظم اتصالاتها كانت قصيرة.

— أخذت الدواء؟

— أخذته.

— السكر شكد؟

— زين.

— تحتاج شي؟

— سلامتچ.

ثم تصمت، فيقول أحدهما:

— يلا، أشوفچ بعدين.

وكان «بعدين» يمتد أحياناً عشرة أيام.

بعد انتهاء أيام العزاء، بقيت رُواء وحدها في المنزل لتجمع أوراقه. فتح نِبراس النوافذ، وحمل الكراسي المستعارة إلى أصحابها، ثم عاد ليأخذ لُجين من المدرسة.

قال لها قبل أن يخرج:

— لا تتعبين نفسچ اليوم. ماكو شي مستعجل.

لكن كل شيء بدا مستعجلاً. ملابس أبيها تحتفظ برائحته، والأكواب في المطبخ تحمل آثار أصابعه، والدواء المسائي ما يزال فوق المنضدة في انتظار رجل لن يعود ليأخذه.

بدأت بالأوراق الرسمية لأنها أقل الأشياء قدرة على إيذائها. جمعت هوية التقاعد، تقارير المستشفى، سند البيت، إيصالات الكهرباء.

وجدت في الدرج السفلي دفتراً صغيراً ذا غلاف أزرق. توقعت أن يحتوي على أرقام هواتف، لكنها وجدت داخله تواريخ وملاحظات قصيرة:

«الأحد: رُواء اتصلت. كانت مستعجلة».

«الخميس: لُجين نجحت بالرياضيات. أشتري لها هدية».

«الاثنين: موعد القلب. لا أخبر رُواء حتى لا تأخذ إجازة».

«الجمعة: عملت كبة. طلعت كثيرة. أضع نصفها في المجمدة إذا جاءت».

توقفت عند السطر الأخير.

فتحت المجمدة. وجدت علبة بلاستيكية كتب عليها بقلم أسود: «لرُواء».

جلست على أرض المطبخ وهي تحمل العلبة المتجمدة إلى صدرها.

لم تبكِ في الجنازة. لم تبكِ عندما غُسل جسده، ولا حين أغلقوا القبر، ولا حين عادت إلى البيت ورأت كرسيه فارغاً. كانت تتحرك بين الإجراءات كموظفة تعرف ما يجب فعله.

لكن كلمة صغيرة مكتوبة على علبة طعام كسرتها.

بكت حتى شعرت بالألم في ظهرها. لم يكن بكاؤها على أنه مات فقط، بل على كل مرة ظنت فيها أن الحب المعروف لا يحتاج إلى إظهار، وأن الآباء يفهمون انشغال أبنائهم تلقائياً، وأن هناك دائماً زيارة مقبلة يمكن فيها إصلاح ما أفسدته الزيارة السابقة.

في المساء، أخذت هاتفه إلى بيتها.

كان قفله رقماً من أربعة خانات. جربت سنة ميلاده، ثم سنة ميلاد أمها، ثم تاريخ زواجها. لم يفتح. بقيت لُجين تراقبها، ثم قالت:

— جربي تاريخ ميلادي.

فتح الهاتف.

شعرت رُواء بوخزة جديدة لا تعرف هل تشبه الحزن أم الخجل.

كانت خلفية الشاشة صورة للُجين يوم دخلت المدرسة، تحمل حقيبة أكبر من ظهرها. وفي معرض الصور عشرات اللقطات غير الواضحة: شجرة أمام البيت، طبق أرز، شاشة تلفاز، وجه عادل قريب جداً من العدسة، وصور أرسلتها رُواء في مجموعة العائلة فنقلها إلى هاتفه.

فتحت سجل المكالمات.

رأت اتصالاته الثلاثة بها. قبلها بدقائق، كان قد اتصل برقم الطوارئ.

توقفت أنفاسها.

كان الاتصال عند التاسعة وتسع وثلاثين دقيقة، ومدته سبع دقائق وإحدى عشرة ثانية.

قرأت الرقم مرة أخرى للتأكد. لم يكن رقماً مشابهاً. كان رقم المركز الذي تعمل فيه.

شعرت بالأرض تميل.

فتحته في تفاصيل الاتصال. مكالمة صادرة، تم الرد عليها، سبع دقائق وإحدى عشرة ثانية.

اتصل بالطوارئ أولاً.

ثم اتصل بها.

في صباح اليوم التالي، وصلت رُواء إلى المركز قبل دوامها بساعتين. طلبت مقابلة مدير القسم، وأخبرته أن والدها اتصل ليلة وفاته وأنها تريد معرفة ما حدث.

قال المدير بحذر:

— تسجيلات المكالمات سرية، حتى للموظفين.

— أنا ابنته.

— أعرف، لكن نحتاج طلباً رسمياً، وتقرير وفاة، وموافقة الإدارة القانونية.

وضعت الأوراق التي أحضرتها أمامه.

— جهزت كل شيء.

نظر إليها طويلاً. كان يعرفها منذ سنوات، ويعرف أن والدها مات، لكنه لم يعرف أن مكالمة الرجل مرت من خلال المركز نفسه.

قال:

— سأرفع الطلب اليوم.

استغرق الأمر أربعة أيام.

كانت أطول أربعة أيام عاشتها. ذهبت إلى العمل وجلست أمام الشاشة نفسها، تستقبل أصوات غرباء يطلبون النجدة، بينما تفكر في الصوت الذي دخل هذا المكان ولم يصل إليها.

راجعت جدول تلك الليلة. كانت على رأس العمل وقت اتصال أبيها، لكن المكالمات توزع آلياً على الموظفين المتاحين. وصل اتصاله إلى موظف اسمه سامر، يجلس في الصف الثاني من القاعة، على بعد سبعة أمتار منها.

كانت تعرفه. يشرب القهوة من دون سكر، ويغادر كل يوم مسرعاً للحاق بحافلة الحي. تبادلت معه التحية آلاف المرات، وربما ضحكت على تعليق قاله بعد مكالمة صعبة في الليلة نفسها التي كان أبوها يموت فيها.

لم تواجهه. لم تعرف ماذا ستقول.

عندما وصلت الموافقة، استدعاها المدير إلى غرفة جانبية. وضع التسجيل أمامها، وسألها إن كانت تريد وجود أخصائية الدعم النفسي.

رفضت.

وضعت السماعة.

بدأ التسجيل برنين قصير، ثم صوت سامر:

— طوارئ، تفضل.

جاء صوت أبيها ضعيفاً:

— ابني، عندي وجع بصدرى.

توقف قلب رُواء لحظة، أو هكذا شعرت.

قال سامر:

— أعطني عنوانك، عمي.

ذكر عادل اسم الحي، لكنه أخطأ في رقم الزقاق. قال سبعة عشر بدلاً من سبعة وعشرين.

سأله سامر عن أقرب نقطة دالة.

— المخبز… يم جامع الصابرين.

— أنت داخل البيت؟

— إي.

— أكو أحد وياك؟

صمت عادل قليلاً.

— لا.

— افتح باب البيت، واجلس قريباً منه. لا تمشي كثيراً. سيارة الإسعاف بالطريق.

سمعت رُواء صوت أنفاس أبيها. كان يتنفس بصعوبة، لكنه لم يكن يصرخ.

سأله سامر عن عمره وأمراضه والأدوية التي يستخدمها. أجاب عادل ببطء. أحياناً يتوقف في منتصف الجملة، فيعيد الموظف السؤال.

ثم قال عادل:

— ممكن تتصلون ببنتي؟

أغمضت رُواء عينيها.

— أعطني رقمها.

ذكر الرقم صحيحاً.

قال سامر:

— سنتصل بها بعد تثبيت البلاغ. ابقَ معي الآن.

— هي تشتغل عندكم.

سكت سامر.

— شنو اسمها؟

— رُواء عادل.

جاء صمت قصير، ثم صوت لوحة المفاتيح.

— رُواء الموظفة؟

— إي.

— هي موجودة بالدوام، عمي؟

— أظن.

كان يعرف أنها في المركز.

لم يتصل بالطوارئ مصادفة، ثم يتصل بها. كان يعرف أنها هناك، خلف سماعة مشابهة، قريبة منه بالصوت وبعيدة عنه بكل ما عدا ذلك.

قال سامر:

— تريد أحول المكالمة إلها؟

انتظرت رُواء الجواب، وشعرت بأظافرها تنغرز في كفها.

قال أبوها:

— لا.

فتحت عينيها.

— ليش، عمي؟

— لا تخوفها. بس كول إلها أبوچ تعبان شوي.

ارتجف فمه عند آخر كلمة.

سأله سامر:

— الألم قوي؟

— إي.

— السيارة انطلقت. افتح الباب إذا تقدر.

سمعته يتحرك. صوت احتكاك، ثم شيء يسقط.

قال سامر بحدة:

— عمي عادل؟ لا توقف. اجلس مكانك.

عاد صوت أبيها أبعد من قبل:

— الباب… المفتاح ثقيل.

— اتركه. لا تتعب نفسك. المساعدة جاية.

بقي سامر يتحدث معه، يطلب منه أن يتنفس ببطء وألا يغلق الخط. لكن عادل صار يجيب بكلمات متباعدة.

وفي الدقيقة السادسة، قال فجأة:

— ابني؟

— نعم، أسمعك.

— إذا وصلت البنية… لا تكول تأخرت.

حبست رُواء شهقة خرجت رغم إرادتها.

سأله سامر:

— منو البنية؟ بنتك؟

— إي.

— ما تأخرت، عمي. الإسعاف بالطريق.

قال عادل:

— هي تزعل من نفسها بسرعة.

ثم سُمع صوت ارتطام خفيف، وتغير اتجاه الأنفاس.

نادى سامر اسمه مرات. لم يجب.

انتهى التسجيل بعد سبع دقائق وإحدى عشرة ثانية.

نزعت رُواء السماعة بعنف.

قالت للمدير:

— السيارة ما وصلت.

فتح الملف أمامه.

— وصلت إلى الزقاق الخطأ أولاً بسبب الرقم الذي ذكره. اتصلوا به، لكن الخط لم يجب. بعد ذلك بحثوا قرب الجامع، ولم يجدوا البيت. البلاغ أُغلق مؤقتاً لعدم دقة العنوان.

— أُغلق؟

— أُعيد الاتصال ثلاث مرات.

— وبعدين؟

— كان ضغط البلاغات مرتفعاً. صُنّف الاتصال «موقع غير محدد».

حدقت فيه.

— هو أعطاهم رقمي.

— أعرف.

— وقال إنني أعمل هنا.

— نعم.

— لماذا لم يأتِ أحد إليّ؟

أخفض المدير عينيه إلى الملف.

— الموظف دوّن طلب الاتصال بك، لكنه انشغل بتثبيت الموقع، وبعد انقطاع المكالمة تعامل مع بلاغ آخر. كان يجب أن يبلغ المشرف. لم يفعل.

— سبعة أمتار.

— ماذا؟

— كنت على بعد سبعة أمتار من سامر.

لم يجد المدير جواباً.

خرجت رُواء من الغرفة ومشت نحو القاعة. كان سامر في مكانه، يضع السماعة ويكتب بيانات مكالمة. انتظرت حتى انتهى، ثم وقفت أمامه.

حين رآها، تغير وجهه.

عرف.

نهض وقال:

— رُواء، والله ما كنت أعرف…

— عرفت اسمي.

— ما انتبهت أنه والدچ إلا لما راجعوا التسجيل.

— قال لك إنني أعمل هنا.

— عدنا أكثر من رُواء، وكنت أحاول أحدد العنوان. بعد ما انقطع الخط، دخلت مكالمة حادث بيها أربعة مصابين، وبعدها…

— نسيت.

قال بصوت مكسور:

— إي. نسيت.

كان بإمكانها أن تصرخ. أن تضربه. أن تقول له إنه قتل أباها. تجمّع بعض الموظفين حولهما، وتقدم المدير من بعيد.

لكن رُواء نظرت إلى شاشة سامر. كانت خمس مكالمات تنتظر، ثم صارت ستاً. تعرف ماذا يحدث داخل رأس موظف الطوارئ عندما تتزاحم الأصوات. يعرف أن كل متصل يظن أن مأساته الوحيدة في العالم، بينما عليه أن يقسم انتباهه بين الجميع.

قال سامر:

— أنا مستعد أتحمل التحقيق وأي عقوبة.

سألته:

— لو أبلغتني، كنت ألحقه؟

لم يجب فوراً.

قال:

— ما أعرف.

— قل الحقيقة.

— احتمال. الاتصال كان مبكراً، وكان واعياً. لو اتصلتِ بجار أو وصلتي بسرعة… احتمال.

كانت كلمة «احتمال» أشد قسوة من اليقين. لو قال إنه مات فوراً، لاستطاعت أن تضع الحادث في خانة القدر. ولو قال إنه كان سينجو حتماً، لوجدت مذنباً واضحاً.

لكن الاحتمال يترك الباب مفتوحاً لعذاب لا ينتهي.

قال سامر:

— آسف.

أجابته:

— الاعتذار ما يرجع سبع دقائق.

ثم غادرت.

بدأ تحقيق إداري. أوقف سامر مؤقتاً عن استقبال المكالمات، ووُجه إنذار إلى المشرف، وتقرر تعديل النظام بحيث تظهر صلة المتصل بأي موظف في المركز، وإرسال تنبيه تلقائي إذا انقطع اتصال مريض في خطر قبل وصول الفريق إليه.

قال المدير لرُواء إن شكواها ستمنع تكرار الأمر.

كرهت العبارة.

كان الناس يقولونها عندما لا يملكون شيئاً يعيد الميت: «سيمنع هذا تكراره». كأن على عادل أن يموت كي يتعلم النظام كيف يتصل بابنته.

أخذت رُواء إجازة طويلة. لم تستطع وضع السماعة على أذنها من دون سماع أنفاس أبيها. كل رجل مسن يتصل كان يتحول في ذهنها إلى صوته. وكل عنوان ناقص يبدو بيتاً ينتظر خلف بابه شخصاً ساقطاً على الأرض.

في المنزل، ازدادت عصبيتها. كانت تراجع هاتفها كل دقيقة، وتتصل بلُجين وهي في المدرسة، وتغضب إذا لم يجب نِبراس فوراً. اشترت لأبي زوجها ساعة تراقب نبض القلب، ثم اتصلت به مرات لتتأكد من ارتدائها.

قال لها نِبراس ذات ليلة:

— أنتِ تحاولين إنقاذ كل الناس بأثر رجعي.

— لا تتفلسف عليّ.

— مو فلسفة. أنتِ ما تنامين، وما تخلين أحد يغيب عن عينچ.

— لأن الناس تموت عندما نفترض أنها بخير.

— والناس تختنق أيضاً عندما نخاف عليها بهذه الطريقة.

نظرت إليه بحدة.

— أبي مات لأنني لم أخف عليه كفاية.

قال بهدوء:

— أبوچ اتصل بمركز كامل، وليس بك وحدچ. حصل خطأ، نعم. لكنكِ لم تكوني تعرفين.

— كان هاتفي أمامي.

— وترك رسالة لم يقل فيها إنه يموت.

— لأنه لم يرد أن يخيفني.

— إذن لماذا تعاقبين نفسك على قرار اتخذه ليحميك؟

لم تجبه.

كانت تعرف أن أباها قال بوضوح: «لا تكول تأخرت». لكنه لم يكن موجوداً ليمنعها من قولها لنفسها.

بعد شهرين، اضطرت إلى إخلاء منزله لأن عقد البيع القديم كان قد حُسم قبل وفاته. فوجئت عندما أخبرها المحامي أن عادل باع البيت قبل ثلاثة أشهر، واشترط أن يبقى فيه حتى نهاية السنة.

قالت:

— باعه؟ ولماذا؟

ناولها ملفاً صغيراً.

وجدت حوالة مصرفية باسمها، وأخرى باسم لُجين. كان أبوها قد وضع معظم ثمن البيت في حساب تعليمي لحفيدته، واحتفظ بمبلغ لاستئجار شقة صغيرة قريبة من منزل رُواء.

سألت المحامي:

— متى كان سينتقل؟

— بداية الشهر القادم. قال إنه يريد أن يخبرك بعدما يجهز الشقة، حتى لا تعترضي.

تذكرت اتصالاته في تلك الليلة.

ربما لم يكن يريد فقط أن يقول إنه متعب. ربما أراد أن يخبرها عن الشقة. أو عن المال. أو يسألها عن لون الستائر. وربما لم يكن لديه شيء مهم إطلاقاً، بل أراد سماع صوتها.

لم تعد تستطيع معرفة ذلك.

في آخر يوم قبل تسليم البيت، جاءت لُجين معها. نزعتا الصور عن الجدران، وأفرغتا الخزائن، وتركتا بعض الأثاث للمشتري الجديد.

وجدت الطفلة خلف باب غرفة جدها علامات صغيرة بالقلم، إلى جانبها تواريخ وأرقام.

سألت:

— شنو هاي؟

اقتربت رُواء.

كانت قياسات طول لُجين. في كل زيارة تقريباً، كان عادل يجعلها تقف مستقيمة خلف الباب، يضع كتاباً فوق رأسها، ويرسم خطاً صغيراً مع التاريخ.

آخر خط كان قبل أسبوعين من موته.

تحته كتب: «لُجين صارت بطول قلب جدها».

قالت الطفلة:

— نقدر ناخذ الباب؟

ابتسمت رُواء من بين دموعها.

— الباب مو إلنا بعد.

— بس جدو كتب عليه.

تحدثت مع المشتري. لم يفهم في البداية لماذا تريد باباً قديماً فيه خدوش وقلم، لكنه وافق مقابل أن تشتري له باباً بديلاً.

نقلا الباب إلى شقتها، ووضعه نِبراس في غرفة لُجين. لم يناسب الفتحة تماماً، فثبته إلى الجدار كقطعة خشبية تحفظ القياسات.

عادت رُواء إلى العمل بعد أربعة أشهر.

في يومها الأول، جلست أمام الشاشة ولم تضع السماعة فوراً. مرّ سامر قربها. كان قد عاد بعد التحقيق، لكن نُقل إلى قسم مراجعة البلاغات. توقف، كأنه يريد أن يقول شيئاً، ثم اكتفى بتحيتها.

ردت التحية.

لم تسامحه تماماً. ولم تعد تكرهه كما كرهته في البداية. فهمت أن بعض المآسي لا يصنعها شخص شرير، بل سلسلة من الهفوات الصغيرة: عنوان غير دقيق، مفتاح ثقيل، موظف مشتت، هاتف مقلوب، شجار لم يُصلح في وقته.

كل هفوة وحدها قابلة للتبرير.

لكنها حين اجتمعت، صنعت قبراً.

وضعت السماعة.

جاءها أول اتصال من امرأة تقول إن والدها المسن لا يجيب. سألتها رُواء عن العنوان، ثم عن آخر مرة تحدثت إليه، وهل يوجد مفتاح عند جار، وهل تستطيع الوصول إليه.

قالت المرأة:

— يمكن نايم. أخاف أزعج الإسعاف على شي بسيط.

أجابتها رُواء:

— الاطمئنان مو إزعاج. ابقي معي.

أرسلت فريقاً، واتصلت بأقرب دورية، وطلبت من المرأة أن تتواصل مع جار أبيها. بقيت على الخط حتى فُتح الباب. كان الرجل قد سقط في الحمام، لكنه كان حياً. نُقل إلى المستشفى بكسور بسيطة.

بعد انتهاء المكالمة، نزعت رُواء السماعة وبكت بصمت.

لم يكن الرجل أباها، وإنقاذه لم يغير الماضي. لكنه أعاد إلى عملها معنى كادت تفقده. أدركت أن الألم لا يمنح الإنسان فرصة لتعديل ما حدث، لكنه قد يعلمه أين يضع يده حين يتكرر الخطر أمام شخص آخر.

في ذكرى وفاة عادل الأولى، ذهبت رُواء مع لُجين إلى المقبرة. حملت الطفلة رسمة لبيت صغير له باب أزرق، ووضعتها قرب القبر.

قالت:

— ماما، جدو يعرف أننا نقلنا بابه؟

— ما أعرف.

— إذا ما يعرف، ليش نحچي وياه؟

جلست رُواء على حافة الرصيف الحجري.

— لأن بعض الكلام ي

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً