قد يرتكب الإنسان خطأً يستغرق عشر ثوانٍ، ثم يدفع ثمنه سنوات؛ لا لأن الخطأ بهذا الحجم، بل لأن هاتفاً كان موجهاً نحوه في اللحظة الأسوأ من حياته.
يحدث خلاف في متجر، فيرفع أحدهم هاتفه. يتعثر عامل في أداء مهمته، فيصوره زبون غاضب. يصرخ أب في وجه ابنه داخل مكان عام، فتنتشر اللقطة من دون أن يعرف أحد ما سبقها أو ما تبعها. تقع مشادة بين سائقين، فيُقتطع الجزء الأكثر إثارة، ويُرفق بعنوان حاسم: «شاهدوا أخلاق هذا الشخص».
خلال ساعات، يصبح وجه إنسان مجهول مألوفاً لآلاف الناس. يكتب بعضهم اسمه، ويبحث آخرون عن مكان عمله، ويطالب فريق بطرده، ويهدد فريق آخر عائلته، بينما يتسابق الجميع إلى إصدار حكم كامل اعتماداً على مقطع ناقص.
لم تعد الهواتف توثّق الأحداث فحسب؛ صارت في أيدي بعض الناس محاكم متنقلة. المصوّر يجمع الدليل، والناشر يكتب الاتهام، والمتابعون يصدرون الحكم، ثم يبدأ تنفيذ العقوبة اجتماعياً قبل أن يعرف أحد الحقيقة كاملة.
لا يمكن إنكار أن التصوير أدى دوراً مهماً في كشف انتهاكات كان من السهل إنكارها. أظهر اعتداءات، ووثّق فساداً، وحمى ضحايا لم يكن صوتهم سيصل من دونه. وفي بعض الحالات، لا تكون الكاميرا تعدياً، بل وسيلة دفاع أخيرة أمام شخص أقوى أو مؤسسة ترفض الاعتراف بما حدث.
لكن المشكلة تبدأ عندما نعامل كل موقف مزعج كأنه فضيحة عامة، وكل خلاف شخصي كأنه قضية رأي عام، وكل خطأ بشري كأنه تعريف نهائي بصاحبه.
هناك فرق كبير بين توثيق واقعة لحماية حق، وبين نشر وجه إنسان بهدف إذلاله. الأول يحتفظ بالدليل ويقدمه إلى الجهة المسؤولة، أما الثاني فيعرضه على جمهور لا يملك المعلومات ولا الاختصاص، لكنه يملك وقتاً كافياً للغضب.
لقد أصبحت جملة «سأنشرك على مواقع التواصل» نوعاً جديداً من التهديد. يقولها زبون لموظف، وطالب لمعلم، ومراجع لطبيب، وشخص لشريكه السابق. لم يعد المطلوب أحياناً حل المشكلة، بل إخضاع الطرف الآخر بالخوف من التشهير.
الموظف الذي يعرف أن أي كلمة قد تُقتطع من سياقها يبدأ التعامل مع الناس بحذر متوتر. المعلم يخشى ضبط الصف بطريقة حازمة. الطبيب يتردد في شرح احتمالات مؤلمة لأن شخصاً قد يسجل جزءاً من كلامه. والعامل البسيط، الذي لا يملك إدارة علاقات عامة أو محامياً، يصبح هدفاً سهلاً لأن دفاعه عن نفسه أبطأ من انتشار المقطع.
هذا لا يعني أن أصحاب هذه المهن لا يخطئون، ولا أن مواقعهم تمنحهم حصانة من المساءلة. المقصود أن المساءلة يجب أن تكون عادلة، وأن تذهب إلى المكان القادر على التحقيق، لا إلى جمهور يكافئ أكثر الروايات إثارة.
فالمقطع المصور لا يكذب دائماً، لكنه لا يقول الحقيقة كلها بالضرورة.
قد يبدأ بعد استفزاز طويل. وقد ينتهي قبل اعتذار صاحبه. وقد يُصوّر من زاوية تخفي تصرف الطرف الآخر. وقد يكون الشخص في حالة مرضية أو نفسية لا يعرفها المشاهدون. وربما يكون مذنباً فعلاً، لكن ذنبه محدود، بينما العقوبة الرقمية غير محدودة.
في الحياة الطبيعية، يرتكب الإنسان خطأً في مكان محدد، أمام عدد محدود من الناس، ثم يحصل على فرصة للاعتذار والإصلاح. أما على الإنترنت، فالخطأ يُنسخ بلا نهاية. يُحفظ على أجهزة الغرباء، ويعاد نشره كلما بحث أحد عن اسمه، وقد يظهر بعد سنوات أمام صاحب عمل أو شريك حياة أو طفل لم يكن قد وُلد حين وقعت الحادثة.
هنا تفقد العقوبة تناسبها مع الفعل.
قد يستحق شخص إنذاراً، فيخسر وظيفته. وقد يستحق شكوى، فتُهدد عائلته. وقد يكون بريئاً، لكن التوضيح يصل إلى ألف شخص بعد أن وصل الاتهام إلى مليون. وحتى عندما يُحذف المنشور الأصلي، تبقى نسخه متناثرة في حسابات لا يعرفها صاحبه ولا يستطيع الوصول إليها.
ومن أخطر ما صنعته ثقافة التشهير أنها جعلت الناس يتعاملون مع لحظات انهيار الآخرين بوصفها مادة للترفيه. نرى شخصاً يبكي، أو امرأة تصرخ، أو مسناً مرتبكاً، فيفكر بعض الحاضرين في جودة التصوير قبل التفكير في تقديم المساعدة.
قد يسقط إنسان في الشارع، فتلتف حوله الهواتف أكثر من الأيدي. وقد يقع حادث، فيصوّر الناس المصابين ولوحات السيارات والدماء، ثم ينشرونها قبل أن تعرف العائلات ما حدث. وفي الجنائز والمستشفيات، تُنتهك أكثر اللحظات هشاشة تحت ذريعة «نقل الواقع».
لكن ليس كل واقع صالحاً للنشر.
هناك مشاهد تكون حقيقتها في أنها تخص أصحابها وحدهم. دمعة الأم ليست خبراً. وجه المصاب ليس ملكاً لمن وصل قبله إلى مكان الحادث. ارتباك الطفل ليس مادة طريفة. وانهيار شخص في لحظة خوف لا يمنح الغرباء حق الاحتفاظ بنسخة منه.
الأذى لا يقع على الشخص المصوَّر وحده. قد يتعرف طفل إلى أبيه في مقطع مهين. وقد ترى أم ابنتها تتعرض للسخرية. وقد تُحاصر عائلة كاملة بسبب تصرف فرد واحد. الجمهور يهاجم صورة على الشاشة، لكنه لا يرى البيوت التي تصل إليها الكلمات بعد إغلاق الهواتف.
والغريب أننا نطالب الآخرين بالتسامح معنا، بينما نمنح أنفسنا حق اختصارهم في أسوأ لحظاتهم. نقول إن لكل إنسان ظروفاً، ثم ننسى ذلك عندما يمنحنا الغضب شعوراً بالقوة. نرفض أن يحكم علينا أحد من خطأ قديم، لكننا نفعل الأمر نفسه بلمسة واحدة على زر المشاركة.
ربما لأن الإدانة الجماعية تمنح الفرد وهماً بالنقاء. عندما نهاجم المخطئ بصوت مرتفع، نشعر أننا نقف في الجهة الصحيحة، ولا نضطر إلى النظر في أخطائنا الخاصة. يصبح غضبنا إعلاناً أخلاقياً عن أنفسنا أكثر مما يكون دفاعاً حقيقياً عن الضحية.
ولا تحتاج المشاركة إلى شجاعة كبيرة. يستطيع الإنسان أن يهدم سمعة شخص وهو جالس في سريره، ثم يضع هاتفه جانباً ويواصل يومه. أما الشخص الذي أصبح مادة متداولة، فقد لا يستطيع العودة إلى عمله أو مغادرة بيته أو إرسال أطفاله إلى المدرسة بصورة طبيعية.
لهذا ينبغي أن نسأل قبل النشر: ما الهدف؟
إذا كان الهدف حفظ حق، فهل يمكن إرسال المقطع إلى جهة مختصة من دون نشره؟ وإذا كان هناك خطر على الناس، فهل يمكن التحذير من السلوك من دون إظهار الوجوه والمعلومات الشخصية؟ وإذا كان الشخص طفلاً أو مريضاً أو في حالة ضعف، فهل يملك أصلاً القدرة على الموافقة؟
السؤال الثاني: ماذا نعرف فعلاً؟
هل شاهدنا الحادثة كاملة، أم وصلنا مقطعاً يبدأ في منتصفها؟ هل نعرف صاحب الحساب؟ هل توجد رواية أخرى؟ هل يمكن أن يكون العنوان مضللاً؟ إن التوقف دقائق للتحقق ليس دفاعاً عن الخطأ، بل دفاع عن العدالة.
السؤال الثالث: هل العقوبة التي سيخلقها النشر متناسبة مع الفعل؟
ليس كل سلوك سيئ جريمة، وليس كل خلاف فضيحة، وليس كل إنسان أخطأ خطراً عاماً. أحياناً يكفي تنبيه واضح، أو شكوى رسمية، أو طلب اعتذار، أو تدخل مسؤول المكان. تحويل كل مشكلة إلى حملة لا يجعل المجتمع أكثر عدلاً، بل أكثر خوفاً وقسوة.
وحين يكون النشر ضرورياً لكشف انتهاك حقيقي، يمكن تقليل الأذى غير اللازم. تُطمس وجوه الأطفال والمارة، وتُخفى الأسماء والعناوين التي لا تخدم القضية، ويُنشر القدر الذي يثبت الواقعة لا كل ما يفضح حياة أصحابها. كما ينبغي تحديث المنشور إذا ظهرت معلومات جديدة، ونشر التصحيح بالوضوح نفسه الذي نُشر به الاتهام.
فليس من الأمانة أن نكتب الاتهام بحروف كبيرة، ثم نضع البراءة في تعليق لا يراه أحد.
ويجب أن نتعلم أيضاً كيف نشاهد. المتلقي ليس طرفاً محايداً؛ فكل مشاهدة وتعليق ومشاركة تزيد انتشار المحتوى. قد لا نكون من صوّر المقطع، لكننا نشارك في توسيع أثره. والامتناع عن إعادة نشر الإهانة ليس صمتاً عن الحق دائماً، بل قد يكون احتراماً لإنسانية من ظهر فيها.
يمكننا الاعتراض على السلوك من دون السخرية من الشكل أو اللهجة أو الفقر. يمكننا المطالبة بمحاسبة المخطئ من دون تهديد أسرته. ويمكننا دعم الضحية من دون تحويل ألمها إلى عرض دائم يتداوله الغرباء.
كما أن الاعتذار الرقمي يحتاج إلى ثقافة مختلفة. إذا ثبت أن شخصاً أخطأ، واعترف، وأصلح ما يستطيع، فيجب أن تكون هناك إمكانية واقعية لانتهاء القضية. المجتمع الذي لا يسمح للإنسان بالتعلم من خطئه لا يصنع أفراداً أفضل؛ بل يصنع أشخاصاً يخشون الاعتراف ويجيدون الاختباء.
أما إذا تبين أن الاتهام كاذب، فلا يكفي حذف المنشور بصمت. على من نشره أن يتحمل مسؤولية التصحيح والاعتذار، لأن السمعة ليست شيئاً يعود إلى مكانه بمجرد الضغط على زر الحذف.
إن الهاتف أداة قوية، وقيمته الأخلاقية تتحدد بالطريقة التي نحمله بها. قد يكون شاهداً يحمي مظلوماً، وقد يكون نافذة تفضح إنساناً لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وقد يتحول من وسيلة للعدالة إلى وسيلة للانتقام، بينما نظن أننا نفعل الشيء الصحيح.
لسنا مطالبين بإغلاق الكاميرات أمام الظلم، بل بفتح ضمائرنا قبل تشغيلها. المطلوب أن نميز بين الشهادة والفرجة، وبين التحذير والتشهير، وبين محاسبة الفعل وإلغاء الإنسان كله.
وقبل أن ننشر وجه شخص في لحظة ضعفه، علينا أن نتذكر أن لكل إنسان حياة خارج إطار المقطع: أسرة تنتظره، وكرامة يحاول الحفاظ عليها، وأخطاء لا تختصر كل ما فعله، وربما حقيقة لم تجد من يصورها.
قد نحتاج أحياناً إلى رفع الهاتف.
لكننا نحتاج، قبل ذلك، إلى رفع مستوى الرحمة والوعي والمسؤولية؛ لأن المجتمع العادل لا يترك الظلم بلا دليل، ولا يحوّل الدليل إلى أداة لظلم جديد.
محاكم الهواتف
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً