أُغلقت أبواب القاعة البلدية عند السادسة مساءً، لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للمغادرة. كان المطر يضرب الزجاج المرتفع، والمقاعد الخشبية تصدر صريرًا كلما تحرك أحد الجالسين، بينما وقف رجل في الصف الأخير يكرر بصوت مرتفع أن الحي لا يحتاج إلى أشخاص يقررون نيابة عن سكانه كيف ينبغي أن يعيشوا.
لم يكن الخلاف حول عقيدة أو قضية سياسية كبرى، ولا حول قرار يمس مستقبل البلاد. كان الموضوع أبسط من ذلك بكثير: اقتراح بإغلاق شارع تجاري صغير أمام السيارات ثلاث ساعات مساء كل سبت، وتحويله خلال تلك الساعات إلى مساحة للمشاة.
ومع ذلك، بدا الحاضرون وكأنهم يتجادلون حول شيء أكبر من شارع.
كانت أمينة تجلس في المقعد الرابع قرب النافذة، تمسك حقيبتها بكلتا يديها، وتراقب الوجوه التي تعرف معظمها منذ ثلاثين عامًا.
كانت في التاسعة والخمسين، تدير مكتبة صغيرة لبيع القرطاسية والكتب المدرسية عند مدخل الشارع المقترح إغلاقه. عاشت في الحي منذ زواجها، وربّت أبناءها فيه، وشهدت تغير المحال والبيوت والوجوه.
لم تكن تحب المشاحنات.
كانت تعرف كيف تتعامل مع زبون مستعجل، وكيف تهدئ خلافًا بين طفلين على دفتر، وكيف تنهي نقاشًا عائليًا قبل أن يتحول إلى خصومة.
لكنها كانت تعرف أيضًا أن بعض الخلافات لا تنتهي لمجرد أن الجميع توقف عن الكلام.
في الأسابيع السابقة، وزعت البلدية مقترحًا لتجربة تنظيم المرور في الشارع التجاري القديم. كانت الفكرة تقوم على منع مرور السيارات في جزء محدد منه مساء السبت، مع الإبقاء على ممر للطوارئ، وتحديد مواقع قريبة للتحميل والتنزيل، ووضع مقاعد مؤقتة وإضاءة إضافية.
رأى بعض السكان أن المشروع قد يجعل المكان أكثر أمانًا للأطفال وكبار السن، ويمنح العائلات فرصة للتجول دون ازدحام السيارات.
ورأى آخرون أنه سيؤثر في أعمال المحال ويصعّب وصول الزبائن.
كانت هناك أسباب معقولة لدى الطرفين.
لكن النقاش لم يبقَ طويلًا عند حدود الأسباب.
فخلال أيام، بدأ الناس يقسمون بعضهم إلى مجموعتين: من يريدون المحافظة على الحي، ومن يريدون تغييره.
ولم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت التجربة نافعة، بل إلى أي مجموعة ينتمي صاحب الرأي.
كانت أمينة قد قرأت المقترح بعناية. لم تقتنع بكل تفاصيله، لكنها أعجبتها فكرة التجربة المؤقتة.
فقد كانت ترى يوميًا أطفالًا يعبرون الشارع بين السيارات، وكبارًا في السن يتوقفون طويلًا عند الرصيف ينتظرون فرصة للمرور.
وفي الوقت نفسه، كانت تعرف أن بعض زبائنها يأتون بالسيارة لشراء كميات كبيرة من المستلزمات المدرسية، وأن إغلاق الطريق دون تنظيم جيد قد يسبب لهم مشكلات.
كانت تريد أن تناقش الأمر بهدوء.
لكنها اكتشفت أن الهدوء أصبح أصعب ما يمكن العثور عليه.
قبل الاجتماع بأسبوع، دخل إلى مكتبتها طارق، صاحب متجر المواد الغذائية المقابل.
كان رجلًا في أوائل الخمسينيات، معروفًا بطيبته وحبه للمساعدة، لكنه شديد التمسك بما اعتاده.
قال وهو يضع صحيفة على الطاولة:
«هل سمعتِ عن مشروع إغلاق الشارع؟»
أجابت:
«نعم، قرأت التفاصيل».
قال:
«إنهم يريدون تخريب السوق. الناس تأتي بسياراتها لتشتري، فكيف سيعمل التجار؟»
قالت أمينة:
«لكن الإغلاق ثلاث ساعات في الأسبوع فقط. ربما نستطيع تجربة الفكرة قبل الحكم عليها».
تغير وجهه قليلًا.
«أنت أيضًا معهم؟»
استغربت السؤال.
«مع من؟»
قال:
«مع الذين يريدون تغيير كل شيء».
حاولت أن تشرح له أنها لم تتخذ موقفًا نهائيًا، وأنها تريد معرفة أثر التجربة قبل الموافقة أو الرفض.
لكنه لم يبدُ مهتمًا بالتفاصيل.
قال قبل أن يغادر:
«كنت أظنك من الناس الذين يفهمون طبيعة الحي».
بقيت أمينة واقفة خلف مكتبها.
لم تكن العبارة شتيمة، لكنها حملت معنى واضحًا: الاختلاف معه قد يجعلها أقل انتماءً إلى المكان الذي عاشت فيه معظم عمرها.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت تفهم أن المشكلة ليست في تنظيم المرور وحده.
كان هناك خوف أعمق يتسلل إلى النقاش.
خوف من أن يعني قبول فكرة جديدة التخلي عن الماضي.
وخوف من أن يعني الاعتراض عليها الوقوف ضد التطور.
وخوف من أن يتحول الرأي المختلف إلى سبب لفقدان مكانة اجتماعية أو علاقة قديمة.
وهذا الخوف لا يظهر دائمًا في صورة غضب.
أحيانًا يظهر في الصمت.
وفي الابتسامة المترددة.
وفي تغيير الموضوع حين يقترب الحديث من نقطة خلافية.
وفي موافقة لا تعبّر عن قناعة، بل عن رغبة في البقاء داخل الجماعة.
فالإنسان لا يخشى الاختلاف دائمًا لأنه يعتقد أن رأيه صحيح تمامًا.
قد يخشاه لأنه يعرف الثمن الاجتماعي الذي يمكن أن يدفعه إذا أعلن رأيًا لا يشاركه فيه المحيطون به.
قد يخسر دعوة.
أو تتغير طريقة التعامل معه.
أو يصبح موضوعًا للتعليقات.
أو يُطلب منه باستمرار تفسير موقف لم يكن يحتاج أصلًا إلى كل ذلك التفسير.
ولذلك يتعلم بعض الناس إخفاء آرائهم حتى في الأمور التي لا تستحق الخصومة.
وفي يوم الاجتماع، وصلت أمينة مبكرًا.
وجدت المقاعد الأمامية ممتلئة بأصحاب المحال، بينما وقف بعض الشباب قرب الباب يتحدثون عن فوائد المشروع.
كان نديم، المهندس الذي ساعد في إعداد التصور الأولي، يقف قرب شاشة عرض، يراجع الرسومات مع موظف من البلدية.
كان في الرابعة والثلاثين، نشأ في الحي ثم انتقل إلى منطقة أخرى بعد زواجه. عاد للمشاركة في المشروع لأنه يعرف الشارع جيدًا، ولأنه كان يعتقد أن تنظيم حركة المشاة يمكن أن يحسن استخدام المساحات العامة.
لم يكن المشروع فكرته وحده، ولم يكن صاحب القرار النهائي فيه.
لكنه أصبح، في نظر بعض المعترضين، الوجه الذي يمثل كل ما لا يريدونه.
حين بدأ العرض، شرح نديم أن المقترح تجريبي، وأن البلدية ستجمع ملاحظات السكان والتجار قبل اتخاذ قرار بشأن استمراره.
عرض خريطة تبين مسار السيارات البديل، ومواقع الوقوف المؤقت، وممر الطوارئ.
ثم قال:
«إذا أثبتت التجربة أنها تضر بالمنطقة أكثر مما تنفعها، يمكن تعديلها أو إيقافها».
رفع رجل من الصف الأول يده.
كان جابر، سائق حافلة متقاعدًا في السابعة والستين.
قال:
«أنا عشت هنا قبل أن تولدوا. هذا الشارع كان يعمل جيدًا دون كل هذه الخطط».
أجابه نديم باحترام:
«لا أشك في ذلك. لكن عدد السيارات تغير، وطريقة استخدام الشارع تغيرت أيضًا».
قال جابر:
«كل جيل جديد يظن أنه اكتشف ما لم يعرفه الذين سبقوه».
ضحك بعض الحاضرين.
وشعرت أمينة بأن النقاش بدأ ينحرف.
فالسؤال لم يعد عن السيارات أو الممرات، بل عن صراع غير معلن بين الأعمار والخبرات.
كأن الاعتراف بحاجة المكان إلى تعديل يعني أن الجيل السابق أخطأ.
وكأن الدفاع عن بعض التقاليد يعني أن الإنسان يرفض المستقبل كله.
لكن الأمور لا تعمل بهذه البساطة.
قد يحافظ الإنسان على شيء قديم لأنه ما زال نافعًا.
وقد يقترح تغييره لأنه أصبح يسبب مشكلة.
ولا تجعل حداثة الفكرة صاحبها أكثر حكمة، كما لا يجعل قِدم العادة استمرارها صحيحًا بالضرورة.
القيمة الحقيقية لأي اقتراح تكمن في أسبابه ونتائجه، لا في عمر صاحبه أو عدد الأشخاص الذين يصفقون له.
بعد جابر، تحدثت رزان، صاحبة صيدلية تقع في منتصف الشارع.
قالت إنها تؤيد تحسين حركة المشاة، لكنها تخشى أن يصعب الإغلاق وصول المرضى الذين لا يستطيعون المشي مسافات طويلة.
كانت ملاحظتها محددة ومهمة.
سألها نديم عن أوقات استقبال الحالات التي تحتاج إلى الوصول المباشر، ثم ناقشا إمكانية توفير نقطة توقف قريبة من الصيدلية.
لكن رجلًا من المقاعد الخلفية قاطع الحديث:
«لا تتعبي نفسك. هؤلاء قرروا كل شيء، والاجتماع مجرد تمثيلية».
اعترض شاب كان يقف قرب الباب:
«أنتم ترفضون أي شيء جديد دون أن تفهموه».
ارتفعت الأصوات.
وقال أحدهم إن الشباب لا يعرفون قيمة السوق القديم.
ورد آخر بأن كبار السن يريدون فرض آرائهم على الجميع.
خلال دقائق، تحولت القاعة إلى مجموعات تدافع عن نفسها بدلًا من مناقشة المشروع.
كانت أمينة تنظر إلى الحاضرين بدهشة.
فهي تعرف كثيرين منهم خارج هذه القاعة.
تعرف أن جابر يساعد جيرانه عندما تتعطل سياراتهم، وأن رزان تؤجل أحيانًا تحصيل ثمن الدواء ممن يمرون بضائقة، وأن طارق يفتح متجره مبكرًا لخدمة العمال قبل ذهابهم إلى وظائفهم.
وتعرف أيضًا أن الشباب الذين يدافعون عن المشروع ليسوا غرباء عن الحي، وأن بعضهم تطوع سابقًا لتنظيف ساحته العامة.
لم يكن الحاضرون أشرارًا.
لكن الخلاف جعل كل طرف يرى في الآخر صورة مشوهة.
أصبح المعترضون في نظر المؤيدين أشخاصًا يكرهون التغيير.
وأصبح المؤيدون في نظر المعترضين أشخاصًا لا يحترمون تاريخ المكان.
اختفت التفاصيل التي تجعل البشر أكثر تعقيدًا من التصنيفات.
وهذه إحدى أخطر نتائج الخوف من الاختلاف.
فحين نختصر الإنسان في رأي واحد، يصبح من السهل تجاهل بقية صفاته.
لا نعود نراه جارًا أو صديقًا أو زميلًا له تجارب ومخاوف ومصالح مشروعة.
نراه ممثلًا لموقف نرفضه.
ثم نبدأ في تفسير كل ما يقوله من خلال هذا الموقف.
إذا طرح سؤالًا، اعتبرناه محاولة لتعطيل الفكرة.
وإذا أبدى تحفظًا، رأيناه دليلًا على سوء نيته.
وإذا وافق على جزء من كلامنا، شككنا في صدقه.
وهكذا تضيق مساحة الحوار حتى لا يبقى فيها مكان للاعتراف بأن الطرف الآخر قد يكون محقًا في بعض ما يقول.
كانت أمينة تعرف أن لديها ملاحظات على المشروع.
لكنها لم ترفع يدها.
لم تكن تخشى الكلام أمام الناس، فقد تحدثت في مناسبات كثيرة من قبل.
كانت تخشى ما سيحدث بعد الكلام.
أن يخرج أحدهم من القاعة ويخبر الآخرين بأنها أصبحت من أنصار المشروع.
أو أن يظن طارق أنها وقفت ضده.
أو أن تتحول زيارتها اليومية إلى السوق إلى سلسلة من الأسئلة والتلميحات.
ولم يكن خوفها غريبًا.
فالانتماء إلى مجتمع صغير يمنح الإنسان شعورًا بالأمان، لكنه قد يضعه أحيانًا أمام ضغط غير معلن للتشابه.
كلما عرف الناس بعضهم أكثر، أصبحت توقعاتهم عن بعضهم أكثر رسوخًا.
هذا الشخص ينبغي أن يؤيدنا.
وتلك المرأة لا يصح أن تختلف معنا.
وهذا الشاب من عائلتنا، فكيف يتبنى رأيًا لا نتبناه؟
ومع مرور الوقت، قد تتحول العلاقة الاجتماعية من مساحة للمحبة إلى شبكة من التوقعات التي يصعب الخروج عنها.
لا يقول أحد صراحة إن الاختلاف ممنوع.
لكن الجميع يعرف أن بعض الآراء ستُستقبل بالاستغراب أو الاستياء.
وهكذا ينشأ نوع من التشابه الظاهري.
يتحدث الناس بالطريقة نفسها في المجالس، ويؤكدون الآراء نفسها، ويضحكون على التعليقات نفسها.
لكنهم حين يعودون إلى منازلهم قد يعترفون لأقرب الناس إليهم بأنهم لا يوافقون على كل ما قيل.
ويصبح المجتمع الذي يبدو متفقًا في العلن أكثر اختلافًا في الخفاء مما يتصور أفراده.
في منتصف الاجتماع، طلب موظف البلدية من الجميع التزام الهدوء.
ثم أعلن استراحة قصيرة.
خرج بعض الحاضرين إلى الممر، بينما بقيت أمينة جالسة.
اقترب منها جابر.
كان يحمل كوبًا ورقيًا من الماء.
قال:
«لم أسمع رأيك اليوم».
أجابت:
«ما زلت أفكر».
جلس على المقعد المجاور.
«الأمر واضح. سيغلقون الشارع، ثم يعتاد الناس الإغلاق، وبعدها لن نستطيع إعادته كما كان».
قالت:
«ربما، لكنهم يقولون إنها تجربة محددة المدة».
هز رأسه.
«أنا لا أثق بسهولة بالوعود».
سألته أمينة:
«هل لديك سبب معين؟»
نظر إليها قليلًا، ثم بدأ يتحدث عن مشروع سابق لتغيير اتجاه المرور قرب منزله.
قال إن القرار يومها نُفذ دون استشارة كافية، وإن الطريق الجديد جعل الوصول إلى بيته أصعب، وإن شكاواه لم تلقَ اهتمامًا.
استمعت إليه أمينة.
فهمت للمرة الأولى أن اعتراضه لا ينبع من كراهية كل جديد.
كان يحمل تجربة سابقة شعر فيها بأن رأيه لم يكن مهمًا.
وكان يخشى أن تتكرر.
قالت:
«إذن مشكلتك ليست مع فكرة المشاة وحدها، بل مع طريقة اتخاذ القرار وضمان إمكان التراجع عنه».
نظر إليها جابر.
«بالضبط».
كانت هذه الكلمة الصغيرة أكثر هدوءًا من جميع العبارات التي قالها داخل القاعة.
وأدركت أمينة أن بعض المواقف التي تبدو متشددة تخفي وراءها مخاوف لم تجد من يسأل عنها.
فالناس لا يدخلون النقاشات بعقول خالية من التجارب.
يحملون ذكريات عن قرارات خيبت آمالهم.
وعن وعود لم تتحقق.
وعن مرات شعروا فيها بأن الآخرين لم يحترموا احتياجاتهم.
وقد يصبح رفضهم لفكرة جديدة وسيلة لحماية أنفسهم من تكرار ألم قديم.
لا يجعل ذلك الرفض صحيحًا دائمًا.
لكنه يجعل فهمه ممكنًا.
والفهم لا يعني الموافقة.
يمكننا أن نفهم سبب خوف شخص من التغيير، ثم نختلف معه حول القرار المناسب.
ويمكننا أن نحترم تجربته دون أن نسمح لها وحدها بتحديد مستقبل الجميع.
وهذا ما يضيع حين يتحول الاختلاف إلى مواجهة بين أشخاص، بدلًا من أن يكون بحثًا مشتركًا عن أفضل الخيارات.
بعد انتهاء الاستراحة، عاد الحاضرون إلى مقاعدهم.
كانت أمينة قد قررت الكلام.
رفعت يدها.
وحين أُعطيت الفرصة، وقفت ببطء.
قالت:
«أنا أعمل في هذا الشارع منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وأعرف أن إغلاقه قد يسبب مشكلات لبعض المحال، ومنها مكتبتي».
توقف بعض المعترضين عن الحديث.
تابعت:
«لكنني أرى أيضًا أن حركة السيارات أصبحت مزعجة، وأن الأطفال وكبار السن يجدون صعوبة في عبوره. لهذا لا أريد رفض الفكرة قبل تجربتها، ولا أريد الموافقة عليها دون ضمانات».
كانت كلماتها واضحة، لكنها لم تكن هجومية.
وأضافت:
«أقترح أن تكون التجربة لأربعة أسابيع فقط، وأن تُعلن شروط تقييمها مسبقًا. نريد أن نعرف هل انخفضت المشكلات المرورية، وهل تأثرت مبيعات المحال، وهل استطاع أصحاب الاحتياجات المختلفة الوصول إلى الأماكن التي يقصدونها».
ثم التفتت نحو جابر:
«ونريد أيضًا موعدًا واضحًا لمراجعة النتائج، حتى لا يشعر أحد بأن القرار أصبح نهائيًا قبل سماع الناس».
لم يصفق الجميع.
ولم يتفقوا فجأة.
لكن القاعة هدأت قليلًا.
رفع طارق يده وسألها:
«وهل تقبلين أن تخسري زبائن بسبب تجربة لا نعرف نتيجتها؟»
أجابته:
«لا أريد الخسارة، لكنني لا أستطيع القول إنني سأخسر قبل أن أعرف. ولهذا أطلب قياس الأثر بدلًا من الاعتماد على توقعاتنا فقط».
قال:
«أنا أخشى أن يتضرر عملي».
أجابته:
«وأنا أفهم خوفك. لكن خوفنا وحده لا يكفي لإثبات أن الفكرة ستفشل، كما أن حماس الآخرين لا يكفي لإثبات أنها ستنجح».
لم يكن في جوابها انتصار على أحد.
كان محاولة لإعادة النقاش إلى مكانه الصحيح.
ولعل هذا ما نحتاج إليه في كثير من خلافاتنا اليومية.
أن نتوقف عن التعامل مع الرأي بوصفه امتحانًا للولاء.
فمن يختلف معنا لا يعلن بالضرورة أنه ضدنا.
ومن يسأل عن أدلة لا يقصد دائمًا إحراجنا.
ومن يغير رأيه بعد سماع معلومات جديدة لا يكون بالضرورة ضعيف الشخصية.
ومع ذلك، فإن بعض البيئات الاجتماعية تجعل التراجع عن الرأي أكثر صعوبة من الاستمرار في الدفاع عنه.
فحين يعلن الإنسان موقفًا أمام مجموعة، قد يشعر أن الاعتراف بخطئه سيقلل من مكانته.
ويصبح هدفه المحافظة على صورته، لا الوصول إلى نتيجة أفضل.
يدافع عن رأي لم يعد مقتنعًا به تمامًا.
ويبحث عن أدلة تؤيده وحدها.
ويتجاهل المعلومات التي تناقضه.
ليس لأنه لا يفهمها، بل لأنه يخشى أن يقال إنه تراجع.
وهكذا تتحول القناعة من فكرة قابلة للمراجعة إلى جزء من الهوية الشخصية.
ويصبح تغيير الرأي شبيهًا بفقدان شيء من الذات.
لكن الإنسان لا يفقد احترامه حين يتعلم.
ولا تصبح سنوات خبرته بلا قيمة إذا اكتشف أن معلومة جديدة تستحق إعادة النظر.
بل إن القدرة على تعديل الموقف قد تكون دليلًا على نضج لا يملكه من يصر على رأيه مهما تغيرت الظروف.
بعد الاجتماع، خرجت أمينة إلى الشارع.
كان المطر قد خف، وبقيت المياه تتجمع قرب حواف الأرصفة.
اقترب منها طارق.
توقعت أن يعاتبها.
لكنه قال:
«لم أتوقع أن تتحدثي بهذا الشكل».
سألته:
«بأي شكل؟»
أجاب:
«كنت أظنك سترفضين المشروع معنا».
قالت:
«أنا لم أوافق عليه بالكامل أيضًا».
نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
«يبدو أننا اعتدنا أن نرى الناس إما معنا وإما ضدنا».
لم تجبه فورًا.
كان في عبارته اعتراف لم تتوقع سماعه.
ثم قالت:
«ربما لأن ذلك أسهل من سماع التفاصيل».
افترقا عند مدخل السوق.
لم يتحول طارق إلى مؤيد للمشروع.
ولم تصبح أمينة مقتنعة بأن التجربة ستنجح.
لكن شيئًا تغير في طريقة حديثهما.
لم يعد الاختلاف بينهما دليلًا على تراجع الاحترام.
وهذا وحده كان تقدمًا.
خلال الأسبوع التالي، ناقشت البلدية المقترحات التي قدمها السكان.
أُدخلت تعديلات على خطة التجربة، منها تحديد موقع أقرب للتوقف المؤقت قرب الصيدلية، وتنظيم وصول سيارات التوصيل قبل بدء الإغلاق، والإعلان عن موعد واضح لجلسة مراجعة النتائج.
لم تكن التعديلات مثالية.
فقد بقي بعض أصحاب المحال قلقين، ورأى آخرون أن ساعات الإغلاق قليلة جدًا لاختبار الفكرة بصورة كافية.
لكن القرار لم يعد مجرد مواجهة بين مؤيدين ومعارضين.
أصبح مجموعة من الأسئلة العملية التي يمكن مراقبة نتائجها.
وفي السبت الأول، وصل العاملون مبكرًا لوضع الحواجز المؤقتة.
كانت السماء صافية، والهواء يحمل برودة خفيفة.
توقفت السيارات عند طرف الشارع، وبدأ الناس يدخلون سيرًا على الأقدام.
جلس رجل مسن على مقعد قرب الصيدلية.
ومرت أم تدفع عربة طفلها دون أن تضطر إلى النزول عن الرصيف لتجاوز سيارة متوقفة.
وتجمع بعض الصغار قرب رسام كان يعرض لوحاته أمام متجر صغير.
في المقابل، وقف طارق أمام محله يراقب الحركة.
لم يكن مرتاحًا.
فقد لاحظ أن بعض الزبائن الذين اعتادوا التوقف بسياراتهم لم يأتوا في ذلك المساء.
وسجل الملاحظة في دفتر صغير.
أما أمينة، فقد باعت دفاتر رسم وأقلامًا لعدد من العائلات التي دخلت مكتبتها أثناء التجول.
لكنها لاحظت أيضًا أن أحد زبائنها المعتادين اتصل ليسأل عن مكان يمكنه الوقوف فيه لاستلام طلب كبير.
ساعدته في ترتيب الاستلام من الطرف الآخر للشارع.
كانت التجربة تحمل فوائد ومشكلات في الوقت نفسه.
ولم يكن في ذلك تناقض.
فالحياة العامة نادرًا ما تقدم حلولًا مثالية ترضي الجميع.
قد يستفيد بعض الناس من قرار، بينما يتحمل آخرون تكلفة إضافية.
وقد تنجح فكرة في جانب وتحتاج إلى تعديل في جانب آخر.
والنقاش المسؤول لا يتطلب إنكار هذه التعقيدات، بل الاعتراف بها والبحث عن طريقة عادلة للتعامل معها.
لكن المجتمعات التي تخشى الاختلاف تميل أحيانًا إلى تبسيط كل شيء.
إذا نجحت الفكرة في موقف واحد، اعتبرها مؤيدوها ناجحة بالكامل.
وإذا ظهرت مشكلة واحدة، أعلن معارضوها أنها فشلت.
يبحث كل طرف عن المشاهد التي تؤكد توقعاته.
ثم يستخدمها لإثبات أن الطرف الآخر لم يكن يفهم شيئًا.
وهكذا يمكن أن تضيع فرصة التعلم حتى عندما تكون النتائج أمام الجميع.
كانت أمينة تحاول مقاومة هذا الميل في نفسها.
فقد شعرت بالسعادة وهي ترى الأطفال يمشون بأمان، لكنها لم تتجاهل مشكلة الزبون الذي واجه صعوبة في استلام طلبه.
وكان طارق، رغم تحفظه، يعترف بأن حركة المشاة جلبت إلى السوق أشخاصًا لم يكن يراهم عادة في مساء السبت.
أما جابر، فزار الشارع مرتين خلال التجربة.
وفي المرة الثانية، جلس قرب أمينة أمام مكتبتها.
قال وهو يراقب المارة:
«المكان جميل هكذا، لكنني ما زلت أريد أن أعرف ما سيحدث بعد انتهاء الأسابيع الأربعة».
أجابته:
«وهذا سؤال من حقك».
نظر إليها مبتسمًا.
«أنت لا تريدين أن تقنعيني بأنني مخطئ؟»
قالت:
«لا أريد أن أقنعك بشيء قبل أن أعرف أنا أيضًا ما الذي ستقوله النتائج».
ضحك.
ثم جلسا يتحدثان عن تاريخ السوق، وعن الأيام التي كانت العربات اليدوية تمر فيه قبل انتشار السيارات.
كانا مختلفين في بعض آرائهما، لكن الحديث لم يعد معركة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أمينة أن الخلاف نفسه لم يكن المشكلة الكبرى.
المشكلة كانت في الخوف الذي يحيط به.
الخوف من أن نخسر مكانتنا إذا لم نوافق.
ومن أن يفسر الآخرون اعتراضنا بوصفه إهانة.
ومن أن نعترف بأن شخصًا نختلف معه قد يكون محقًا في نقطة معينة.
ومن أن نكتشف أن قناعات اعتدناها تحتاج إلى مراجعة.
وهذه المخاوف لا تخص الأحياء الصغيرة وحدها.
نراها في البيوت حين يُطلب من الأبناء أن يختاروا الطريق نفسه الذي اختاره آباؤهم، لا لأن البدائل سيئة بالضرورة، بل لأن المألوف يبدو أكثر أمانًا.
ونراها بين الأصدقاء حين يصبح اختلاف الذوق أو الاهتمام سببًا للسخرية.
ونراها في المجالس حين يتردد شخص في التعبير عن رأيه، لأنه يعرف أن الجميع أعلنوا موقفًا آخر.
ونراها على منصات التواصل حين تتحول جملة واحدة إلى وسيلة لتصنيف صاحبها، قبل محاولة فهم سياقها أو مقصده.
في كل هذه الحالات، قد يكون الخوف من العزلة أقوى من الرغبة في التعبير.
فالإنسان يحتاج إلى الانتماء.
ولا يمكن الاستهانة بهذه الحاجة.
نحن نبحث عن أشخاص يفهموننا، ونشعر بالراحة حين نجد من يشاركنا القيم والاهتمامات والتجارب.
لكن الانتماء يصبح ضيقًا حين يشترط التشابه الكامل.
فلا عائلة يستطيع جميع أفرادها التفكير بالطريقة نفسها.
ولا صداقة تظل حية إذا كان أحد طرفيها مضطرًا إلى إخفاء شخصيته.
ولا مجتمع يتطور إذا اعتبر كل سؤال جديد تهديدًا لما يعرفه.
ومع ذلك، ليس كل اختلاف فضيلة في ذاته.
فقد يكون الرأي المختلف ضعيفًا أو غير مدروس أو قائمًا على معلومات خاطئة.
وقد يحمل اقتراح جديد أضرارًا حقيقية.
ولا يصبح الإنسان شجاعًا لمجرد أنه يخالف الأغلبية.
كما لا يصبح رأي الأغلبية باطلًا لمجرد أنه شائع.
القيمة ليست في الاختلاف من أجل الاختلاف، بل في حرية التفكير والقدرة على فحص الآراء دون خوف أو تعصب.
قد نتفق بعد نقاش طويل.
وقد نبقى مختلفين.
وفي الحالتين، يمكن أن نخرج بفهم أعمق مما دخلنا به.
فالاستماع إلى رأي آخر لا يلزمنا بتبنيه.
لكنه قد يكشف جانبًا لم نكن نراه.
وقد يساعدنا على تحسين موقفنا، حتى إذا انتهينا إلى المحافظة عليه.
ومن المهم أيضًا التمييز بين احترام الإنسان واحترام كل فكرة يطرحها.
يمكننا أن نحفظ كرامة صاحب الرأي، وأن نرفض رأيه بوضوح.
ويمكننا أن نناقش ادعاءً غير صحيح دون السخرية ممن يردده.
ويمكننا أن نضع حدودًا للكلام المؤذي أو التمييزي دون أن نجعل مجرد الاختلاف في التقدير أو الذوق سببًا للعداوة.
فالاحترام لا يعني غياب النقد.
بل يعني أن النقد يتوجه إلى الفكرة وأسبابها وآثارها، بدلًا من تحويله إلى محاولة لإذلال صاحبها.
بعد انتهاء الأسابيع الأربعة، عُقد اجتماع ثانٍ في القاعة نفسها.
لكن الأجواء كانت مختلفة.
حضر أصحاب المحال ومعهم ملاحظات مكتوبة.
قدم بعضهم أرقامًا عن حركة المبيعات، وتحدث آخرون عن صعوبة التحميل والتنزيل.
وأشارت مجموعة من السكان إلى شعورهم بقدر أكبر من الأمان أثناء المشي.
كما ظهرت ملاحظات عن الحاجة إلى تحسين الإضاءة وتنظيم أماكن الجلوس.
لم تكن النتائج حاسمة في كل جانب.
فبعض المحال استفادت، وبعضها واجه صعوبات، ولم تكن مدة التجربة كافية للإجابة عن جميع الأسئلة.
لذلك تقرر تعديل الخطة وإجراء تجربة أخرى بشروط أوضح قبل اتخاذ قرار دائم.
لم يشعر الجميع بالرضا.
لكن النقاش أصبح أقل ارتباطًا بالاتهامات وأكثر ارتباطًا بما يمكن تحسينه.
وفي نهاية الاجتماع، وقف جابر وطلب الكلمة.
قال:
«كنت ضد المشروع من البداية، وما زلت غير مقتنع ببعض تفاصيله. لكنني رأيت أشياء جيدة خلال التجربة، وأريد أن تُؤخذ الملاحظات التي قدمناها بجدية».
ثم جلس.
لم يصفق أحد تصفيقًا حارًا.
ولم يكن الموقف يحتاج إلى ذلك.
كانت أهميته في بساطته.
رجل أعلن تحفظه، واعترف بما رآه من فوائد، ولم يشعر أنه مضطر إلى إنكار أحد الأمرين حتى يحافظ على احترامه لنفسه.
بعده تحدث نديم.
شكر السكان على ملاحظاتهم، واعترف بأن بعض المشكلات المتعلقة بوصول الزبائن لم تكن واضحة بالقدر الكافي في الخطة الأولى.
كان ذلك اعترافًا مهمًا أيضًا.
فالشخص الذي يقترح التغيير لا ينبغي أن يتعامل مع اعتراض الآخرين بوصفه عائقًا يجب تجاوزه دائمًا.
قد يحمل الاعتراض معلومة يحتاج إليها المشروع.
وقد يكشف أثرًا لم ينتبه إليه أصحابه.
وقد يساعد على حماية أشخاص لا تصل أصواتهم بسهولة إلى الاجتماعات العامة.
وهكذا يصبح الاختلاف وسيلة لتحسين القرارات، لا مجرد صراع حول من ينتصر.
خرجت أمينة من القاعة وهي تشعر بأن الحي لم يتغير كثيرًا في مظهره.
المحال ما زالت في أماكنها.
والشارع لم يتحول إلى ساحة دائمة.
والناس ما زالوا يختلفون حول المشروع.
لكن
الناس تخشى الاختلاف
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً