لم يكن هشام يتوقع أن تكون العبارة التي يسمعها كل صباح من موظفيه هي السبب في تأخر اكتشاف المشكلة التي كادت تفقده مشروعه.
«كل شيء ممتاز».
كانت هذه الجملة تتكرر في الاجتماعات، وعلى ألسنة الموظفين، وحتى في الأحاديث العابرة داخل الممرات. وكلما سمعها، شعر بالاطمئنان إلى أن الأمور تسير كما ينبغي.
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.
كان هشام يدير مركزًا لصيانة الأجهزة المنزلية، أسسه قبل خمسة عشر عامًا في أحد الأحياء التجارية. بدأ بورشة صغيرة يعمل فيها مع فني واحد، ثم توسع تدريجيًا حتى أصبح لديه فريق من اثني عشر موظفًا، وقسم لاستقبال الزبائن، وسيارات مخصصة للصيانة المنزلية.
لم يكن رجلًا سيئًا، ولا مديرًا يصرخ في موظفيه باستمرار. كان مجتهدًا، يحب النظام، ويعتز بما أنجزه، لكنه كان شديد الحساسية تجاه الملاحظات التي تتعلق بقراراته.
حين يقترح أحد الموظفين تعديل إجراء معين، يسأله عن سبب اعتراضه.
وحين يشرح الموظف المشكلة، يبدأ هشام بالدفاع عن قراره قبل أن يسمع التفاصيل كاملة.
لم يكن يقصد إسكات الآخرين، لكنه اعتاد التعامل مع النقد وكأنه تشكيك في خبرته.
ومع مرور السنوات، تعلم العاملون معه شيئًا لم يكتبه أحد في تعليمات العمل: من الأسهل أن تمدح الفكرة، ثم تحاول التكيف مع عيوبها، بدلًا من الدخول في نقاش طويل حول أسباب عدم نجاحها.
وهكذا، أصبح المركز مكانًا تُقال فيه الأشياء الجميلة بسرعة، بينما تحتاج الحقيقة إلى شجاعة لا يمتلكها الجميع.
في بداية أحد الأشهر، قرر هشام تحديث نظام استقبال الطلبات.
استبدل دفتر المواعيد الورقي بمنصة إلكترونية تتيح للزبائن حجز مواعيد الصيانة بأنفسهم.
كان متحمسًا للفكرة.
أمضى أسابيع في متابعة تصميم النظام، واختيار الألوان، ومراجعة الصفحات، حتى أصبح مقتنعًا بأنه يقدم خدمة متطورة ستختصر الوقت وتخفف الضغط عن الموظفين.
وفي الاجتماع الذي سبق إطلاق النظام، عرض الواجهة الجديدة على فريقه.
قال بفخر:
«أريد رأيكم بصراحة. هل ترون شيئًا يحتاج إلى تعديل؟»
نظر الموظفون إلى الشاشة، ثم تبادل بعضهم النظرات.
كان نادر، المسؤول عن متابعة الطلبات، قد لاحظ أن النظام يتطلب خطوات كثيرة قبل تأكيد الحجز.
وكانت صفاء، موظفة الاستقبال، تعرف أن عددًا من الزبائن المعتادين على المركز من كبار السن، وأن بعضهم يفضل الاتصال الهاتفي على استخدام التطبيقات.
أما الموظفة مها، فقد اكتشفت أثناء التجربة أن تعديل موعد الحجز بعد تأكيده ليس سهلًا.
لكن أحدًا لم يبدأ بهذه الملاحظات.
قال نادر:
«التصميم جميل جدًا».
وأضافت مها:
«واضح أنك تعبت عليه».
أما صفاء فقالت:
«إن شاء الله يكون نقلة ممتازة للمركز».
ابتسم هشام، وأغلق جهاز العرض.
اعتبر الاجتماع ناجحًا.
لكن الموظفين خرجوا منه وهم يعرفون أن بعض المشكلات التي لاحظوها ستظهر قريبًا.
لم يكونوا متأكدين من حجمها، ولم يرغبوا في إفساد حماس مديرهم.
وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.
لم يكذب أحد منهم كذبة صريحة.
لكنهم أخفوا جزءًا مهمًا من الحقيقة خلف عبارات لطيفة.
وهذا أحد أكثر أشكال المجاملة شيوعًا في حياتنا.
فنحن لا نقول دائمًا عكس ما نعتقد، بل نختار الجزء الذي يرضي المستمع، ونتجنب الجزء الذي قد يزعجه.
نمدح الجهد، ونسكت عن النتيجة.
نثني على النية، ونتجاهل الخطأ.
نقول إن الفكرة جميلة، رغم أننا نرى عيوبًا قد تمنع نجاحها.
ثم نغادر ونحن نقنع أنفسنا بأننا تصرفنا بأدب.
لكن الأدب الذي يمنع وصول معلومة ضرورية قد يتحول، دون قصد، إلى مشاركة في استمرار المشكلة.
في الأسبوع الأول بعد إطلاق النظام، بدأت الاتصالات تتزايد.
كانت بعض الطلبات تصل ناقصة، ويواجه الزبائن صعوبة في تحديد نوع الجهاز، ويتوقف آخرون عند مرحلة إدخال العنوان.
وفي أحيان كثيرة، يختار العميل موعدًا متاحًا على الشاشة، ثم يكتشف الموظفون أنه يتعارض مع جدول أحد الفنيين.
كانت صفاء تقضي جزءًا كبيرًا من يومها في تصحيح الحجوزات، بدلًا من استقبال الطلبات الجديدة.
وفي إحدى الظهيرات، دخلت امرأة مسنة إلى المركز تحمل حقيبة صغيرة فيها جهاز راديو قديم.
كان الجهاز قد توقف عن العمل، وأرادت معرفة إمكانية إصلاحه.
استقبلتها صفاء بابتسامة، وسألتها إن كانت قد حجزت موعدًا.
نظرت المرأة إليها باستغراب.
«كنت آتي إلى هنا منذ سنوات. هل أصبح إصلاح جهاز صغير يحتاج إلى حجز؟»
شرحت صفاء النظام الجديد، وعرضت عليها المساعدة.
لكن المرأة لم تكن تحمل هاتفًا ذكيًا، ولم تكن تعرف كيف تستخدم المنصة.
وبعد دقائق من المحاولة، سألت بهدوء:
«ألا يمكن أن تكتبي اسمي في ورقة كما كنتم تفعلون؟»
لم تعرف صفاء ماذا تجيب.
فالتعليمات الجديدة كانت واضحة: جميع الطلبات يجب أن تدخل عبر النظام الإلكتروني.
ساعدتها في النهاية على تسجيل الحجز من جهاز المكتب، لكن العملية استغرقت وقتًا أطول بكثير مما كان يتطلبه تسجيل الطلب بالطريقة القديمة.
وقبل أن تغادر المرأة، قالت:
«أعرف أنكم تريدون التطور، لكن ليس كل جديد يجعل الأمور أسهل».
بقيت الجملة في ذهن صفاء.
كانت بسيطة، لكنها وصفت المشكلة بدقة أكبر من جميع العبارات التي قيلت في اجتماع إطلاق النظام.
في نهاية ذلك اليوم، مر هشام بمكتب الاستقبال.
سألها:
«كيف تسير الأمور مع النظام الجديد؟»
ترددت لحظة.
كانت تريد أن تخبره بما حدث، لكنها تذكرت حماسه الكبير، وتذكرت كيف أنهى نقاشًا سابقًا عندما اقترح نادر تعديل طريقة توزيع المواعيد.
قالت:
«جيد، فقط نحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد الناس عليه».
هز رأسه موافقًا.
«هذا طبيعي. أي تغيير يحتاج إلى وقت».
ثم مضى.
راقبته صفاء وهو يبتعد، وشعرت بأنها أضاعت فرصة أخرى لقول ما تعرفه.
لكنها لم تكن وحدها المسؤولة عن هذا الصمت.
فالصراحة لا تعتمد على شجاعة المتحدث فقط، بل تتأثر أيضًا بالطريقة التي يستقبل بها الآخرون كلامه.
حين يعاقب الإنسان كل من يختلف معه بالغضب أو السخرية أو التقليل من شأنه، فإنه يدفع المحيطين به تدريجيًا إلى اختيار الكلمات التي يحب سماعها.
وقد يظن بعد ذلك أن الجميع يوافقونه لأنه محق دائمًا.
بينما الحقيقة أن بعضهم توقف عن المحاولة.
وهذا ما يجعل المجاملة المفرطة خطيرة في مواقع المسؤولية.
فكلما ارتفعت مكانة الشخص، زادت احتمالات أن يسمع ما يرضيه، لا ما يحتاج إلى معرفته.
قد يكون مديرًا يخشى موظفوه إزعاجه.
أو معلمًا يتردد طلابه في إخباره بأن شرحه غير واضح.
أو صاحب مشروع يصفق أصدقاؤه لكل أفكاره.
أو شخصًا يحيط نفسه بمن يوافقونه على جميع قراراته.
وفي كل حالة، تتشكل حوله صورة مريحة، لكنها قد تكون بعيدة عن الواقع.
بعد ثلاثة أسابيع، طلب هشام تقريرًا عن عدد الحجوزات.
كانت الأرقام أقل من المتوقع.
كما ازدادت الشكاوى المتعلقة بتأخر المواعيد وصعوبة التواصل.
استدعى الموظفين إلى اجتماع عاجل.
وضع التقرير على الطاولة، وسأل بلهجة متوترة:
«لماذا لم يخبرني أحد أن النظام يسبب هذه المشكلات؟»
لم يجب أحد.
نظر إلى نادر، ثم إلى مها، ثم إلى صفاء.
قال:
«أنا سألتكم قبل إطلاقه، وقلتم إنه ممتاز».
رفعت صفاء رأسها.
كانت تعرف أن استمرار الصمت لن يصلح شيئًا.
قالت:
«التصميم جميل فعلًا، لكن طريقة الحجز معقدة على بعض الزبائن».
سألها:
«ومتى اكتشفتِ ذلك؟»
أجابت:
«منذ التجربة الأولى، لكن المشكلة أصبحت أوضح بعد التشغيل».
تغيرت ملامحه.
«ولماذا لم تقولي ذلك من البداية؟»
لم ترد فورًا.
ثم قالت بهدوء:
«لأننا حين نخبرك بمشكلة في قرار اتخذته، نشعر أحيانًا أنك تعتبرنا معترضين عليك، لا على القرار نفسه».
ساد صمت ثقيل.
لم تكن العبارة جارحة، لكنها كانت مباشرة.
ولم يكن هشام معتادًا سماع مثل هذا الكلام أمام فريقه.
أراد أن يدافع عن نفسه.
تذكر مواقف ساعد فيها موظفيه، ومكافآت منحها لهم، وساعات استمع خلالها إلى مشكلاتهم.
كان يستطيع أن يقول إنه مدير متعاون، وإنهم يبالغون في وصف ردود أفعاله.
لكنه نظر إلى التقرير مرة أخرى.
كانت المشكلة أمامه، مهما كانت نيته حسنة.
سألهم:
«هل شعرتم فعلًا أنني لا أريد سماع الملاحظات؟»
قال نادر:
«أنت تطلب رأينا، لكننا أحيانًا نشعر أنك تريد تأكيدًا على صحة الفكرة أكثر مما تريد تقييمها».
كانت هذه الجملة أصعب من الأولى.
فقد كشفت له الفرق بين أن يسأل الإنسان عن الرأي، وأن يكون مستعدًا فعلًا لسماعه.
هناك من يقول: «أخبرني بصراحة»، لكنه يتوقع في داخله إجابة محددة.
وحين يسمع رأيًا مختلفًا، يبدأ في تفسيره بوصفه انتقادًا شخصيًا.
وقد لا يصرخ أو يهدد، لكنه يتغير في معاملته، أو يسخر من الملاحظة، أو يكرر الدفاع عن نفسه حتى يشعر الطرف الآخر أن النقاش لا فائدة منه.
بعد تجارب قليلة، يتعلم الناس أن السؤال عن رأيهم لا يعني دائمًا أن رأيهم مطلوب.
بل قد يعني أن المطلوب منهم المشاركة في تأكيد قرار اتُّخذ مسبقًا.
وفي تلك اللحظة، تفقد الصراحة مكانها، وتبدأ المجاملة في ملء الفراغ.
لم يكن هشام مرتاحًا لما سمعه.
لكنه قرر ألا ينهي الاجتماع بالطريقة المعتادة.
أخذ ورقة بيضاء، ووضعها أمامه.
ثم قال:
«حسنًا. أريد أن أعرف المشكلات واحدة واحدة. لن نناقش من المخطئ الآن، بل ما الذي يجب إصلاحه».
بدأت صفاء بالحديث عن الزبائن الذين يفضلون الحجز الهاتفي.
وشرح نادر مشكلة تضارب المواعيد.
وتحدثت مها عن صعوبة تعديل بيانات الطلبات.
ثم ظهرت ملاحظات أخرى لم تكن قد وصلت إلى هشام.
كان بعض الفنيين يضطرون إلى الاتصال بالزبائن أكثر من مرة للحصول على معلومات كان يمكن جمعها في خطوة واحدة.
وكانت بعض الرسائل الآلية غير واضحة.
كما أن عددًا من العملاء اعتقدوا أن عدم وصول رسالة تأكيد يعني أن الحجز لم يكتمل، فكرروا الطلب.
استغرق الاجتماع ساعتين.
وفي نهايته، اكتشف هشام أنه لم يكن يفتقر إلى موظفين يعرفون المشكلات.
كان يفتقر إلى بيئة تسمح لهم بالحديث عنها دون قلق.
لكن هذه القصة لا تتعلق بالعمل وحده.
فما يحدث داخل المؤسسات يحدث أيضًا في الصداقات والعلاقات الاجتماعية، وإن اختلفت التفاصيل.
كم مرة سألنا صديقًا عن رأيه في قرار مهم، فأجابنا بما يعرف أننا نحب سماعه؟
وكم مرة رأينا شخصًا يتجه إلى اختيار قد يضره، لكننا فضلنا الصمت حتى لا نخسر رضاه؟
وكم مرة قلنا عن عمل لم يعجبنا إنه رائع، ثم انتقدناه بعد مغادرة صاحبه؟
قد تبدو هذه المواقف صغيرة.
لكن تكرارها يصنع مشكلة أكبر.
إنه يجعل الناس أقل قدرة على التمييز بين التقدير الحقيقي والمجاملة.
فحين يصبح كل شيء جميلًا في كلامنا، تفقد كلمة «جميل» جزءًا من معناها.
وحين نصف كل إنجاز بأنه استثنائي، لا يعود صاحب الإنجاز يعرف ما الذي نجح فيه فعلًا، وما الذي يحتاج إلى تطوير.
وحين نوافق على كل رأي، نمنع صاحبه من اكتشاف أن العالم أوسع من وجهة نظره.
والأخطر أن المجاملة قد تمنح الإنسان ثقة لا تستند إلى معرفة دقيقة.
قد يستثمر أمواله في مشروع لم يختبره جيدًا، لأنه سمع من الجميع أنه فكرة مضمونة.
وقد ينشر عملًا لم ينضج بعد، لأنه لم يجد من يلفت انتباهه إلى عيوبه.
وقد يستمر في سلوك يزعج الآخرين، لأنهم يبتسمون أمامه ويشتكون منه في غيابه.
ثم يفاجأ يومًا بأن الصورة التي كوّنها عن نفسه تختلف عن الصورة التي يراها الناس.
وهنا يشعر بالخيانة.
يسأل: لماذا لم يخبرني أحد؟
لكن السؤال الأصعب أحيانًا هو: هل كنت أسمح لهم بإخباري؟
فليس كل صمت دليلًا على الموافقة.
وليس كل ابتسام دليلًا على الرضا.
وليس كل مديح شهادة صادقة على الجودة.
قد يكون الصمت خوفًا من رد الفعل.
وقد تكون الابتسامة محاولة لتجنب الإحراج.
وقد يكون المديح مجرد وسيلة لإنهاء حديث لا يرغب صاحبه في الدخول في تفاصيله.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نفهم الصراحة بوصفها إذنًا مفتوحًا للفظاظة.
فهناك أشخاص يفتخرون بأنهم يقولون كل ما يفكرون فيه، مهما كانت الطريقة أو المناسبة أو أثر الكلمات.
قد يجرح أحدهم صديقه أمام الآخرين، ثم يقول إنه لا يعرف المجاملة.
وقد يعلق على مظهر شخص بطريقة قاسية، ويبرر ذلك بأنه صريح.
وقد يتدخل في قرارات لا تخصه، ويعتبر اعتراض الآخرين دليلًا على أنهم لا يتحملون الحقيقة.
لكن الصراحة ليست رغبة في قول كل شيء.
إنها مسؤولية عن صدق ما نقوله، وعن الطريقة التي نقوله بها، وعن الحاجة الحقيقية إلى قوله.
فليس كل رأي يجب أن يتحول إلى تعليق.
وليس كل اختلاف يستحق مواجهة.
وليست كل ملاحظة نافعة لمجرد أنها صادقة في نظر صاحبها.
هناك فرق بين أن تقول لشخص إن عرضه يحتاج إلى ترتيب أوضح، وبين أن تخبره بأنه لا يجيد الحديث.
وفرق بين أن تناقش قرارًا محددًا، وبين أن تحكم على ذكاء صاحبه.
وفرق بين أن تشرح أثر تصرف آذاك، وبين أن تستخدم الصراحة وسيلة لإذلال الطرف الآخر.
الصراحة التي تهدف إلى الإصلاح تترك مساحة للكرامة.
أما القسوة التي ترتدي ثوب الصراحة، فقد تجعل الحقيقة نفسها مكروهة.
ولهذا يحتاج الإنسان إلى قدر من الحكمة قبل تقديم رأيه.
أن يسأل نفسه إن كان يعرف الموضوع بما يكفي.
وإن كانت ملاحظته ستفيد الطرف الآخر.
وإن كان الوقت مناسبًا.
وإن كان يستطيع قول الفكرة دون إهانة.
فقد تكون الحقيقة نفسها مقبولة حين تُقال باحترام، ومرفوضة حين تُستخدم للتقليل من الآخرين.
ولعل من أجمل أشكال الصراحة أن يكون الإنسان قادرًا على الجمع بين الاعتراف بالجهد والإشارة إلى الخلل.
أن يقول:
«أرى أنك بذلت جهدًا واضحًا، لكن هذه الجزئية تحتاج إلى مراجعة».
أو:
«أفهم سبب اختيارك، ومع ذلك أخشى أن تكون هناك نتيجة لم تنتبه إليها».
أو:
«قد أكون مخطئًا، لكن تجربتي جعلتني أرى الأمر بطريقة مختلفة».
هذه العبارات لا تخفي المعلومة الأساسية، ولا تجعل النقد حكمًا نهائيًا على الشخص.
إنها تمنح الطرف الآخر فرصة للتفكير بدلًا من دفعه مباشرة إلى الدفاع عن نفسه.
وفي المقابل، يحتاج من يتلقى الملاحظة إلى مهارة لا تقل أهمية.
أن يستمع دون أن يفسر كل اختلاف على أنه عداء.
وأن يميز بين قيمة شخصه وجودة قراره.
وأن يسأل عن التفاصيل قبل أن يرفض الفكرة.
وأن يعترف بإمكانية الخطأ دون أن يشعر بأن مكانته انهارت.
فالثقة بالنفس لا تعني الاعتقاد بأننا لا نخطئ.
بل تعني القدرة على مواجهة أخطائنا دون أن نفقد احترامنا لأنفسنا.
وفي كثير من الأحيان، يكون الشخص الذي يخبرنا بما لا نحب سماعه أكثر اهتمامًا بمصلحتنا ممن يكتفي بترديد ما يرضينا.
لكن ذلك لا يعني أن كل منتقد محق، أو أن كل مديح زائف.
فالتقدير الصادق ضرورة إنسانية أيضًا.
نحتاج إلى سماع كلمات التشجيع حين نبذل جهدًا.
ونحتاج إلى من يلاحظ تقدمنا.
ونحتاج أحيانًا إلى من يخفف عنا قسوة الحكم على أنفسنا.
المشكلة ليست في الكلمات الطيبة.
إنها في استخدامها بدلًا من الحقيقة عندما تكون الحقيقة ضرورية.
فالمديح الصادق يصف شيئًا نراه فعلًا.
أما المجاملة المضللة فتصف شيئًا نعرف أنه غير موجود، أو تتجاهل خللًا مهمًا ينبغي التنبيه إليه.
وقد يكون الفرق بينهما صغيرًا في العبارة، لكنه كبير في النتيجة.
فحين يقول صديق لصديقه إنه أعجبه أسلوب حديثه، لأنه وجده فعلًا واضحًا وممتعًا، فهو يمنحه تقديرًا مستحقًا.
أما حين يؤكد له أن كل شيء كان مثاليًا، رغم أنه لاحظ مشكلة مؤثرة في طريقة العرض، فقد يحرمه من فرصة التحسن.
ولا تكون النية دائمًا سيئة.
قد يجامل الإنسان لأنه لا يريد جرح المشاعر.
وقد يصمت لأنه يخشى أن يُساء فهمه.
وقد يتردد لأنه لا يعرف كيف يختار الكلمات المناسبة.
وقد يكون مرهقًا ولا يرغب في نقاش طويل.
وهذه دوافع بشرية مفهومة.
لكن حسن النية لا يضمن دائمًا حسن النتيجة.
فقد نؤجل انزعاجًا صغيرًا اليوم، لنواجه مشكلة أكبر غدًا.
وقد نحافظ على راحة لحظة واحدة، ثم نخسر الثقة عندما تنكشف الحقيقة.
ولهذا تحتاج العلاقات القريبة إلى مساحة تسمح بالاختلاف الآمن.
أن يستطيع الصديق أن يقول لصديقه إنه أخطأ، دون أن تتحول الملاحظة إلى نهاية العلاقة.
وأن يستطيع أحد الزوجين التعبير عن انزعاجه، دون أن يُتهم فورًا بقلة المحبة.
وأن يستطيع الموظف الإشارة إلى خلل، دون أن يخشى أن يصبح موضع استهداف.
وأن يستطيع الإنسان سؤال من يثق بهم عن رأيهم، وهو مستعد فعلًا لاحتمال أن تكون الإجابة مختلفة عما يتمنى.
فهذه المساحة لا تتكون بالكلام وحده.
تتكون من ردود الأفعال المتكررة.
من الطريقة التي نستقبل بها الملاحظات الصغيرة.
ومن قدرتنا على شكر من ينبهنا إلى خطأ.
ومن استعدادنا لتغيير رأينا عندما تظهر معلومات جديدة.
ومن اعترافنا بأن من يحبنا ليس مطالبًا بالموافقة علينا دائمًا.
بعد الاجتماع الذي عقده هشام، بدأت التعديلات على نظام الحجز.
أعاد المركز إتاحة الحجز الهاتفي، وبسّط خطوات المنصة، وأضاف إمكانية تعديل المواعيد بسهولة.
كما خصص الموظفون وقتًا لتجربة النظام من منظور الزبون، بدلًا من الاكتفاء بمراجعته من داخل الإدارة.
ولم تتحسن النتائج فورًا.
ظهرت أخطاء جديدة، واحتاج بعض الموظفين إلى التدريب، واستمر عدد من الزبائن في تفضيل الطريقة القديمة.
لكن الفرق أن المشكلات لم تعد تُخفى خلف عبارات الاطمئنان.
أصبح الفريق يناقشها مبكرًا.
وفي أحد الاجتماعات، عرض نادر اقتراحًا لتعديل جدول الفنيين.
لم يقتنع هشام به من المرة الأولى.
بدأ يشرح أسباب تحفظه، ثم توقف.
نظر إلى نادر وسأله:
«هل هناك شيء في الجدول الحالي لا أراه أنا؟»
فتح نادر ملفًا يوضح أوقات التنقل بين المناطق.
وبعد مناقشة قصيرة، اتفقا على تجربة التعديل أسبوعين قبل اتخاذ قرار نهائي.
لم تكن تلك اللحظة إنجازًا كبيرًا في نظر أي شخص خارج المركز.
لكنها كانت مهمة للفريق.
فقد اختلف الموظف مع مديره، واستطاع أن يشرح رأيه، وانتهى النقاش بخطة قابلة للتجربة بدلًا من محاولة إثبات من كان على حق.
وبعد أيام، جاءت صفاء إلى مكتب هشام تحمل تقريرًا عن ملاحظات الزبائن.
قالت:
«هناك تحسن واضح، لكن ما زالت لدينا مشكلة في رسائل التأكيد».
ابتسم هشام وسأل:
«هل أصبحت كلمة لكن جزءًا ثابتًا من تقاريرك؟»
ضحكت صفاء.
ثم أجابت:
«ربما لأنني أصبحت أعرف أنك تريد التقرير كاملًا».
قال:
«هذا أفضل من أن أعرف نصف الحقيقة».
لم يكن هشام قد تخلص تمامًا من حساسيته تجاه النقد.
كان لا يزال يشعر بالضيق أحيانًا عندما يسمع ملاحظة غير متوقعة.
لكنه بدأ يفصل بين الشعور الأول الذي تثيره الكلمات، والقرار الذي يتخذه بعد سماعها.
وهذا فرق مهم.
فالإنسان ليس مطالبًا بألا يتأثر بالنقد.
قد يشعر بالإحراج أو الحزن أو الغضب.
لكن بإمكانه ألا يجعل هذه المشاعر سببًا لمعاقبة من تحدث معه بصدق واحترام.
وبمرور الوقت، أصبح الموظفون أكثر قدرة على تقديم الملاحظات دون مقدمات طويلة.
لم يعودوا يحتاجون إلى عشر جمل من المديح قبل الإشارة إلى مشكلة واحدة.
وأصبح هشام يسأل في نهاية الاجتماعات سؤالًا مختلفًا.
بدلًا من:
«هل أعجبتكم الفكرة؟»
صار يقول:
«ما الذي قد يجعل هذه الفكرة تفشل؟»
كان السؤال الجديد يفتح بابًا لم يكن السؤال الأول يفتحه.
فهو لا يطلب من الموظفين تقييم ذوقه أو الإشادة بجهده.
بل يدعوهم إلى البحث عن المخاطر قبل أن تتحول إلى خسائر.
وفي أحد الأيام، عادت المرأة المسنة التي كانت تحمل جهاز الراديو.
دخلت المركز لتسأل عن إصلاح جهاز آخر، فتقدمت صفاء لاستقبالها.
قالت لها إن بإمكانها تسجيل الطلب مباشرة، وإن الحجز الإلكتروني أصبح خيارًا لا عائقًا.
ابتسمت المرأة وجلست على المقعد المقابل للمكتب.
سألتها صفاء:
«هل الطريقة الآن أسهل؟»
أجابت:
«نعم. الآن أشعر أنكم طورتم العمل من دون أن تنسوا الناس».
لم تكن المرأة تعرف شيئًا عن الاجتماعات أو الخلافات التي سبقت التعديل.
ولم تكن تعلم أن ملاحظتها الأولى ساعدت صفاء على فهم المشكلة بصورة أوضح.
لكن كلماتها اختصرت نتيجة مهمة.
فالتطوير الحقيقي لا يتحقق لمجرد أننا نغيّر الأدوات أو نضيف ميزات جديدة.
بل حين نكون مستعدين لمعرفة أثر قراراتنا على الأشخاص الذين يتعاملون معها.
والأمر نفسه ينطبق على حياتنا الشخصية.
فنحن لا ننضج لمجرد مرور السنوات، ولا نصبح أفضل لأن الآخرين يصفقون لقراراتنا.
نتطور حين نستطيع مراجعة أفكارنا، والاستفادة من الملاحظات، والاعتراف بما لم نكن نراه.
وهذا يحتاج إلى أشخاص لا يكتفون بمشاركتنا لحظات النجاح، بل يساعدوننا على فهم أسباب التعثر أيضًا.
لكن من الإنصاف أن نتذكر أن الصراحة لا تمنح صاحبها سلطة مطلقة على حياة الآخرين.
فالرأي يظل رأيًا، حتى عندما يُقال بصدق.
وقد يكون مبنيًا على تجربة محدودة أو فهم ناقص.
وقد يختلف شخصان عاقلان حول القرار نفسه، دون أن يكون أحدهما مخادعًا أو جاهلًا.
ولهذا لا ينبغي أن تتحول المطالبة بالصراحة إلى إلزام الآخرين باتباع نصائحنا.
من حقنا أن نوضح ما نراه.
ومن حقهم أن يستمعوا ثم يختاروا طريقًا مختلفًا.
فالصراحة تقدم معلومة أو وجهة نظر، لكنها لا تصادر حرية القرار.
والعلاقة الصحية تسمح بهذا الاختلاف دون أن تجعل الموافقة شرطًا لاستمرار المحبة.
كما أن بعض الناس يحتاجون إلى وقت قبل أن يصبحوا مستعدين لسماع الملاحظات.
قد يكون الإنسان في لحظة ضعف، أو يمر بظرف صعب، أو يحتاج أولًا إلى من يستمع إليه قبل أن يناقشه.
في مثل هذه الحالات، لا تكون الحكمة في إلقاء جميع الملاحظات دفعة واحدة.
قد يكون من الأفضل أن نسأل إن كان يريد رأيًا أم يحتاج إلى من يصغي إليه.
فليس كل حديث طلبًا للنصيحة.
وأحيانًا تكون المساندة الصادقة في الإنصات، لا في التصحيح.
لكن حين يطلب الإنسان تقييمًا حقيقيًا، خصوصًا في أمر قد يترتب عليه ضرر أو خسارة، فإن من الأمانة ألا نقدم له صورة نعرف أنها ناقصة لمجرد الحفاظ على رضاه.
فالرضا الذي يُشترى بإخفاء الحقيقة قد يكون قصير العمر.
أما الثقة التي تُبنى على الصدق والاحترام، فقد تتحمل لحظات الاختلاف دون أن تنهار.
بعد أشهر، كان هشام يرتب بعض الملفات القديمة في مكتبه، فعثر على نسخة مطبوعة من العرض الذي قدمه يوم إطلاق نظام الحجز.
تأمل الصور والرسوم التي كان قد أعدها بعناية.
تذكر شعوره بالفخر، والعبارات المشجعة التي سمعها، واليقين الذي غادر به الاجتماع.
ثم تذكر الأسابيع التي تلت ذلك، والطلبات التي تعثرت، والزبائن الذين واجهوا صعوبة في الحجز.
لم يشعر بأن كل ما فعله كان خطأ.
فالفكرة الأساسية كانت مفيدة، والتطوير كان ضروريًا، لكن طريقة التنفيذ احتاجت إلى مراجعة.
أدرك أن المشكلة لم تكن في حماسه، بل في أنه لم يترك مساحة كافية لمن يرى ما لا يراه.
وأن الموظفين لم يكونوا بحاجة إلى شجاعة خارقة حتى يتحدثوا، بقدر حاجتهم إلى الاطمئنان إلى أن اختلافهم معه لن يُفسر بوصفه تقليلًا من شأنه.
وضع الملف في أحد الأدراج، ثم كتب على ورقة صغيرة سؤالًا أراد أن يتذكره في الاجتماعات المقبلة:
«ما المعلومة التي قد لا يرغب أحد في إخباري بها؟»
كان سؤالًا بسيطًا.
لكنه مختلف عن الأسئلة التي اعتاد طرحها.
فهو لا يفترض أن كل شيء يسير على ما يرام، ولا ينتظر أن تظهر المشكلة حتى يبدأ البحث عنها.
بل يعترف بأن الإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يكون آخر من يعرف بعض الحقائق المتعلقة بقراراته.
وهذه ليست علامة ضعف.
إنها إحدى ضرورات التعلم.
في حياتنا اليومية، قد لا نحتاج إلى تقارير أو اجتماعات حتى نكتشف أثر المجاملة.
يكفي أن نتأمل الطريقة التي نتحدث بها مع الأشخاص الذين نحبهم.
هل نمدحهم لأننا نرى فيهم ما يستحق المديح، أم لأننا نخشى انزعاجهم؟
هل نوافق على آرائهم بعد تفكير، أم لأن الاختلاف معهم متعب؟
هل نطلب الصراحة ونحن مستعدون لها، أم نريد سماع كلمات تؤكد ما قررناه مسبقًا؟
وهل نعرف كيف نختلف دون أن نجرح، وكيف نستمع دون أن ندافع عن أنفسنا فورًا؟
هذه الأسئلة لا تتطلب إجابات مثالية.
لكنها تكشف طبيعة المساحة التي نصنعها حولنا.
فقد يكون الإنسان محبوبًا، ومحاطًا بالأصدقاء، ومدعوًا إلى المناسبات، ومع ذلك لا يجد شخصًا واحدًا يستطيع إخباره بأنه يسير في اتجاه خاطئ.
وقد يكون شخص آخر أقل إحاطة بالمجاملات، لكنه يملك علاقات تمنحه ما هو أثمن من الإطراء المستمر: القدرة على رؤية نفسه بوضوح أكبر.
ولا يعني ذلك أن نعيش في أجواء من النقد الدائم.
فالإنسان يحتاج إلى اللطف كما يحتاج إلى الحقيقة.
ويحتاج إلى التشجيع كما يحتاج إلى التصحيح.
والمهارة ليست في اختيار أحدهما وإلغاء الآخر، بل في الجمع بينهما دون خداع أو قسوة.
أن نفرح بإنجازات الآخرين ب
المجاملة تقتل الصراحة
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً