الرجوع إلى مقالاتمقالات

الاهتمام أصبح نادرًا

في صباح يوم مزدحم، وقفت سلوى أمام باب المخبز تنتظر دورها، بينما كانت تمسك بيدها كيسًا صغيرًا من الأدوية. مرت بها امرأة تعرفها منذ سنوات، توقفت لحظة، ابتسمت، وقالت بسرعة:

«أين أنتِ؟ اشتقنا لك!»

ثم أكملت طريقها قبل أن تجد سلوى وقتًا للإجابة.

ظلت سلوى تنظر خلفها ثواني قليلة.

كانت العبارة جميلة، وربما صادقة، لكنها بدت غريبة في ذلك الصباح تحديدًا.

فقد أمضت الأسابيع الثلاثة الماضية ترافق شقيقتها خلال علاج مرهق، وتعتذر عن لقاءات كثيرة، وتغيب عن مجلس الجيران الذي اعتادت حضوره كل خميس.

وكان عدد كبير من الناس قد أرسلوا لها رسائل قصيرة:

«طمنينا».

«الله يقومها بالسلامة».

«نحن معك».

لكن قليلين فقط عادوا بعد يومين ليسألوا ماذا حدث.

وأقل منهم من تذكر أن يسألها هي كيف كانت تتحمل كل ذلك.

لم تكن سلوى غاضبة من أحد.

فهي تعرف أن للناس أعمالهم وأسرهم ومتاعبهم، وأن الإنسان لا يستطيع أن يحمل هموم الجميع.

لكنها بدأت تلاحظ فرقًا لم تنتبه إليه سابقًا: هناك مسافة كبيرة بين أن نتواصل مع شخص، وأن نهتم به.

قد تصل الرسالة في ثانية.

أما الاهتمام، فيحتاج إلى شيء آخر.

إلى ذاكرة.

وإلى وقت.

وإلى استعداد لأن نتوقف قليلًا عن أنفسنا.

---

نعيش في زمن أصبح فيه الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقت مضى.

يمكننا أن نرسل صورة من طريقنا إلى العمل، وأن نعلق على مناسبة عائلية، وأن نعرف من سافر ومن عاد ومن احتفل ومن حزن، وأن نكتب كلمات المواساة والتهنئة في اللحظة نفسها التي يصل فيها الخبر إلينا.

ومع ذلك، يشعر كثير من الناس بأنهم أقل حضورًا في حياة بعضهم.

ليس لأن الكلمات اختفت.

بل لأن الكلمات كثرت أحيانًا إلى درجة أصبح من السهل أن نقولها ونمضي.

نكتب «كيف حالك؟» ثم لا ننتظر جوابًا طويلًا.

نقول «إذا احتجت شيئًا فأنا موجود»، ونحن نعرف في داخلنا أننا لا نتوقع أن يطلب الطرف الآخر فعلًا شيئًا.

نهنئ عشرات الأشخاص في يوم واحد، لكننا قد لا نعرف ما الذي يشغل أقربهم إلينا.

وهذا لا يعني أن التواصل الحديث زائف بطبيعته، ولا أن الناس في الماضي كانوا أكثر وفاءً دائمًا.

لكن سرعة الاتصال خلقت أحيانًا وهمًا بأن كثرة التفاعل تعني كثرة الاهتمام.

بينما قد يكون الشخص محاطًا بالرسائل، ويشعر في الوقت نفسه أنه لا يجد من يسمعه فعلًا.

---

كانت سلوى قد عرفت هذا الفرق بصورة أوضح خلال مرض شقيقتها ناهد.

في الأيام الأولى، انهالت الاتصالات.

الأقارب يسألون عن التشخيص.

الصديقات يرسلن الدعوات.

الجيران يعرضون المساعدة.

ثم هدأ كل شيء تدريجيًا.

وهذا طبيعي إلى حد ما.

فالخبر الجديد يجذب الانتباه، ثم تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد.

لكن المرض لم يعد خبرًا جديدًا بالنسبة إلى سلوى.

كان مستمرًا.

وكان التعب مستمرًا.

وكانت المواعيد الطبية والانتظار والقلق والتفكير في المستقبل مستمرة أيضًا.

وفي الأسبوع الثاني، بدأت تشعر بالوحدة بطريقة لم تتوقعها.

كان هاتفها ممتلئًا بالمحادثات.

لكن معظمها توقف عند السؤال الأول.

في إحدى الليالي، وصلت إلى منزلها بعد يوم طويل في المستشفى.

وضعت مفاتيحها على الطاولة، وجلست دون أن تخلع معطفها.

وصلتها رسالة من صديقة قديمة اسمها أمل:

«كيف كانت نتيجة الفحص اليوم؟»

تأملت سلوى الرسالة.

كانت أمل قد سألت قبل أربعة أيام عن موعد الفحص، واحتفظت بالتاريخ في ذاكرتها.

كتبت لها التفاصيل.

ثم اتصلت أمل.

لم تقدم نصائح.

ولم تخبرها بأن عليها أن تكون قوية.

ولم تبدأ بمقارنة حالتها بقصة شخص آخر.

قالت فقط:

«أشعر من صوتك أنك متعبة أكثر من ناهد اليوم».

ضحكت سلوى رغم إنهاكها.

ثم سكتت.

وفجأة وجدت نفسها تبكي.

لم يكن البكاء بسبب سؤال استثنائي.

كان بسبب أن شخصًا انتبه إليها.

وهذه هي قيمة الاهتمام في كثير من الأحيان.

ليس أن يحل المشكلة.

بل أن يجعل الإنسان يشعر أنه مرئي داخلها.

---

الاهتمام لا يحتاج دائمًا إلى تضحيات كبيرة.

قد يكون في تذكر موعد قاله شخص قبل أسبوع.

أو في ملاحظة أنه أصبح أكثر صمتًا من المعتاد.

أو في سؤال ثانٍ يأتي بعد «كيف حالك؟» بدل الاكتفاء بالإجابة التقليدية.

وقد يكون في احترام ما لا يريد الآخر الحديث عنه.

فليس الاهتمام اقتحامًا.

ولا يعني أن نطالب الناس بإخبارنا بكل ما يمرون به.

بل أن نكون منتبهين بما يكفي لنعرف متى نقترب، ومتى نترك مساحة، ومتى نعود لاحقًا.

الإنسان الذي يهتم لا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا طوال الوقت.

لكن حضوره يكون له معنى عندما يأتي.

---

كان لسلوى ابن في الثامنة والعشرين اسمه بهاء، يعمل في شركة لوجستية ويعيش في مدينة أخرى.

كان يتصل بها تقريبًا كل مساء.

المكالمة لا تتجاوز غالبًا خمس دقائق.

يسألها عن حالها، وتسأله عن عمله، ثم ينتهي الحديث.

كانت تعتبره ابنًا بارًا، ولم تكن تشكو من قصر المكالمات.

لكن خلال فترة مرض ناهد، بدأت تلاحظ شيئًا.

كان بهاء يسأل كل ليلة:

«كيف خالتي؟»

فتجيبه.

ثم يقول:

«الحمد لله، المهم أنتِ لا تتعبين نفسك».

كانت العبارة تتكرر بالطريقة نفسها تقريبًا.

وفي إحدى الليالي، قالت له بنبرة ضاحكة:

«أنا أتعب نفسي فعلًا».

سكت.

سألها:

«ماذا تقصدين؟»

أجابت:

«أقصد أنني متعبة يا بهاء».

طال الصمت للمرة الأولى.

ثم قال:

«ظننت أنني أسألك كل يوم».

قالت:

«أنت تسأل، لكنك تعرف الجواب قبل أن تسمعه».

لم تكن تريد جرحه.

وكان بهاء فعلًا يتصل بانتظام.

لكنه أدرك في تلك اللحظة أنه حول الاتصال إلى عادة مطمئنة بالنسبة إليه.

يفعل ما يعتقد أنه واجبه، فيشعر بأنه قريب من والدته.

لكنه لم يكن يتوقف كثيرًا عند تغير صوتها أو طول صمتها أو التفاصيل التي تتكرر في حديثها.

في الليلة التالية، اتصل في وقت أبكر.

ولم يسأل عن خالته أولًا.

قال:

«أمي، احكي لي عن يومك أنتِ».

كان السؤال جديدًا.

وتغيرت المكالمة كلها بسببه.

---

أحيانًا لا ينقصنا الحب.

ينقصنا الانتباه.

قد يحب الأب أبناءه، لكنه لا يعرف ما الذي يخيفهم هذه الأيام.

وقد تحب الزوجة زوجها، لكنها لا تنتبه إلى أنه توقف منذ مدة عن الحديث عن عمله.

وقد يحب الصديق صديقه، لكنه لا يعرف أن المزاح الذي اعتاد سماعه منه أصبح وسيلة لإخفاء ضيق حقيقي.

نحن نعيش إلى جوار الناس، لكننا قد نعرف أخبارهم أكثر مما نعرف أحوالهم.

نعرف أنهم حصلوا على وظيفة جديدة، ولا نعرف هل هم مرتاحون فيها.

نعرف أنهم انتقلوا إلى منزل أفضل، ولا نعرف إن كانوا يشعرون بالوحدة داخله.

نعرف أنهم تزوجوا أو سافروا أو نجحوا، لكننا لا نسأل كثيرًا عما تغير في داخلهم.

الاهتمام الحقيقي يذهب أبعد قليلًا من الخبر.

يسأل عن الإنسان الذي يعيش خلفه.

---

ولا يعني هذا أن نصبح مراقبين دائمين لمن نحب.

فالإفراط في السؤال قد يكون مرهقًا، وقد يتحول الاهتمام إلى رقابة أو سيطرة.

هناك فرق بين أن تسأل شخصًا لأنك تريد فهمه، وأن تسأله لأنك تريد معرفة كل تفاصيله.

وفرق بين الاهتمام وبين مطالبة الآخرين بأن يكونوا متاحين لنا باستمرار.

بعض الناس يقولون:

«لو كان يهتم، لرد فورًا».

أو:

«لو كانت تحبني، لأخبرتني بكل شيء».

وهذه معايير قد تكون ظالمة.

فالإنسان قد يتأخر لأنه يعمل.

وقد يمر بفترة يحتاج فيها إلى العزلة.

وقد يحتفظ ببعض التفاصيل لنفسه دون أن يعني ذلك تراجع محبته.

الاهتمام الصحي يحترم الحدود.

لا يجعل القرب اختبارًا يوميًا.

ولا يحول التأخر في الرد إلى اتهام.

ولا يقيس المحبة بعدد الرسائل.

بل ينظر إلى نمط العلاقة كله.

هل يوجد صدق؟

هل يوجد حضور حين تصبح الأمور مهمة؟

هل يشعر الطرفان أن بإمكانهما الاعتماد على بعضهما دون خوف من الاستغلال أو الحكم؟

هذه الأسئلة أعمق من سرعة الإجابة على الهاتف.

---

بعد تحسن حالة ناهد، عادت سلوى تدريجيًا إلى حياتها المعتادة.

وفي مساء الخميس، ذهبت إلى مجلس الجيران بعد غياب طويل.

رحبت بها النساء بحرارة.

سألتها واحدة عن صحة شقيقتها.

وأخرى قالت:

«الحمد لله على السلامة، افتقدناك».

جلست سلوى بينهن، وبدأ الحديث ينتقل سريعًا من موضوع إلى آخر.

بعد نصف ساعة، لاحظت امرأة تدعى حنان تجلس في آخر الغرفة.

كانت حنان معروفة بكثرة الحديث والضحك، لكنها في تلك الليلة بقيت صامتة معظم الوقت.

سألتها سلوى:

«أنتِ بخير؟»

أجابت حنان فورًا:

«الحمد لله».

كانت الإجابة نفسها التي يستخدمها الناس عادة لإغلاق السؤال.

لكن سلوى لاحظت أنها لم ترفع عينيها.

لم تسألها أمام الجميع.

انتظرت حتى خرجتا من المنزل في نهاية اللقاء.

ثم قالت:

«إذا كان هناك شيء يزعجك ولا تريدين الحديث عنه الآن، لا مشكلة. لكنني شعرت أنك لست كعادتك».

توقفت حنان.

ثم قالت:

«ابنتي قررت السفر للعمل، وأنا أحاول أن أفرح لها، لكنني خائفة من الوحدة بعد ذهابها».

لم يكن الأمر مرضًا ولا أزمة ضخمة.

ولم تكن حنان تطلب حلًا.

كانت تحتاج فقط إلى مكان تستطيع فيه الاعتراف بأن خبرًا سعيدًا يمكن أن يحمل حزنًا أيضًا.

مشيت سلوى معها حتى بيتها.

وفي الأسبوع التالي، اتصلت بها لتسأل كيف تستعد ابنتها للسفر.

كانت قد تعلمت، من تجربتها الخاصة، أن السؤال الأول جميل، لكن السؤال الذي يأتي بعد أيام هو الذي يخبر الإنسان غالبًا أن أحدًا لم ينسه.

---

وهنا تكمن ندرة الاهتمام الحقيقي.

ليس لأن الناس أصبحوا بلا مشاعر.

بل لأن الحياة أصبحت مزدحمة بالمنبهات والمهام والرسائل والمعلومات.

كل شيء يطلب انتباهنا.

العمل.

البيت.

الأخبار.

الإشعارات.

المواعيد.

الحسابات.

الصور.

والإنسان لا يملك قدرة غير محدودة على التركيز.

ولهذا يصبح الاهتمام اختيارًا.

أن نقرر أن نتذكر شخصًا وسط عشرات الأشياء.

أن نغلق شاشة لدقائق ونستمع.

أن نؤجل حديثًا عن أنفسنا لأن الطرف الآخر يحتاج إلى الكلام.

أن نسأل عن تفصيل صغير لأننا نعرف أنه مهم لصاحبه.

هذه الأفعال تبدو بسيطة، لكنها تستهلك شيئًا نادرًا فعلًا: الانتباه الصادق.

---

وفي العلاقات الطويلة، تحدث مشكلة أخرى.

قد نعتقد أننا نعرف الشخص إلى درجة لا نحتاج معها إلى السؤال.

الزوج يعرف زوجته.

الأخ يعرف أخته.

الصديق يعرف صديقه.

فنبدأ في تفسير تصرفاتهم اعتمادًا على النسخة القديمة التي نحملها عنهم.

نقول:

«هي دائمًا قوية».

«هو لا يهتم بهذه الأمور».

«أخي لا يحب الحديث عن مشكلاته».

لكن الناس يتغيرون.

وما كان الإنسان يحتمله في الثلاثين قد يصبح أثقل عليه في الخمسين.

وما كان يخفيه بسهولة قبل سنوات قد يحتاج اليوم إلى من يساعده على حمله.

الاهتمام يعني أن نستمر في التعرف إلى من نحب، حتى بعد سنوات من المعرفة.

ألا نتعامل معهم ككتب انتهينا من قراءتها.

---

كان بهاء يزور والدته مرة كل شهر تقريبًا.

وفي إحدى زياراته بعد مرض خالته، لاحظ دفترًا صغيرًا على طاولة الصالة.

قال:

«ما هذا؟»

أجابته سلوى:

«كتبت فيه مواعيد ناهد والأدوية التي كانت تحتاجها».

فتح الصفحة الأولى، ثم توقف.

وجد أمه قد كتبت في زاوية إحدى الصفحات:

«الثلاثاء: موعد المستشفى. لا أنسى أن آكل قبل الخروج».

نظر إليها.

قال:

«كنتِ تكتبين لنفسك أن تتذكري الأكل؟»

ابتسمت.

«كنت أنسى أحيانًا».

شعر بهاء بوخزة في صدره.

كان يتصل بها كل ليلة تقريبًا، لكنه لم يعرف أنها كانت تمر بأيام لا تجد فيها وقتًا لطعامها.

قال:

«أشعر أنني كنت قريبًا منك، لكنني لم أكن أعرف ماذا يحدث فعلًا».

أجابته سلوى:

«لا تلوم نفسك. أنا أيضًا لم أكن أقول كل شيء».

ثم أضافت:

«لكن أحيانًا نحتاج إلى سؤال مختلف حتى نقول جوابًا مختلفًا».

احتفظ بهاء بهذه العبارة.

وبعدها أصبحت مكالماته أقل انتظامًا أحيانًا بسبب ضغط عمله، لكنها أكثر حضورًا حين تحدث.

لم يعد يكرر الأسئلة نفسها.

صار يسأل:

«ما أكثر شيء أتعبك اليوم؟»

أو:

«هل هناك شيء مؤجل أستطيع مساعدتك فيه؟»

وفي أيام أخرى، لا يسأل أسئلة عميقة أصلًا.

يحكي لها موقفًا مضحكًا من عمله، ويستمع إلى وصفة جديدة جربتها، أو يتحدثان عن مباراة أو فيلم.

فالاهتمام ليس جلسة ثقيلة في كل مرة.

قد يظهر في مشاركة الحياة العادية أيضًا.

المهم أن يشعر الإنسان أن الطرف الآخر حاضر معه، لا يؤدي واجبًا سريعًا ثم يغادر.

---

ومن الأخطاء التي تجعل الاهتمام نادرًا أن بعضنا ينتظر من الآخر أن يطلبه صراحة.

نقول:

«لو احتاجني لاتصل».

لكن كثيرًا من الناس لا يطلبون.

بعضهم يخجل.

وبعضهم لا يريد أن يكون عبئًا.

وبعضهم اعتاد أن يكون الشخص الذي يساعد الآخرين، فيجد صعوبة في أن يظهر حاجته.

وبعضهم حاول سابقًا ولم يجد استجابة، فتوقف عن المحاولة.

لذلك لا ينبغي أن يكون اهتمامنا قائمًا كله على انتظار طلب رسمي.

أحيانًا يكفي أن نقول:

«مررت في بالي، كيف أنت؟»

أو:

«أعرف أن هذا الأسبوع صعب عليك، هل تريد أن نتحدث؟»

أو أن نقدم مساعدة محددة بدل العبارة العامة:

«سأكون قرب منزلك غدًا، هل أحضر لك شيئًا؟»

فالمساعدة المحددة أسهل في القبول من عبارة واسعة مثل «اطلب أي شيء».

---

ومع ذلك، يجب أن نتذكر أننا لن نستطيع الاهتمام بالجميع بالدرجة نفسها.

وهذا ليس فشلًا أخلاقيًا.

لدينا طاقة محدودة.

وعلاقات بدرجات مختلفة.

ومسؤوليات لا يمكن تجاهلها.

ليس المطلوب أن نحمل أحزان العالم كله.

بل أن نكون أكثر صدقًا في دوائرنا القريبة.

أن يكون عدد الأشخاص الذين نهتم بهم أقل، لكن اهتمامنا بهم حقيقي.

فالعلاقة التي تقوم على مئة تفاعل سطحي قد لا تمنح الإنسان الطمأنينة التي تمنحها علاقة واحدة يعرف فيها أن هناك من سيتذكر موعده، ويلاحظ غيابه، ويسأل عنه مرة ثانية.

---

بعد أشهر، كانت سلوى تجلس في المخبز نفسه الذي وقفت أمامه يوم قالت لها المرأة العابرة: «اشتقنا لك».

رأت تلك المرأة تدخل.

كانت تحمل ملفات كثيرة، وتبدو متعبة.

ابتسمت سلوى وسلمت عليها.

ردت المرأة:

«أهلًا، كيف حالك؟»

كادت سلوى أن تقول كعادتها:

«بخير الحمد لله».

ثم لاحظت شحوب وجه المرأة.

سألتها:

«وأنتِ؟ تبدين مرهقة».

توقفت المرأة.

قالت:

«والدي دخل المستشفى أمس، وأنا ذاهبة الآن لإنهاء بعض أوراقه».

كانت تستطيع سلوى أن تقول «سلامته» وتنتهي المحادثة.

لكنها سألت عن المستشفى، وعرفت أن المرأة ستقضي اليوم وحدها بين الأقسام.

قالت لها:

«أنا متفرغة بعد الظهر. إذا احتجت أن أوصل لك شيئًا أو أبقى مع والدك قليلًا حتى تنهي أوراقك، اتصلي بي».

نظرت المرأة إليها بدهشة.

ثم قالت:

«شكرًا. ربما أحتاج فعلًا إلى من يبقى معه ساعة».

في ذلك المساء، ذهبت سلوى إلى المستشفى.

لم تكن المرأة من أقرب صديقاتها.

لكن الظروف جعلتها قادرة على تقديم مساعدة محددة في وقت مناسب.

جلست قرب الرجل المسن، وتحدثت معه عن الطقس والمخبز القديم في الحي، حتى عادت ابنته.

حين غادرت، فكرت في المفارقة.

قبل أشهر، شعرت هي نفسها أن الناس يمرون قرب تعبها دون أن يتوقفوا.

واليوم، أصبحت أكثر انتباهًا إلى تعب شخص آخر.

ربما لا تجعلنا التجارب دائمًا أكثر حكمة.

لكنها تمنحنا فرصة لذلك، إذا انتبهنا إلى ما علمتنا إياه.

---

ليس الاهتمام موهبة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون.

جزء كبير منه عادة يمكن تعلمها.

أن نتذكر.

أن نسأل.

أن نصغي.

أن نلاحظ التغير.

وأن نقاوم رغبتنا الدائمة في إعادة الحديث إلى أنفسنا.

فكم مرة يبدأ شخص بحكاية عن ألمه، فنقاطعه بقصة مشابهة حدثت لنا؟

نعتقد أننا نواسيه بقول:

«أنا أيضًا مررت بهذا».

وقد يكون ذلك مفيدًا أحيانًا.

لكن أحيانًا أخرى، يحتاج الإنسان إلى أن تبقى قصته هي القصة لبضع دقائق.

إلى أن ننصت دون منافسة.

دون نصيحة سريعة.

ودون محاولة لإثبات أننا نفهم كل شيء.

يكفي أحيانًا أن نقول:

«هذا يبدو صعبًا».

ثم نصمت.

---

والاهتمام يظهر كذلك في التفاصيل السعيدة.

ليس فقط في المرض والفقد والخوف.

أن تتذكر امتحان شخص وتحاول معرفة نتيجته.

أن تسأل صديقًا عن مشروع كان متحمسًا له.

أن تلاحظ أن شخصًا نجح في شيء صغير لم يلتفت إليه الآخرون.

أن تشارك إنسانًا فرحته دون أن تحول الحديث إلى مقارنة.

فبعض الناس يجدون من يقف معهم في الأزمات، لكنهم لا يجدون من يفرح لهم بلا غيرة.

والفرح الصادق شكل من أشكال الاهتمام أيضًا.

---

في نهاية السنة، جلست سلوى مع أمل في مقهى صغير.

كانت ناهد قد أنهت مرحلة علاجها الأساسية، وعادت تدريجيًا إلى نشاطها.

قالت سلوى لصديقتها:

«تعرفين ما أكثر شيء أتذكره من تلك الفترة؟»

سألتها أمل:

«ماذا؟»

قالت:

«اتصالك بعد الفحص».

ضحكت أمل.

«لم أفعل شيئًا».

أجابت سلوى:

«بالنسبة إليّ فعلتِ».

وهذه إحدى الحقائق التي لا ننتبه إليها إلا بعد مرور الوقت.

الأشياء التي تبقى في ذاكرة الناس ليست دائمًا أكبر الأشياء.

قد ينسون هدية ثمينة، ويتذكرون رسالة وصلت في وقتها.

قد ينسون نصيحة طويلة، ويتذكرون شخصًا جلس معهم دون استعجال.

قد لا يتذكرون كل الكلمات، لكنهم يتذكرون شعورهم عندما أدركوا أن أحدًا لم يمر فوق ألمهم بسرعة.

فالاهتمام الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور.

ولا يظهر دائمًا في الصور.

ولا يعرف الآخرون عنه شيئًا في معظم الأحيان.

إنه يحدث في المكالمات التي لا ننشرها.

وفي الزيارات التي لا نصورها.

وفي الأسئلة التي لا يسمعها إلا شخص واحد.

ولهذا ربما أصبح يبدو نادرًا.

لأن كثيرًا من الأشياء التي نراها حولنا هي مظاهر التواصل، أما الاهتمام نفسه فيعيش غالبًا بعيدًا عن الأنظار.

---

نحن لا نحتاج إلى المزيد من الأشخاص الذين يعرفون أخبارنا فقط.

نحتاج إلى من يعرف متى تغير صوتنا.

ومن يتذكر أن اليوم كان مهمًا لنا.

ومن يفهم أن عبارة «أنا بخير» لا تعني دائمًا انتهاء السؤال.

ومن يحترم صمتنا حين لا نريد الكلام، لكنه لا يختفي لمجرد أننا لم نشرح كل شيء.

وفي المقابل، يحتاج الآخرون منا الشيء نفسه.

فالاهتمام ليس حقًا نطالب به فقط.

إنه مسؤولية صغيرة نمارسها تجاه من نحب.

ولا يمكننا أن نشكو من برود العالم إذا كنا نمر نحن أيضًا قرب الناس دون أن نلتفت.

ربما لا نستطيع إصلاح وحدتهم.

ولا تخفيف كل أعبائهم.

ولا أن نكون موجودين في كل لحظة.

لكننا نستطيع أن نكون أكثر انتباهًا.

وأن نعني السؤال حين نسأل.

وأن نعود إلى من قال لنا إنه يمر بيوم صعب.

وأن نتذكر أن خلف كل حساب ورسالة وصورة إنسانًا يعيش حياة كاملة لا تظهر لنا منها إلا أجزاء قليلة.

فالاهتمام لا يُقاس بكثرة ما نقول.

بل بقدرتنا على ألا ننسى الإنسان بعد أن تنتهي المحادثة.

وفي زمن أصبح فيه الوصول إلى الناس سهلًا، قد تكون أجمل هدية نقدمها لهم شيئًا أبسط بكثير:

أن يشعروا بأننا لم نمر عليهم مرورًا عابرًا.

للتوثيق: «الاهتمام أصبح نادرًا» — يتناول الفرق بين كثرة التواصل والحضور الإنساني الحقيقي، وكيف يظهر الاهتمام في التذكر والإنصات ومتابعة التفاصيل واحترام الحدود، لا في عدد الرسائل وحدها.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً