الرجوع إلى مقالاتمقالات

الديون تسرق الطمأنانية

كان صوت الملعقة وهي تصطدم بحافة الكوب أعلى من المعتاد في ذلك الصباح. لم يكن في المطبخ ما يستدعي التوتر؛ الماء يغلي، والخبز يتحمص، والمدينة تستيقظ خلف النوافذ المبللة بالمطر. ومع ذلك، كان مازن يجلس أمام فنجان قهوته كمن ينتظر خبرًا سيئًا يعرف أنه سيصل.

على الطاولة، إلى جوار علبة الدواء ومفاتيح السيارة، وُضع ظرف أبيض لم يفتحه بعد.

لم يكن يحتاج إلى قراءة محتواه. فقد عرف من الشعار المطبوع عليه أنه تذكير جديد بقسط متأخر.

مد يده نحوه، ثم سحبها.

كانت زوجته رُبى تراقبه من الطرف الآخر للمطبخ. لم تسأله عن الظرف، فقد أصبحت تعرف تلك الحركة جيدًا. كان يفعل الشيء نفسه كلما وصل إشعار جديد: ينظر إليه، يؤجل فتحه، ثم يمضي إلى عمله وهو يحمل القلق معه.

قالت وهي تضع طبق الخبز أمامه:

«هل بقي شيء من الراتب بعد دفع الإيجار؟»

أجاب دون أن يرفع عينيه:

«بقي القليل».

سألته:

«وهل يكفي حتى نهاية الأسبوع؟»

صمت لحظة، ثم قال:

«سنرى».

كانت هذه الكلمة قد أصبحت جزءًا من حياتهما.

سنرى.

يقولانها حين يتعطل شيء في المنزل، وحين يحتاج أحدهما إلى زيارة الطبيب، وحين تأتي دعوة عائلية، وحين يقترب موعد دفع فاتورة الكهرباء.

لم تعد تعني انتظار ما سيحدث بقدر ما أصبحت طريقة مهذبة للاعتراف بأنهما لا يعرفان كيف سيتصرفان.

قبل ثلاث سنوات، لم تكن حياتهما مرفهة، لكنها كانت مستقرة بما يكفي.

كان مازن يعمل مسؤولًا عن حركة الشحنات في مستودع للمواد الغذائية، وكانت رُبى موظفة في قسم السجلات بإحدى العيادات. اعتادا تقسيم المصروفات، وادخار مبلغ صغير كل شهر، والخروج مساء الجمعة لتناول العشاء في مطعم متواضع بالقرب من منزلهما.

لم تكن لديهما سيارة حديثة أو أثاث فاخر، ولم يسافرا كثيرًا، لكنهما كانا يشعران بأن المال الذي يحصلان عليه يكفي لتدبير حياتهما.

وكان ذلك الشعور، على بساطته، نعمة لم ينتبها إلى قيمتها إلا حين فقداها.

بدأ الأمر بعطل في نظام التدفئة خلال شتاء قاسٍ.

كانا يسكنان شقة مستأجرة، لكن إصلاح سيارة مازن في الأسبوع نفسه استهلك الجزء الأكبر من مدخراتهما. احتاج السيارة للوصول إلى عمله في منطقة لا تخدمها المواصلات العامة بصورة مناسبة.

دفعا تكاليف الإصلاح ببطاقة ائتمان.

قال مازن يومها:

«شهران وننتهي منها».

لم يكن يتوقع أن تتراجع ساعات عمله بعد أسابيع، ولا أن تضطر رُبى إلى أخذ إجازات غير مدفوعة لمرافقة والدتها خلال فترة علاج طويلة.

لم تقع كارثة واحدة قلبت حياتهما.

بل جاءت سلسلة من المشكلات الصغيرة والمتوسطة، كل واحدة منها قابلة للاحتمال بمفردها، لكنها اجتمعت في وقت لم يترك لهما فرصة لاستعادة توازنهما.

فاتورة علاج لم تغطها التغطية الصحية كاملة.

إطاران جديدان للسيارة.

زيادة في الإيجار.

مصاريف انتقال والدتها إلى منزل أقرب للعيادة.

ثم مبلغ اقترضاه من شقيق رُبى، بعدما أصبح الرصيد المتاح في البطاقة لا يكفي لتغطية الالتزامات.

كانت كل خطوة تبدو معقولة في لحظتها.

وكان لكل مبلغ سبب مفهوم.

لكن الديون لا تسأل دائمًا عن الأسباب التي دفعت الإنسان إليها. إنها تستمر في المطالبة بمواعيدها، سواء تحسنت ظروفه أم بقيت كما هي.

وبعد أشهر، اكتشف مازن أن ما يدفعه لا يقلص المبلغ المستحق بالسرعة التي توقعها، لأن جزءًا من الدفعات يذهب إلى الفوائد والرسوم.

كان يفتح تطبيق البنك في المساء، يراجع الرصيد، ثم يغلقه بشعور غامض بالاختناق.

لم يكن يخشى الفقر بمعناه المجرد.

كان يخشى فقدان السيطرة.

أن يعمل طوال الشهر، ثم يكتشف أن معظم دخله قد حُجز قبل أن يصل إليه.

أن يرن هاتفه في أثناء العمل، فيتردد في الإجابة.

أن يتعطل شيء بسيط في المنزل، فيشعر كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.

وأن تتحول الأيام المقبلة من مساحة للتخطيط إلى سلسلة من المواعيد التي يخشى وصولها.

في البداية، حاول إخفاء قلقه عن رُبى.

كان يظن أنه يحميها.

فإذا سألته عن المال، أخبرها بأن الأمور تحت السيطرة.

وإذا لاحظت شروده، قال إنه متعب من العمل.

وإذا اقترحت شراء شيء يحتاجان إليه، أجاب بأنه من الأفضل تأجيله.

لم يكن يكذب بشأن وجود الديون، فقد كانت تعرفها، لكنه لم يكن يخبرها بكل ما يشعر به، ولا بالتفاصيل التي أصبحت تقلقه.

أما رُبى، فكانت تلاحظ تغيره دون أن تعرف كيف تصل إليه.

لم يعد يتحدث عن خططهما القديمة.

توقف عن اقتراح الخروج في عطلة نهاية الأسبوع.

وأصبح سريع الانفعال حين تناقشه في المصروفات.

ذات مساء، عادت من العمل تحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض الفاكهة وحلوى تحبها والدتها.

نظر إلى الفاتورة وسألها بحدة:

«هل كان ضروريًا شراء كل هذا؟»

رفعت رأسها نحوه بدهشة.

لم تكن قيمة المشتريات كبيرة، ولم يكن معتادًا أن يحاسبها على مثل هذه التفاصيل.

قالت:

«اشتريت شيئًا بسيطًا لأمي. لم أنفق مبلغًا كبيرًا».

أجاب:

«المبالغ الصغيرة هي التي تتجمع».

وضعت الكيس على الطاولة، ثم دخلت غرفتها.

لم يكن الخلاف على الفاكهة.

كانت المشكلة أن المال أصبح حاضرًا في كل حديث، حتى في اللحظات التي لا تستحق الحساب.

بعد دقائق، شعر مازن بالندم.

عرف أنه بالغ في رد فعله، وأن زوجته لم ترتكب خطأ يستحق تلك الحدة.

لكنه كان منهكًا من التفكير.

وكان عقله يتعامل مع كل مبلغ يخرج من المنزل كأنه تهديد جديد لاستقرارهما.

اعتذر منها في تلك الليلة، فقبلت اعتذاره، لكنها قالت جملة ظل يفكر فيها طويلًا:

«أنا لم أعد أخاف من المصاريف فقط. أصبحت أخاف أن أتكلم معك عنها».

لم يجد جوابًا.

فقد أدرك أن الديون لم تعد مجرد أرقام في حساباتهما.

لقد بدأت تغير طريقة حديثهما، وتوزيع اهتمامهما، وحتى إحساس كل منهما بالأمان قرب الآخر.

وهذه إحدى الخسائر التي لا تظهر في كشوف الحسابات.

فالديون قد تأخذ من الإنسان أكثر من المال.

قد تأخذ قدرته على الاستمتاع بوجبة عادية.

وقد تحرمه من النوم الهادئ.

وقد تجعله ينظر إلى المستقبل بوصفه مجموعة من المخاطر، لا مجموعة من الاحتمالات.

وقد تدفعه إلى الانسحاب من المناسبات الاجتماعية، ليس لأنه لا يحب الناس، بل لأنه يخشى أن تتطلب مشاركته إنفاقًا لا يستطيع تحمله.

وحين يستمر هذا الضغط، قد يتغير سلوك الإنسان دون أن ينتبه.

يصبح أكثر حساسية.

أقل صبرًا.

أشد ميلًا إلى العزلة.

وقد يشعر بالذنب كلما أنفق على نفسه، حتى عندما يتعلق الأمر بحاجة ضرورية.

كان مازن يعرف هذه المشاعر جيدًا.

فقد توقف عن شراء الكتب التي اعتاد قراءتها في طريقه إلى العمل، وأصبح يؤجل استبدال حذائه القديم، ويقارن أسعار المواد الغذائية بطريقة تستنزف منه وقتًا طويلًا.

لم يكن التقشف في ذاته ما يؤلمه.

كان يؤلمه الشعور بأنه لا يملك خيارًا آخر.

فالفرق كبير بين إنسان يقرر تقليل مصروفاته لتحقيق هدف اختاره، وإنسان يضطر إلى تقليلها لأنه يخشى العجز عن دفع ما عليه.

الأول يشعر أنه يتحكم في قراره.

أما الثاني فقد يشعر أن القرارات تُتخذ نيابة عنه، وأن دوره يقتصر على محاولة اللحاق بها.

ومع مرور الوقت، بدأ مازن يتجنب فتح الرسائل التي تصله من الجهات الدائنة.

كان يعلم أن تجاهلها لن يلغيها.

لكنه كان يريد ساعات قليلة لا يفكر فيها بالأرقام.

كان يؤجل فتح الرسالة إلى المساء، ثم إلى الغد، ثم إلى نهاية الأسبوع.

وكلما تأخر، ازدادت صعوبة المواجهة.

حتى أصبحت بعض الأظرف غير المفتوحة رمزًا لخوفه أكثر مما كانت مصدرًا لمعلومات جديدة.

وفي أحد الأيام، اتصل به شقيق رُبى.

كان الرجل قد أقرضهما مبلغًا قبل أشهر، ولم يطلب استعادته طوال تلك الفترة.

سأله عن أحوال العمل، ثم قال بتردد إنه يحتاج إلى جزء من المال بسبب مصاريف تخص منزله.

شعر مازن بحرارة تصعد إلى وجهه.

لم يكن يملك المبلغ المطلوب.

وكان يعرف أن الرجل لم يظلمه بطلبه.

قال:

«أحتاج إلى أسبوعين، وسأحاول تدبير جزء منه».

أجابه شقيق زوجته بهدوء:

«لا أريد أن أضغط عليك، لكنني احتجت إلى أن أعرف متى يمكنني الاعتماد على المبلغ».

انتهت المكالمة دون خصام.

لكن مازن بقي جالسًا في سيارته أمام المستودع، عاجزًا عن النزول.

كان يشعر بثقل مختلف عن ثقل الديون المصرفية.

فحين يكون الدين لشخص قريب، لا يصبح المبلغ وحده مصدر القلق.

تدخل العلاقة نفسها في الحساب.

يخشى الإنسان أن يظن الآخر أنه يتهرب.

ويشعر بالحرج عند اللقاء.

وقد يفسر سؤالًا عاديًا على أنه تلميح إلى المال.

وقد يبتعد عن شخص يحبه، لا لأنه فقد محبته، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يواجهه.

وهكذا، يمكن للدين أن يصنع مسافة بين أشخاص لم تكن بينهم مشكلة من قبل.

ليس لأن أحدهم سيئ بالضرورة، بل لأن الحاجة والانتظار والخجل تتداخل بطريقة مرهقة.

عاد مازن إلى منزله في ذلك المساء متأخرًا.

كانت رُبى تجلس قرب النافذة تصلح زرًا انفصل عن معطفها.

سألته عن يومه، فأجاب بأنه كان طويلًا.

ثم جلس أمامها وقال:

«اتصل بي أخوك اليوم».

رفعت عينيها.

«هل طلب المال؟»

أومأ برأسه.

قالت:

«كان يجب أن نتحدث معه قبل أن يضطر إلى السؤال».

أجاب بانزعاج:

«وماذا كنت سأقول له؟ إنني لا أملك شيئًا؟»

وضعت المعطف جانبًا.

«نعم، إذا كانت هذه هي الحقيقة».

نظر إليها بصمت.

تابعت:

«نحن نخفي المشكلة حتى عن أنفسنا. كل شهر نقول إن الشهر القادم سيكون أفضل، ثم يأتي الشهر القادم ونفاجأ بالأشياء نفسها».

لم تكن كلماتها اتهامًا.

كانت متعبة مثله، لكنها وصلت إلى مرحلة لم تعد تستطيع فيها احتمال الغموض.

قالت:

«أريد أن أعرف بالضبط ما علينا. ليس لأنني أبحث عن شخص ألومه، بل لأنني تعبت من الخوف من أشياء لا نعرف حجمها».

في تلك الليلة، أخرجا الأوراق من الأدراج.

فتحا التطبيقات المصرفية، وجمعا الفواتير، وراجعا الدفعات التي التزما بها.

كتبا كل دين على ورقة كبيرة.

المبلغ المتبقي.

موعد الاستحقاق.

الفائدة أو الرسوم، إن وجدت.

والحد الأدنى المطلوب دفعه.

ثم أضافا المصروفات الأساسية: الإيجار، والغذاء، والمواصلات، والدواء، والكهرباء.

لم يكن المشهد مريحًا.

كانت الأرقام أكبر مما أرادا الاعتراف به.

وبعض المبالغ التي ظنا أنها قاربت الانتهاء كانت لا تزال تحتاج إلى أشهر من السداد.

لكن شيئًا مختلفًا حدث.

للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يكن مازن وحده أمام المشكلة.

كانت رُبى إلى جواره، تنظر إلى الأرقام نفسها، وتطرح الأسئلة نفسها، وتحاول فهم الخيارات المتاحة.

قالت بعد أن انتهيا:

«المبلغ كبير، لكن على الأقل أصبح أمامنا بدلًا من أن يبقى في رؤوسنا».

كانت محقة.

فالخوف من المجهول قد يضيف إلى المشكلة وزنًا لا يقل عن وزنها الحقيقي.

وحين تتضح التفاصيل، لا تختفي الصعوبة، لكن يصبح من الممكن التعامل معها بوصفها مسألة تحتاج إلى قرارات، لا قدرًا غامضًا يطارد الإنسان.

في اليوم التالي، اتصل مازن بإحدى الجهات التي يدين لها بالمال، وسأل عن الخيارات المتاحة إذا لم يستطع الاستمرار في الدفعات الحالية.

لم يحصل على حل سحري.

لكن الموظف شرح له إجراءات يمكنه طلب مراجعتها، وما قد يترتب عليها من شروط.

دوّن المعلومات، وطلب الحصول على أي اتفاق جديد بصورة مكتوبة قبل الالتزام به.

ثم اتصل بجهة أخرى.

وفي المساء، ناقش مع رُبى ما عرفه.

قررا عدم الدخول في التزامات جديدة لتغطية نفقات غير ضرورية، والاحتفاظ بمبلغ صغير للطوارئ كلما سمحت الظروف، حتى لا يتحول كل عطل مفاجئ إلى دين إضافي.

كما اتفقا على مراجعة الحسابات مرة واحدة في الأسبوع، بدلًا من ترك الحديث عن المال يقتحم كل وجبة وكل لحظة راحة.

لم يكن الهدف تجاهل المشكلة.

بل منعها من احتلال الحياة كلها.

فالتفكير المستمر في الدين لا يعني بالضرورة أن الإنسان يتعامل معه بصورة أفضل.

قد يقضي ساعات في القلق دون أن يتخذ قرارًا واحدًا.

وقد يعيد الحسابات نفسها عشرات المرات، ثم يصل إلى النتيجة ذاتها.

وحين يصبح القلق بديلًا عن الفعل، فإنه يستنزف الطاقة التي يحتاجها الإنسان أصلًا للبحث عن حلول.

كان مازن بحاجة إلى هذا التمييز.

فقد اعتاد أن يشعر بالذنب إذا قضى ساعة دون التفكير في المال، وكأن الاستراحة نوع من الإهمال.

لكن رُبى قالت له ذات مساء:

«نحن بحاجة إلى تسديد ما علينا، لكننا بحاجة أيضًا إلى أن نبقى قادرين على العيش حتى ننتهي منه».

لم يكن كلامها دعوة إلى التبذير.

كان تذكيرًا بأن الحياة لا تتوقف حتى تُسدد آخر فاتورة.

وأن الإنسان الذي يمر بضائقة مالية لا يفقد حقه في لحظة هدوء أو حديث لطيف أو نزهة بسيطة لا تكلف شيئًا.

في يوم الجمعة التالي، اقترحت رُبى أن يمشيا قرب النهر الذي يمر في الطرف الغربي من المدينة.

كان الطقس باردًا، والغيوم منخفضة، والأشجار تفقد آخر أوراقها.

لم يذهبا إلى مطعم، ولم يشتريا شيئًا.

اكتفيا بالمشي على الممر الحجري ومراقبة الماء.

في منتصف الطريق، توقف مازن قرب مقعد خشبي.

قال:

«أشعر أحيانًا أنني فشلت».

التفتت إليه رُبى.

«في ماذا؟»

«في أن أوفر لنا حياة مستقرة. كنت أظن أننا في هذا العمر سنكون أكثر راحة».

لم تجبه بسرعة.

كانت تعرف أن أي عبارة مطمئنة لن تغير الأرقام التي تنتظرهما في المنزل.

قالت بعد لحظة:

«أنا أيضًا كنت أتخيل حياتنا بشكل مختلف. لكن ما حدث لا يعني أن كل ما فعلناه قبل ذلك اختفى».

ثم أضافت:

«نحن نمر بضائقة، وهذا لا يجعلنا أقل قيمة من غيرنا».

نظر إلى الماء طويلًا.

كان يسمع مثل هذه المعاني من قبل، لكنه لم يكن يستطيع تطبيقها على نفسه.

فالمجتمع كثيرًا ما يربط بين المال والنجاح، وبين القدرة على الإنفاق والمكانة الاجتماعية.

وقد يشعر الإنسان الذي تتراكم عليه الديون بأنه أقل كفاءة أو أقل احترامًا، حتى عندما تكون ظروفه خارجة جزئيًا عن إرادته.

يتردد في الاعتراف بضائقته.

ويخجل من طلب المشورة.

وقد يبالغ في إظهار أن أموره جيدة، حتى لا تتغير نظرة الآخرين إليه.

وهنا تظهر مشكلة أخرى.

فالرغبة في المحافظة على المظهر قد تدفع بعض الناس إلى إنفاق أموال لا يملكونها.

يستدين شخص لإقامة مناسبة تفوق قدرته.

ويشتري آخر هاتفًا باهظ الثمن حتى لا يبدو مختلفًا عن أصدقائه.

وقد تتحول المقارنة المستمرة بحياة الآخرين إلى ضغط يجعل الإنسان يطارد مستوى من الإنفاق لا يتناسب مع دخله.

لكن ليس من الإنصاف تفسير جميع الديون بهذه الطريقة.

فهناك من يستدين بسبب المرض، أو فقدان العمل، أو ارتفاع تكاليف السكن، أو إعالة أفراد من أسرته.

وهناك من يقع في التزامات لم يفهم شروطها جيدًا.

وهناك من يحاول إصلاح مشكلة قديمة بدين جديد، فيجد نفسه داخل دائرة تزداد صعوبة مع الوقت.

لذلك لا يمكن اختصار كل مديون في صورة إنسان مسرف أو غير مسؤول.

كما لا يمكن إنكار أن بعض القرارات المالية غير المدروسة قد تزيد المشكلة.

الحقيقة أكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة.

فالديون تتشكل عند تقاطع الظروف والاختيارات والفرص المتاحة، وقد تكون آثارها مختلفة تمامًا من شخص إلى آخر.

ثمة فرق بين قرض مدروس يستطيع صاحبه سداده من دخل مستقر، وبين التزامات تتجاوز قدرة الأسرة وتجعلها عاجزة عن تغطية احتياجاتها الأساسية.

وليست كل الديون سيئة بالضرورة.

فبعضها يساعد على التعليم أو السكن أو تمويل احتياج ضروري، إذا كانت شروطه واضحة وتكلفته محتملة.

لكن الخطر يبدأ حين يصبح السداد معتمدًا على اقتراض جديد، أو حين تُدفع الفواتير الأساسية بصعوبة، أو حين لا يعرف الإنسان مقدار ما يدين به فعلًا.

عندها لا تكون المشكلة في وجود الدين وحده، بل في اختلال التوازن بين الدخل والالتزامات والقدرة على مواجهة المفاجآت.

وهذا الاختلال لا يستهلك المال فقط.

إنه يستهلك الانتباه.

فالشخص الذي يعيش تحت ضغط مالي مستمر قد يجد صعوبة في التركيز، لأن جزءًا من تفكيره مشغول دائمًا بالحسابات والمواعيد والاحتمالات.

قد يجلس مع أسرته وجسده حاضر، لكن ذهنه يحاول معرفة كيف سيدفع القسط التالي.

وقد يستيقظ ليلًا ليتذكر فاتورة نسيها.

وقد يشعر بالقلق من فتح البريد أو سماع رنين الهاتف.

ومع تكرار هذه التجارب، تتراجع قدرة الإنسان على الاستمتاع بأشياء كانت عادية في حياته.

ليس لأنه فقد الاهتمام بها، بل لأن ذهنه لم يعد يجد المساحة الكافية لها.

وهذا ما كانت رُبى تحاول شرحه لمازن حين قالت إنهما بحاجة إلى استعادة حياتهما، لا إلى سداد الديون فقط.

بعد أسبوع، اتصل مازن بشقيق زوجته.

لم ينتظر أن يتصل به مرة أخرى.

شرح له وضعهما المالي، وأخبره بالمبلغ الذي يستطيعان دفعه حاليًا، واقترح جدولًا واقعيًا لبقية الدين.

لم يكن الحديث سهلًا.

شعر بالحرج وهو يعترف بأن موعد السداد السابق لم يعد ممكنًا.

لكن شقيق رُبى استمع إليه، ثم قال:

«كنت أحتاج إلى الوضوح أكثر من أي شيء آخر. أنا لدي التزامات أيضًا، ولا أستطيع ترتيبها إذا لم أعرف متى سيعود المال».

اتفقا على مواعيد محددة، مع مراجعة الاتفاق إذا طرأ تغير مهم.

بعد انتهاء المكالمة، لم يشعر مازن بأن الدين أصبح خفيفًا.

لكنه شعر بأن العلاقة لم تعد معلقة على صمت محرج.

فقد أدرك أن الصراحة لا تعني مطالبة الآخرين بتحمل ظروفنا دون حدود.

وأن من أقرضنا مالًا قد يكون بحاجة إليه، وله الحق في معرفة ما يستطيع الاعتماد عليه.

كما أدرك أن الوعود التي نقدمها فقط لإنهاء موقف محرج قد تجعل الأمور أسوأ لاحقًا.

فالوعد الذي لا نملك القدرة على الوفاء به لا يمنح الطرف الآخر طمأنينة حقيقية.

بل يؤجل خيبة الأمل إلى موعد جديد.

كان الاتفاق الواقعي أقل إرضاءً في اللحظة الأولى، لكنه أكثر احترامًا للطرفين.

ومع مرور الأسابيع، بدأت بعض التفاصيل الصغيرة تتغير في المنزل.

لم تعد الأظرف تُترك مغلقة أيامًا طويلة.

أصبح مازن يراجع الرسائل في وقت محدد، ويسجل ما يحتاج إلى متابعة.

وكانت رُبى تضع المصروفات المتوقعة في قائمة مشتركة، حتى لا يفاجئ أحدهما الآخر بالتزامات لم يتحدثا عنها.

ولم يتفقا دائمًا.

اختلفا بشأن إصلاح جهاز قديم أو استبداله، وبشأن مقدار ما ينبغي تخصيصه للطوارئ، وبشأن مصروف زيارة عائلية.

لكن الخلافات أصبحت أوضح.

لم يعد أحدهما يقول للآخر إنه ينفق كثيرًا دون أن يحدد المشكلة.

ولم تعد كلمة «سنرى» تكفي لإغلاق كل نقاش.

كانا يسألان: ما الذي نعرفه؟ وما الذي نستطيع دفعه؟ وما الذي يمكن تأجيله؟ وما الذي لا يجوز تأجيله؟

هذه الأسئلة لم تجعل حياتهما سهلة، لكنها جعلت قراراتهما أقل ارتباكًا.

وفي أحد الأشهر، اضطر مازن إلى تقليل دفعة إضافية كان يخطط لها، بعدما احتاجت السيارة إلى إصلاح جديد.

شعر بالإحباط.

كان قد بدأ يرى تقدمًا بسيطًا، ثم جاءت النفقة المفاجئة لتؤخر خطته.

قال لرُبى:

«كأننا كلما تقدمنا خطوة، رجعنا خطوتين».

نظرت إلى الورقة التي سجلا عليها التزاماتهما.

ثم قالت:

«لم نرجع إلى البداية. نحن نعرف الآن ما علينا، ونعرف كيف نتعامل مع المشكلة بدلًا من الهروب منها».

كانت محقة، وإن لم تكن عبارتها كافية لإزالة الضيق.

فالتعافي المالي لا يسير دائمًا في خط مستقيم.

قد يتحسن الوضع شهرًا، ثم يتعثر في الشهر التالي.

وقد يحتاج الإنسان إلى تعديل خطته أكثر من مرة.

وقد تكون بعض الالتزامات أكبر من أن تُحل بتقليل المصروفات وحده، خصوصًا حين يكون الدخل غير كافٍ لتغطية الضروريات.

وفي مثل هذه الحالات، قد يحتاج المرء إلى البحث عن دعم مهني موثوق، أو مراجعة خياراته مع الجهات الدائنة، أو الاستفادة من برامج مساعدة متاحة بحسب ظروفه.

ليس المطلوب أن يتحمل الإنسان وحده كل مشكلة، ولا أن يظن أن الإرادة تكفي لتعويض نقص الدخل أو ارتفاع التكاليف.

فالتعامل المسؤول مع الدين يبدأ بفهم الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

وهذا الفهم قد يقود إلى قرارات صعبة.

ربما يحتاج الإنسان إلى تغيير بعض عاداته.

أو إعادة النظر في التزامات لا يستطيع الاستمرار فيها.

أو طلب مساعدة من جهة مؤهلة.

أو الاعتراف بأن دخله الحالي لا يسمح بالخطة التي وضعها سابقًا.

لكن الاعتراف بالصعوبة ليس استسلامًا.

بل قد يكون الخطوة الأولى نحو منعها من التفاقم.

في إحدى الأمسيات، كانت رُبى ترتب خزانة صغيرة في غرفة الجلوس، فعثرت على علبة تحتوي صورًا قديمة.

جلست على الأرض وبدأت تتصفحها.

كانت هناك صورة من أول شقة استأجراها، قبل أن يشتريا معظم أثاثهما.

ظهر مازن فيها جالسًا على سجادة بسيطة، يحمل طبقًا من الطعام، ويضحك نحو الكاميرا.

نادته.

جاء من المطبخ، ونظر إلى الصورة.

ابتسم.

قالت:

«أتذكر هذا اليوم؟»

أجاب:

«كنا نأكل على الأرض لأن الطاولة لم تصل بعد».

ضحكت.

«وكنت تقول إننا سنشتري أفضل طاولة في المدينة».

جلس بجوارها.

تصفحا الصور واحدة تلو الأخرى.

كانا يتذكران مواقف لم ترتبط بالمال أصلًا.

رحلة قصيرة ضلا خلالها الطريق.

عشاء أفسدته وصفة جديدة.

زيارة مفاجئة من صديق قديم.

ومساء انقطعت فيه الكهرباء، فجلسا قرب النافذة يتحدثان حتى عاد الضوء.

لاحظ مازن شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.

لم تكن معظم الذكريات التي يحبها مرتبطة بما امتلكاه.

بل بما عاشاه معًا.

لم يجعل هذا الاكتشاف الديون أقل خطورة.

ولم يحول الضائقة إلى تجربة جميلة ينبغي تمجيدها.

فالضيق المالي مؤلم فعلًا، وقد يفرض على الناس تضحيات قاسية لا يختارونها.

لكن مازن أدرك أنه سمح للخوف بأن يبتلع حتى الأشياء التي لم يكن الدين قادرًا على أخذها منه مباشرة.

لقد أصبح يقيس اليوم كله بمقدار ما دفعه أو ما بقي عليه.

ونسي أن اليوم يحتوي أيضًا على أحاديث ووجوه وذكريات وفرص صغيرة للراحة.

كانت هذه الأشياء لا تسدد الأقساط، لكنها تساعد الإنسان على احتمال الطريق دون أن يفقد نفسه.

وفي صباح لاحق، جلس مازن في المطبخ نفسه الذي بدأ فيه كل ذلك القلق.

كان المطر قد توقف، وظهرت مساحة من الضوء بين الغيوم.

وضع هاتفه على الطاولة، وفتح جدول الالتزامات.

راجع موعد الدفعة المقبلة، ثم أغلق الملف.

لم يكن قد انتهى من سداد ديونه.

بل بقي أمامه وقت طويل.

لكنه لم يعد يشعر بالحاجة إلى إعادة الحسابات كل عشر دقائق.

دخلت رُبى تحمل كوبين من الشاي.

سألته:

«هل هناك شيء جديد؟»

أجاب:

«لا. الأمور كما خططنا لها هذا الأسبوع».

جلست أمامه.

وبدآ الحديث عن زيارة والدتها في عطلة نهاية الأسبوع، وعن كتاب كانت قد استعارتْه من المكتبة، وعن زميل جديد في عمله يروي حكايات مضحكة أثناء الاستراحة.

لم يكن الحديث استثنائيًا.

لكنه كان طبيعيًا.

وهذا ما افتقداه طويلًا.

أن يتحدثا دون أن ينتهي كل موضوع إلى المال.

أن يضحكا دون أن يشعر أحدهما بأنه يهمل مسؤولياته.

أن يخططا ليوم بسيط دون أن يتحول التخطيط إلى مصدر خوف.

لقد اكتشفا أن استعادة الطمأنينة لا تعني بالضرورة انتظار اللحظة التي يصبح فيها الرصيد خاليًا من الديون.

فقد تبدأ الطمأنينة قبل ذلك، حين يتوقف الإنسان عن الهروب من الحقيقة، ويعرف حدود قدرته، ويضع خطة قابلة للمراجعة، ويمنح نفسه الحق في العيش دون إنكار مسؤولياته.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية واضحة: الديون التي تتجاوز القدرة على السداد ليست مجرد مشكلة حسابية.

إنها ضغط قد يمتد إلى النوم والصحة والعلاقات والثقة بالنفس.

وقد تجعل الإنسان يشعر بأنه يعمل من أجل الماضي أكثر مما يعمل من أجل المستقبل.

فكل راتب يصل يجد أمامه التزامات تنتظره.

وكل زيادة في الدخل قد تذهب إلى سد فجوة قديمة.

وكل فرصة جديدة تحتاج إلى حسابات طويلة قبل التفكير فيها.

لهذا لا ينبغي الاستهانة بأثر الديون، ولا التعامل معها بوصفها عيبًا شخصيًا يستحق صاحبه اللوم الدائم.

فاللوم لا يخفض الفوائد، ولا يرفع الدخل، ولا يقدم خطة للسداد.

كما أن التظاهر بأن المشكلة بسيطة لا يساعد على حلها.

ما يحتاجه الإنسان هو الوضوح، والواقعية، والقدرة على طلب المساعدة حين تصبح الضرورة أكبر من إمكاناته.

ويحتاج أيضًا إلى أن يفصل بين قيمته الإنسانية ووضعه المالي.

فقد يتعثر إنسان أمين.

وقد يمر شخص مجتهد بضائقة طويلة.

وقد يجد من اعتاد مساعدة الآخرين نفسه في حاجة إلى المساعدة.

ولا يعني ذلك أن المسؤولية الفردية غير مهمة.

بل يعني أن المسؤولية تبدأ من مواجهة الوقائع، لا من جلد الذات.

وأن القرار المالي الجيد لا يُقاس بما يمنحه من شعور مؤقت بالراحة فقط، بل بما يتركه من أثر على الحياة المقبلة.

فشراء شيء بالتقسيط قد يجعل الحصول عليه سهلًا اليوم، لكنه يضيف التزامًا إلى أشهر لم تأتِ بعد.

والاقتراض لتغطية دين سابق قد يبدو مخرجًا سريعًا، لكنه قد يزيد العبء إذا كانت شروطه أسوأ أو إذا بقي سبب العجز قائمًا.

والإنفاق للمحافظة ع

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً