الرجوع إلى مقالاتمقالات

حين تصبح المجاملة عبئاً

نعيش في مجتمعات تمنح المجاملة مساحة كبيرة في تفاصيل الحياة اليومية. نتعلم منذ الصغر أن نبتسم للضيف حتى لو كنا متعبين، وأن نقول إننا بخير ولو كانت أيامنا ثقيلة، وأن نوافق على بعض الأمور كي لا نُغضب الآخرين. وفي أصلها، ليست المجاملة سلوكاً سيئاً؛ فهي جزء من الذوق، وطريقة لإظهار الاحترام، ووسيلة تساعد الناس على العيش معاً من دون أن تتحول كل ملاحظة صغيرة إلى مشكلة كبيرة. لكن الخطر يبدأ حين لا تعود المجاملة تصرفاً نختاره، بل تصبح أسلوب حياة نستخدمه لإخفاء حقيقتنا والتنازل المستمر عن راحتنا وحقوقنا.كثيرون لا يقولون ما يريدونه فعلاً. يوافقون على دعوات لا يرغبون في حضورها، ويتحملون علاقات تستنزفهم، ويقبلون مسؤوليات ليست واجباً عليهم، ثم يعودون إلى بيوتهم غاضبين من أشخاص لم يعرفوا أصلاً أنهم سبّبوا لهم الضيق. المشكلة هنا ليست دائماً في الآخرين، بل في الرسائل المتناقضة التي نرسلها إليهم. نقول بألسنتنا: «لا توجد مشكلة»، بينما ننتظر منهم أن يلاحظوا المشكلة من نظراتنا وصمتنا وطريقة ابتعادنا.

نعتقد أن الإنسان الذي يحبنا يجب أن يفهمنا من دون أن نتكلم، وأن الصديق الحقيقي سيلاحظ تعبنا، وأن أفراد العائلة يجب أن يعرفوا حدودنا تلقائياً. لكن الناس، مهما كانوا قريبين، لا يستطيعون قراءة الأفكار. قد يلاحظون تغيراً في ملامحنا أو نبرة صوتنا، لكنهم لن يعرفوا سببه بدقة ما لم نخبرهم. وعندما نختار الصمت ثم نحاسبهم على عدم الفهم، نصنع خلافاً كان يمكن تجنبه بجملة واضحة.

تتحول المجاملة إلى عبء عندما نقول «نعم» خوفاً من أن تتغير صورة الناس عنا. بعض الأشخاص يبنون قيمتهم الذاتية على كونهم محبوبين من الجميع. يشعرون أن رفض طلب واحد قد يجعلهم أنانيين، وأن الغياب عن مناسبة قد يعني عدم الوفاء، وأن الاعتراض على تصرف مؤذٍ قد يؤدي إلى خسارة العلاقة. لذلك يمنحون وقتهم وجهدهم ومالهم وراحتهم، ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم لم يعودوا يعرفون ما يريدونه لأنفسهم.

قد تجد امرأة تستقبل أقاربها باستمرار رغم إرهاقها، وتخدم الجميع مبتسمة، ثم تبكي بعد مغادرتهم لأنها لم تجد من يسألها إن كانت قادرة على الاستمرار. وقد تجد رجلاً يوافق على إقراض المال لكل من يطلبه لأنه لا يريد أن يوصف بالبخل، ثم يدخل في أزمة مالية لا يعرف بها أحد. وقد تجد موظفاً يقبل مهام زملائه مرة بعد أخرى، حتى يصبح العمل الإضافي حقاً مكتسباً في نظرهم، بينما يخشى هو أن يقول إن طاقته انتهت.

في كل هذه الأمثلة، لا يولد الاستغلال في لحظة واحدة. يبدأ غالباً بطلب بسيط وافق عليه الإنسان وهو غير مرتاح، ثم تكرر الطلب لأن الطرف الآخر لم يرَ رفضاً أو اعتراضاً. ومع الوقت، تتحول التضحية المؤقتة إلى دور ثابت. يصبح الشخص متاحاً دائماً، ومتفهماً دائماً، ومستعداً للتنازل دائماً. وحين يحاول تغيير هذا الدور، يتفاجأ من حوله ويسألونه: «ما الذي تغير فيك؟»

الحقيقة أنه لم يتغير فجأة، بل توقف عن تمثيل الراحة التي لم يشعر بها.

المجتمع كثيراً ما يكافئ الشخص الذي يلغي نفسه. يصفونه بالطيب، والمتعاون، وصاحب القلب الكبير. هذه الصفات جميلة، لكنها تتحول إلى قيود حين يُمنع صاحبها من التعب أو الرفض أو طلب المقابل. يصبح مطلوباً منه أن يحافظ على الصورة التي رسمها الآخرون، حتى لو كانت هذه الصورة تستهلكه.

الطيبة الحقيقية لا تعني أن توافق على كل شيء. والكرم لا يعني أن تمنح ما تحتاج إليه أنت. والوفاء لا يعني البقاء في علاقة تؤذيك. كما أن احترام الكبير لا يعني السكوت عن الإهانة، والحفاظ على العائلة لا يعني أن يتحمل فرد واحد أخطاء الجميع كي يبقى المظهر الخارجي مستقراً.

هناك فرق كبير بين المجاملة والنفاق، وبين المرونة وإلغاء الذات. المجاملة أن تختار كلمة لطيفة بدلاً من كلمة جارحة، أما النفاق فهو أن تظهر قبولاً كاملاً بشيء ترفضه داخلياً لتحقيق رضا مؤقت. والمرونة أن تتنازل مرة لأن الظرف يستحق، أما إلغاء الذات فهو أن تصبح احتياجاتك دائماً آخر ما يُفكر فيه.

أحد الأسباب التي تجعلنا نبالغ في المجاملة هو الخوف من المواجهة. كثيرون يتصورون أن الصراحة لا بد أن تكون قاسية، لذلك يفضلون الصمت. لكن الصراحة ليست مرادفاً للوقاحة. يمكن للإنسان أن يقول: «لا أستطيع الحضور هذه المرة»، من دون اختلاق مرض أو ظرف وهمي. ويمكنه أن يقول: «هذا الكلام أزعجني»، من دون إهانة الطرف الآخر. ويمكنه رفض إعطاء المال إذا كانت ظروفه لا تسمح، من دون أن يدخل في محاكمة طويلة لتبرير قراره.

ليس ضرورياً أن تشرح كل حدودك بالتفصيل. كلمة «لا» ليست جريمة تحتاج إلى مرافعة دفاعية. كلما بالغ الإنسان في تقديم الأعذار، فتح الباب أمام الآخرين لمناقشة عذره ومحاولة إقناعه بالتراجع. فإذا قال إنه لا يستطيع الحضور لأنه متعب، قد يسمع: «تعال ولو ساعة.» وإذا قال إن لديه عملاً، قد يقال له: «أنجزه لاحقاً.» أما حين يقول بهدوء: «لن أتمكن من الحضور، أتمنى لكم وقتاً سعيداً»، فإنه يعلن قراره بطريقة محترمة وواضحة.

لكن وضع الحدود ليس سهلاً لمن عاش سنوات محاولاً إرضاء الجميع. عندما يبدأ بالرفض، سيشعر بالذنب حتى لو لم يفعل شيئاً خاطئاً. قد يظن أن انزعاج الآخرين دليل على سوء تصرفه، مع أن الانزعاج أحياناً يعني فقط أنهم لم يعتادوا رؤيته يختار نفسه.

بعض العلاقات ستقاوم حدودك لأنها استفادت من غيابها. الشخص الذي اعتاد اتصالك الدائم قد يتهمك بالتغير حين تقلل اتصالاتك. والقريب الذي اعتاد استخدام سيارتك قد يغضب حين ترفض. والزميل الذي تعود أن تنجز عمله قد يصفك بعدم التعاون عندما تتوقف. ردود الفعل هذه لا تعني بالضرورة أنك أصبحت قاسياً؛ قد تعني فقط أن العلاقة كانت قائمة على ما تقدمه أكثر مما هي قائمة عليك.

عندما نقول الحقيقة بوضوح، نمنح الآخرين فرصة لفهمنا والتعامل معنا بطريقة أفضل. وقد نكتشف أن بعضهم لم يكن يقصد استنزافنا، بل ظن أننا مرتاحون لأننا لم نقل غير ذلك. الصديق الذي يطلب منك مساعدته قد يتراجع فوراً إذا عرف أنك متعب. وأفراد العائلة قد يشاركونك المسؤولية إذا أخبرتهم أنك لم تعد قادراً على حملها وحدك. ليس كل من تجاوز حدودنا شخصاً سيئاً، لكن استمرار التجاوز بعد توضيحها يكشف الكثير عن طبيعة العلاقة.

هناك نوع آخر من المجاملة لا يؤذينا وحدنا، بل يؤذي من نجاملهم أيضاً. عندما نمدح عملاً لا يعجبنا، أو نسكت عن خطأ واضح، أو نطمئن شخصاً إلى قرار نراه خطيراً فقط كي لا نزعجه، فنحن لا نقدم له دعماً حقيقياً. الصديق الصادق ليس من يصفق لكل خطوة، بل من يعرف متى يقول بلطف: «أعتقد أنك تحتاج إلى إعادة التفكير.»

نحتاج إلى تعلم الفرق بين الحقيقة التي تساعد والحقيقة التي تُستخدم للإيذاء. ليس ضرورياً أن نقول كل رأي يخطر في أذهاننا. إذا لم يعجبنا شكل شخص أو اختياره لملابسه، فقد لا تكون ملاحظتنا ضرورية. أما إذا كان شخص قريب منا يتخذ قراراً يهدد مستقبله، فإن الصمت بحجة المجاملة قد يكون تخلياً عنه.

الصراحة الناضجة تراعي التوقيت والطريقة والهدف. نسأل أنفسنا قبل الكلام: هل ما سأقوله ضروري؟ هل سيقدم فائدة؟ هل أستطيع قوله بأسلوب يحفظ كرامة الطرف الآخر؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن الصمت لا يكون دائماً أكثر احتراماً.

داخل العائلات، تصبح المجاملة أكثر تعقيداً. قد تسكت الزوجة عن سلوك يزعجها لأنها لا تريد مشكلة، ويسكت الزوج عن ضغط يشعر به لأنه يخشى أن يبدو ضعيفاً. يتراكم الصمت بينهما حتى يتحول أمر صغير إلى مسافة كبيرة. وعندما يقع الانفجار، يظن كل طرف أن الآخر تغير فجأة، بينما الحقيقة أن المشاعر القديمة وجدت أخيراً طريقاً للخروج.

العلاقة الصحية لا تحتاج إلى شخصين لا يختلفان، بل إلى شخصين يستطيعان الاختلاف من دون إذلال أو تهديد. حين يقول أحدهما: «أنا منزعج»، لا يعني أنه يريد إنهاء العلاقة. وحين يطلب مساحة أو وقتاً لنفسه، لا يعني أنه توقف عن الحب. المشكلة أن البعض يفسر الحدود بوصفها رفضاً شخصياً، فيضغط على الطرف الآخر حتى يعود إلى الصمت.

كذلك يعلّم بعض الآباء أبناءهم المجاملة بطريقة تجعلهم ضعفاء أمام الضغط الاجتماعي. يُجبر الطفل على تقبيل شخص لا يرتاح إليه، أو الاعتذار حتى عندما لم يخطئ، أو إعطاء أشيائه للآخرين كي لا يقال عنه أناني. بهذه الطريقة، يتعلم الطفل أن مشاعره أقل أهمية من رضا الناس، وأن الاعتراض سلوك سيئ، وأن عليه تجاهل عدم ارتياحه كي يبدو مؤدباً.

يمكن تعليم الطفل الاحترام من دون إلغاء حدوده. نعلمه إلقاء التحية، لكنه ليس مضطراً إلى عناق كل شخص. نعلمه المشاركة، لكن ليس مطلوباً منه إعطاء شيء عزيز عليه بالقوة. نعلمه الاعتذار عندما يخطئ، لكننا لا نجعله يحمل ذنباً ليس ذنبه كي ينتهي الخلاف بسرعة.

الحدود التي يتعلمها الإنسان في طفولته تحميه في شبابه. من يعرف أن من حقه الرفض، سيكون أقل عرضة للعلاقات المؤذية والاستغلال والابتزاز. ومن يعرف أن مشاعره تستحق الاستماع، لن يحتاج إلى كتمانها سنوات ثم التعبير عنها بطريقة مدمرة.

قد يخاف الإنسان من أن تجعله الحدود وحيداً. لكن العلاقات التي لا تستمر إلا بصمته وتنازله المستمر ليست أماناً حقيقياً. الوحدة المؤقتة أرحم من صحبة تجبرنا على أداء دور لا يشبهنا. والذين يحبوننا بصدق قد ينزعجون أحياناً من قراراتنا، لكنهم سيتعلمون احترامها.

لا يعني هذا أن نعيش بأنانية أو نرفض كل طلب. الحياة المشتركة تحتاج إلى تنازلات، والعائلة تحتاج إلى تعاون، والصداقة تحتاج إلى حضور وقت الشدة. لكن التنازل الصحي يحدث في الاتجاهين. تعطي اليوم ويعطي الآخر غداً. تتفهم ظرفه ويتفهم ظرفك. أما حين يكون شخص واحد دائماً هو المتنازل، فالعلاقة فقدت توازنها مهما كانت تسميتها جميلة.

يمكن للإنسان أن يبدأ بخطوات صغيرة. يراقب المرات التي يقول فيها «نعم» بينما يريد الرفض، ويسأل نفسه عن السبب. هل وافق حباً ورغبة، أم خوفاً من النقد؟ هل يستطيع تنفيذ ما وعد به من دون أن يظلم نفسه؟ هل الطرف الآخر يحترم رفضه أم يعاقبه عليه؟

بعد ذلك يتدرب على إجابات واضحة وبسيطة: «لا يناسبني هذا الوقت»، «لا أستطيع تحمل هذه المسؤولية»، «أفضل ألا نتحدث بهذه الطريقة»، «أحتاج إلى التفكير قبل أن أجيب.» هذه الجمل لا تحمل إهانة، لكنها تمنع الموافقة التلقائية التي يدفع الإنسان ثمنها لاحقاً.

قد نخسر بعض العلاقات عندما نتوقف عن المجاملة الزائدة، لكننا سنعرف عندها الفرق بين من كان يحبنا ومن كان يحب سهولة الوصول إلينا. وفي المقابل، قد تصبح علاقات أخرى أقوى، لأن الصراحة تزيل التخمين وسوء الفهم، وتجعل كل طرف يعرف ما يستطيع توقعه من الآخر.

ليس المطلوب أن نتحول إلى أشخاص قساة يتحدثون بلا مراعاة، ولا أن نستخدم كلمة «الصراحة» ذريعة لجرح الناس. المطلوب أن نجد المسافة المتوازنة بين الأدب والصدق، وبين العطاء وحماية النفس، وبين مراعاة مشاعر الآخرين وعدم خيانة مشاعرنا.

المجاملة جميلة عندما تكون زهرة نضعها فوق الحقيقة، لا ستاراً نخفي الحقيقة خلفه. والإنسان لا يحتاج إلى أن يكون مقبولاً من الجميع كي يكون جديراً بالاحترام. يكفي أن يكون واضحاً، رحيماً، وصادقاً مع نفسه ومع من حوله.

في النهاية، الذين يعرفونك فقط وأنت توافقهم، لا يعرفونك حقاً. والذين لا يحبونك إلا عندما تتنازل، لا يحبونك كما ينبغي. أما العلاقة التي تستحق البقاء، فهي التي تسمح لك أن تقول «نعم» بمحبة، و«لا» من دون خوف، وأن تكون نفسك من غير أن تعتذر كل مرة عن وجودك.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً