الرجوع إلى مقالاتمقالات

العمل يسرق العمر

على شاشة المطبخ ظهرت قائمة تضم ثلاثمئة واثنتي عشرة وجبة غداء، موزعة بين المرضى والموظفين المناوبين في المستشفى. كانت هديل تراجع الأعداد للمرة الثالثة، بينما يتصاعد البخار من القدور الكبيرة، وتتحرك العربات المعدنية بين الطاولات، ويختلط صوت الأطباق بصفير أجهزة التسخين.

عند الساعة الحادية عشرة والنصف، سألتها إحدى العاملات إن كانت قد تناولت إفطارها.

رفعت هديل رأسها، وحاولت التذكر.

كانت قد شربت نصف كوب من القهوة قبل السادسة صباحًا، ثم تركته قرب نافذة المكتب عندما استدعاها أحد الطهاة بسبب عطل في جهاز التبريد.

قالت مبتسمة:

«سآكل بعد أن تنتهي الوجبات».

لم تكن تلك المرة الأولى التي تقول فيها العبارة.

في الحقيقة، كانت تقولها منذ سنوات، مع اختلاف بسيط في الكلمات.

سأرتاح بعد انتهاء المناوبة.

سأزور أمي بعد انتهاء الأسبوع.

سأقضي وقتًا مع ابني عندما يخف ضغط العمل.

سأعود إلى المشي صباحًا بعد أن ننجز التحديثات الجديدة.

كانت تؤجل الأشياء الصغيرة إلى وقت تتخيل أنه سيأتي حين تنتهي المسؤوليات.

لكن المسؤوليات لم تكن تنتهي.

كانت تتغير أسماؤها، وتتبدل مواعيدها، وتأتي واحدة منها قبل أن تغادر الأخرى.

وفي كل مرة، كانت هديل تؤجل شيئًا من حياتها، وهي مقتنعة بأن التأجيل مؤقت.

بلغت هديل السابعة والأربعين من عمرها، وعملت في مطابخ المؤسسات الصحية أكثر من عشرين عامًا. بدأت مساعدة طاهية، ثم أصبحت مسؤولة عن تجهيز الوجبات، وبعد سنوات من الاجتهاد والتدريب تولت الإشراف على مطبخ مستشفى كبير.

كانت تحب مهنتها.

لم تدخلها مصادفة، ولم تستمر فيها لمجرد الحصول على راتب.

كانت ترى في إعداد الطعام للمرضى مسؤولية إنسانية لا تقل أهمية عن الالتزام بالمواعيد أو معايير النظافة.

تعرف أن بعض المرضى لا يستطيعون تناول وجبات عادية، وأن آخرين يحتاجون إلى نظام غذائي دقيق، وأن أي خطأ في توزيع الوجبات قد يسبب مشكلة حقيقية.

ولهذا كانت تدقق في التفاصيل.

تراجع القوائم، وتتابع درجات الحرارة، وتسأل عن المواد الناقصة، وتساعد العاملات الجديدات، وتتدخل حين يتأخر أحد الأقسام.

كانت الإدارة تثق بها.

وكان الموظفون يلجؤون إليها عندما تواجههم مشكلة.

وإذا غابت عاملة، تولت هديل جزءًا من مهامها.

وإذا تأخرت شحنة، بقيت حتى تصل.

وإذا تعطل جهاز، تابعت الإصلاح ولو انتهت مناوبتها.

كان الجميع يقولون إنها لا تقصر في عملها.

وكانت تشعر بالفخر كلما سمعت ذلك.

لكن أحدًا لم يكن يسألها عن الأشياء التي تقصر فيها خارج العمل، ولا عن الثمن الذي تدفعه حتى تبقى دائمًا تلك الموظفة التي يمكن الاعتماد عليها.

كانت تعيش مع ابنها سيف، البالغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، في شقة متوسطة المساحة على بعد نصف ساعة من المستشفى.

أما والدتها وجدان، فكانت تسكن في حي آخر، وتعيش وحدها منذ وفاة زوجها.

لم تكن الأسرة كثيرة المطالب.

كان سيف يدرس في معهد تقني ويعمل بعض الساعات في ورشة لصيانة الدراجات، وكانت وجدان امرأة مستقلة تحب الاعتناء بنباتاتها، ولا تطلب المساعدة إلا عند الحاجة.

لكن هديل كانت تتعامل مع استقلالهما كأنه دليل على أنهما لا يحتاجان إلى حضورها كثيرًا.

إذا عادت متأخرة، وجدت سيف قد أعد طعامه.

وإذا لم تتمكن من زيارة والدتها، وجدتها قد رتبت شؤونها بنفسها.

وإذا اعتذرت عن مناسبة عائلية، تفهم الجميع انشغالها.

ومع الوقت، أصبح تفهم الآخرين جزءًا من المشكلة.

فكلما اعتذروا لها عن غيابها، شعرت بأنها تستطيع الغياب مرة أخرى.

ولم تنتبه إلى أن الأشخاص الذين يحبوننا قد يتوقفون عن مطالبتنا بالحضور، ليس لأنهم لم يعودوا يحتاجون إلينا، بل لأنهم تعبوا من انتظار موعد لا يأتي.

في مساء أحد الأيام، عادت هديل إلى المنزل بعد مناوبة امتدت اثنتي عشرة ساعة.

وجدت سيف في المطبخ، يقطع الخضراوات ويستمع إلى برنامج إذاعي من هاتفه.

كانت رائحة الثوم والزيت تملأ المكان.

قالت وهي تضع حقيبتها:

«ما شاء الله، أصبحت تطبخ أفضل مني».

ضحك سيف.

«لا تبالغي. ما زلت أحرق الأرز أحيانًا».

اقتربت من القدر، وسألته عما يعده.

أخبرها أنه تعلم وصفة جديدة من زميله في الورشة.

ثم سألها إن كانت ستتناول العشاء معه.

نظرت إلى الساعة.

كان عليها مراجعة جدول العاملين لليوم التالي، لأن اثنتين من الموظفات طلبتا تبديل مناوبتيهما.

قالت:

«أعطني نصف ساعة فقط».

أومأ سيف، ثم أكمل إعداد الطعام.

دخلت غرفتها وفتحت الحاسوب.

وصلتها رسالة من قسم المشتريات، ثم اتصال بشأن شحنة، ثم تذكرت تقريرًا كان ينبغي إرساله قبل نهاية اليوم.

حين خرجت من الغرفة، كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة.

وجدت طبقًا مغطى على الطاولة.

أما سيف فقد ذهب إلى النوم.

رفعت الغطاء، ورأت الطعام الذي أعده.

كان لا يزال دافئًا قليلًا.

جلست وحدها، وتناولت بضع لقيمات.

لم يكن المشهد مأساويًا.

لم يحدث شجار.

ولم يوجه إليها أحد اتهامًا.

لكنها شعرت بشيء لم تستطع تسميته.

كان ابنها قد طلب منها نصف ساعة من الوقت، فأعطته وعدًا، ثم منحته غيابًا آخر.

في اليوم التالي، استيقظت مبكرًا كعادتها.

وجدت ورقة صغيرة على الثلاجة كتب عليها سيف قائمة بالمشتريات التي يحتاج إليها المنزل.

وفي أسفلها أضاف:

«لا تنسي أن تأكلي شيئًا قبل العمل».

ابتسمت.

ثم شعرت بحزن خفيف.

كان ابنها الذي اعتادت تذكيره بالطعام والنوم أصبح يذكرها هي بهما.

لم يكن ذلك خطأ.

فالأبناء يكبرون، وتتغير أدوارهم داخل الأسرة.

لكنها أدركت أنها لم تنتبه جيدًا إلى المراحل التي عبرها سيف خلال السنوات الأخيرة.

لم تعرف متى أصبح يفضل القهوة دون سكر.

ولا متى توقف عن متابعة الرياضة التي كان يحبها في المدرسة.

ولا كيف تعلم إصلاح المحركات الصغيرة.

كانت تعرف مواعيد امتحاناته الكبرى، لكنها لا تعرف أسماء معظم أصدقائه.

تعرف أنه يعمل في ورشة، لكنها لم تزره فيها قط.

وكانت كلما حاولت تذكر آخر حديث طويل جمعهما، وجدت نفسها تعود إلى أشهر مضت.

لم تكن أمًا لا تحب ابنها.

كانت تحبه كثيرًا، وتعمل جزئيًا لتوفر له حياة مستقرة.

لكن الحب الذي يتحول كله إلى جهد من أجل الآخرين، دون أن يجد وقتًا للوجود معهم، قد يترك فراغًا لا يستطيع المال وحده ملأه.

في المستشفى، كانت هديل تبدأ يومها قبل معظم العاملين.

تراجع سجلات التبريد، وتتأكد من وصول المواد، وتتابع توزيع المهام.

وكانت تحب لحظة انتظام العمل.

حين تتحرك العربات في مواعيدها، ويعرف كل موظف ما عليه فعله، وتخرج الوجبات دون تأخير.

كان النظام يمنحها شعورًا بالإنجاز.

لكنها كانت أقل قدرة على تنظيم وقتها الشخصي.

في العمل، تعرف بدقة متى ينبغي الانتهاء من كل مهمة.

أما في حياتها، فلم يكن هناك موعد محدد للراحة.

كانت الراحة شيئًا يحدث إذا بقي وقت.

وغالبًا لا يبقى.

وهنا تكمن إحدى المفارقات التي يعيشها كثير من الناس.

قد ينجح الإنسان في إدارة مشروع كبير، ويعجز عن تخصيص ساعة لنفسه.

وقد يعرف كيف يحافظ على مواعيد الآخرين، بينما يتعامل مع مواعيده الشخصية باعتبارها قابلة للإلغاء دائمًا.

وقد يكون شديد الانضباط في عمله، لكنه يترك حياته خارج العمل تسير وفق ما يتبقى من طاقته.

ليس لأن حياته أقل أهمية.

بل لأنه اعتاد أن يرى التزاماته المهنية واضحة وعاجلة، بينما تبدو حاجاته الإنسانية قابلة للتأجيل.

فالعمل يرسل تنبيهات.

وله جداول ومشرفون ومواعيد تسليم.

أما العلاقات، فقد تتألم بصمت.

والصحة قد تتراجع تدريجيًا.

والهوايات لا تتصل لتسأل لماذا غبنا عنها.

والسنوات لا ترسل إشعارًا تخبرنا بأن جزءًا منها قد مضى دون أن نعيشه كما أردنا.

في إحدى المناوبات، لاحظت هديل أن مرام، وهي عاملة شابة انضمت إلى الفريق قبل أشهر، تستعد للمغادرة عند انتهاء وقتها المحدد.

كانت قد أنجزت مهامها، وسلمت الملاحظات إلى زميلتها.

لكن المطبخ كان لا يزال مزدحمًا.

قالت هديل:

«هل تستطيعين البقاء ساعة إضافية؟ لدينا عمل كثير».

ترددت مرام.

«أعتذر، لدي موعد مهم اليوم».

سألتها هديل:

«هل يمكن تأجيله؟»

أجابت:

«إنه موعد حفل تخرج أختي. وعدتها أن أكون معها».

شعرت هديل بانزعاج سريع.

فكرت في حجم العمل، وفي الموظفين الذين سيضطرون إلى تعويض غياب مرام.

ثم قالت:

«حسنًا، اذهبي».

شكرتها مرام وغادرت.

بقيت هديل تفكر في الموقف.

في البداية، شعرت بأن الموظفة الشابة لا تدرك حجم المسؤولية.

ثم تذكرت أنها أنهت مهامها فعلًا، وأن طلب البقاء جاء في اللحظة الأخيرة، وأن المشكلة الأساسية لم تكن في موعد أختها، بل في نقص عدد العاملين في تلك المناوبة.

سألت نفسها سؤالًا لم تعتد طرحه:

لماذا اعتبرت حضور مرام حفل تخرج أختها أمرًا أقل أهمية من ساعة إضافية في المطبخ؟

كانت قد تعلمت، خلال سنوات العمل الطويلة، أن الموظف الجيد هو الذي يبقى حين يحتاج إليه المكان.

لكنها بدأت تتساءل إن كان هذا التعريف عادلًا دائمًا.

فالمؤسسات تحتاج إلى الالتزام، والعمل يحتاج إلى مسؤولية، لكن استمرار التشغيل لا ينبغي أن يعتمد بصورة دائمة على تنازل الموظفين عن أوقاتهم الشخصية.

قد تحدث حالات طارئة تستدعي جهدًا إضافيًا.

وقد يختار الإنسان العمل ساعات أطول لتحقيق هدف محدد.

لكن حين تصبح الاستثناءات نظامًا ثابتًا، يتحول الاستعداد للمساعدة إلى توقع لا ينتهي.

ويصبح الموظف الذي يغادر في موعده كأنه مقصر، حتى لو أدى عمله كاملًا.

أما الذي يبقى دائمًا، فقد يُكافأ بمزيد من الأعباء بدلًا من أن يحصل على الدعم الذي يحتاج إليه.

كانت هديل تعرف هذه التجربة جيدًا.

كلما أثبتت قدرتها على إنجاز مهمة، أضيفت إليها مهمة أخرى.

وكلما نجحت في معالجة نقص العاملين، أصبح ذلك النقص أقل إلحاحًا في نظر الإدارة.

كانت قدرتها على تحمل الضغط تخفي حجم المشكلة بدلًا من أن تساعد على حلها.

ومع الوقت، أصبحت تشعر أن المطبخ لا يستطيع العمل دون وجودها.

لكنها لم تكن متأكدة إن كان ذلك صحيحًا، أم أنه نتيجة سنوات لم تمنح فيها الآخرين فرصة كافية لتحمل المسؤولية.

بعد أسبوع، اتصلت بها والدتها ظهر الجمعة.

كانت هديل تستعد للذهاب إلى المستشفى رغم أن ذلك اليوم لم يكن ضمن جدول مناوباتها.

سألتها وجدان:

«هل ستأتين غدًا؟»

قالت:

«سأحاول يا أمي».

سكتت والدتها قليلًا.

ثم سألتها:

«هل تعرفين منذ متى وأنت تقولين سأحاول؟»

ابتسمت هديل محاولة تخفيف الحديث.

«أعرف أنك غاضبة مني».

أجابتها وجدان:

«لست غاضبة. لكنني لم أعد أعرف متى أراك».

قالت هديل إنها تمر بفترة مزدحمة.

فردت والدتها:

«كل فتراتك مزدحمة. أخشى أن تنتظري يومًا فارغًا حتى تكتشفي أن السنوات امتلأت وانتهت».

لم ترفع وجدان صوتها.

ولم تطلب من ابنتها ترك العمل.

كانت تعرف جيدًا قيمة الراتب، ومعنى الالتزامات، وصعوبة الحياة حين لا يكون الدخل مضمونًا.

لكنها كانت ترى ما لا تراه هديل.

ترى التعب في وجهها.

وتسمع الإرهاق في صوتها.

وتلاحظ أنها حين تزورها تنظر إلى هاتفها أكثر مما تنظر إلى الوجوه.

قالت قبل إنهاء المكالمة:

«أريد أن أراك وأنت مرتاحة، لا أن تأتي لتجلسي عندي وجسدك هنا وعقلك في المستشفى».

انتهى الاتصال.

وبقيت هديل تحمل الهاتف في يدها.

لم تكن العبارة جديدة في معناها، لكنها جاءت في وقت كانت فيه مستعدة لسماعها.

في تلك الليلة، فتحت صندوقًا صغيرًا تحت سريرها.

كانت تحتفظ فيه بأشياء قديمة: بطاقات تهنئة، وصور عائلية، وتذاكر سفر، ودفتر وصفات كتبته في بداية حياتها المهنية.

وجدت بين الأوراق صورة التُقطت قبل خمسة عشر عامًا.

كانت تقف في حديقة عامة، ترتدي ملابس رياضية، وتحمل زجاجة ماء، بينما يقف سيف الصغير إلى جانبها ممسكًا بطائرة ورقية.

تذكرت ذلك اليوم.

كانا قد أمضيا ساعات في الحديقة، يحاولان إطلاق الطائرة رغم الرياح المتقلبة.

ضحكا كثيرًا.

وعادا إلى المنزل متعبين وسعيدين.

نظرت إلى الصورة، ثم حاولت تذكر آخر مرة ذهبت فيها إلى حديقة دون أن تكون في طريقها إلى مكان آخر.

لم تستطع.

أدركت أنها لم تفقد هواية المشي لأنها لم تعد تحبها.

بل لأنها استمرت في تأجيلها حتى خرجت من حياتها دون أن تشعر.

وهذا ما يفعله الانشغال الطويل أحيانًا.

لا يأخذ منا الأشياء دفعة واحدة.

بل يجعلنا نتنازل عنها بالتدريج.

نلغي نزهة.

ثم نؤجل زيارة.

ثم نتوقف عن ممارسة هواية.

ثم نعتذر عن مناسبة.

ثم نكتشف أن الأيام أصبحت متشابهة إلى درجة يصعب معها تذكر ما عشناه خارج العمل.

قد نحقق إنجازات حقيقية خلال تلك السنوات.

وقد نترقى ونكتسب خبرة ونوفر لأسرنا احتياجات مهمة.

لكن الإنجاز لا يلغي السؤال عن الثمن.

فليس كل ما يمكننا تحمله ينبغي أن نتحمله إلى ما لا نهاية.

وليس كل نجاح مهني دليلًا على أن حياتنا تسير في الاتجاه الذي نريده.

أحيانًا ننجح في الوصول إلى موقع سعينا إليه طويلًا، ثم نكتشف أن المحافظة عليه تستهلك معظم الوقت الذي كنا نتمنى الاستمتاع به.

وقد نؤجل الحياة إلى ما بعد الترقية، ثم نحتاج إلى ترقية أخرى.

أو إلى ما بعد انتهاء المشروع، ثم يبدأ مشروع جديد.

أو إلى ما بعد استقرار الظروف، بينما لا توجد مرحلة تخلو تمامًا من المسؤوليات.

وهكذا يصبح المستقبل مكانًا نضع فيه كل ما نحب، دون أن نحدد موعدًا حقيقيًا للوصول إليه.

في صباح الاثنين، دخلت هديل مكتب مدير الخدمات المساندة في المستشفى.

كان اسمه كمال، رجلًا عمليًا في منتصف الخمسينيات، يعرفها منذ سنوات ويقدر عملها.

وضعت أمامه سجل المناوبات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

قالت:

«أريد أن نراجع طريقة توزيع العمل».

نظر إلى الأوراق.

«هل توجد مشكلة جديدة؟»

أجابت:

«ليست جديدة. لكنها أصبحت مستمرة».

شرحت له عدد الساعات الإضافية التي عملها الفريق، وحالات النقص المتكررة، والمهام التي تتوقف على وجودها شخصيًا.

قال كمال:

«أنت تعرفين صعوبة توفير موظفين إضافيين في الوقت الحالي».

أجابته:

«أعرف. لكننا نعالج النقص كل مرة بالطريقة نفسها، ثم نتفاجأ عندما يتكرر».

ناقشا إمكانية تدريب موظفتين على بعض المهام الإشرافية، وتحسين جدول المناوبات، وتوثيق إجراءات التعامل مع المشكلات المعتادة بدلًا من الاتصال بها في كل مرة.

لم يكن كمال قادرًا على الموافقة فورًا على جميع المقترحات.

وكانت هناك قيود تتعلق بالميزانية وعدد العاملين ومتطلبات التشغيل.

لكنه وافق على تجربة توزيع بعض المسؤوليات بصورة مختلفة، ومراجعة نتائجها بعد شهر.

خرجت هديل من المكتب دون شعور بانتصار كبير.

كانت تعرف أن التغيير سيكون بطيئًا.

لكنها شعرت بأنها فعلت شيئًا لم تفعله منذ وقت طويل.

بدلًا من محاولة تحمل المشكلة وحدها، بدأت تتحدث عن أسبابها.

فالاجتهاد لا يعني الصمت عن خلل مستمر.

والمسؤولية لا تعني أن يصبح الإنسان الحل الدائم لكل نقص.

بل قد تتطلب المسؤولية أحيانًا الاعتراف بأن طريقة العمل نفسها تحتاج إلى إصلاح.

خلال الأسابيع التالية، بدأت هديل تدريب اثنتين من زميلاتها على متابعة بعض الإجراءات التي كانت تحتفظ بها لنفسها.

واجهت صعوبة في البداية.

كانت معتادة على إنجاز الأمور بطريقتها، وتجد أن شرح المهمة قد يستغرق وقتًا أطول من تنفيذها بنفسها.

لكنها أدركت أن هذا التفكير هو أحد أسباب استمرار اعتماد الجميع عليها.

فإذا كانت تنجز كل شيء لأنها الأسرع، فلن يحصل الآخرون على فرصة للتعلم.

وإذا كانت تصحح كل تفصيل بنفسها، فلن يتطور الفريق بما يكفي للعمل دون تدخلها المستمر.

بدأت تتقبل أن بعض المهام يمكن أن تُنجز بطريقة مختلفة دون أن تكون خاطئة.

وتعلمت أن تسأل قبل التدخل: هل هذه مشكلة تتطلب وجودي فعلًا، أم أن الشخص المسؤول يستطيع معالجتها إذا منحته الوقت والثقة؟

لم تنجح كل المحاولات.

حدثت أخطاء في توزيع المهام، وتأخرت بعض الإجراءات، واضطرت هديل إلى التدخل أكثر من مرة.

لكن الفريق بدأ تدريجيًا يكتسب قدرة أكبر على التعامل مع المشكلات المعتادة.

وفي إحدى الأمسيات، تلقت اتصالًا من المطبخ بعد انتهاء مناوبتها.

كانت هناك مشكلة بسيطة في ترتيب إحدى الشحنات.

استمعت إلى التفاصيل، ثم سألت الموظفة إن كانت قد راجعت الإجراء المكتوب.

أجابتها بأنها فعلت، وأنها تعرف الخطوة التالية، لكنها أرادت التأكد.

قالت هديل:

«إذن نفذيها، وسجلي ما حدث في التقرير. لا تحتاجين إلى انتظاري».

أنهت المكالمة.

ثم جلست تنظر إلى الهاتف.

كانت هذه المرة الأولى منذ أشهر التي تسمح فيها لمشكلة صغيرة بأن تُحل دون أن تصبح مسؤولة عنها حتى النهاية.

لم يكن ذلك إهمالًا.

كان اعترافًا بأن المسؤولية يمكن أن تكون مشتركة.

وفي مساء الخميس، عادت إلى المنزل قبل موعد العشاء.

وجدت سيف يستعد للخروج.

سألته:

«إلى أين أنت ذاهب؟»

قال:

«إلى الورشة. لدينا دراجة قديمة نحاول إصلاحها قبل نهاية الأسبوع».

سألته إن كان يستطيع تأجيل خروجه قليلًا لتتناولا الطعام معًا.

ابتسم باستغراب.

«أنت في المنزل مبكرًا اليوم؟»

أجابت:

«نعم، وأريد أن أستغل الفرصة».

نظر إلى الساعة.

«لدي وقت لنصف ساعة».

دخلت المطبخ وأعدت وجبة بسيطة.

جلسا إلى الطاولة.

بدأت تسأله عن الدراجة التي يعمل عليها، فأخرج هاتفه وأراها صورًا لهيكل قديم كان يعيد ترميمه مع زميله.

شرح لها كيف يبحثان عن قطع مناسبة، وكيف يحاولان إصلاح نظام المكابح.

كانت هديل تستمع باهتمام.

لم تفهم كل المصطلحات، لكنها استمتعت بحماسه وهو يشرح.

قالت:

«لم أكن أعرف أنك أصبحت تحب هذا العمل إلى هذه الدرجة».

أجاب:

«منذ فترة طويلة يا أمي».

لم يقلها معاتبًا.

لكنها شعرت بما تحمله العبارة من سنوات فاتتها.

ثم سألها:

«هل ستبقين في المنزل غدًا أيضًا؟»

أجابت:

«غدًا لدي مناوبة، لكن السبت إجازتي».

نظر إليها مبتسمًا.

«إجازة حقيقية، أم سيطلبونك في منتصف اليوم؟»

ترددت.

ثم قالت:

«سأحاول أن تكون حقيقية».

ضحك سيف.

«هذه العبارة لا تطمئنني».

ضحكت معه.

ثم قالت:

«إذن سأقول إنني رتبت العمل حتى لا أحتاج إلى الذهاب».

لم تكن تضمن ألا يحدث طارئ.

لكنها كانت تعرف أن وجود احتمال للطوارئ لا يعني أن تعيش كل ساعة وكأن الطارئ قد وقع بالفعل.

وفي السبت، زارت والدتها.

لم تحمل الحاسوب.

ولم تفتح البريد المهني.

وضعت هاتفها في حقيبتها، وجلست مع وجدان في الشرفة الصغيرة المطلة على أشجار الحي.

كانت والدتها تعتني بأصص النعناع والريحان.

أحضرت مقصًا صغيرًا، وبدأت تقص الأوراق الجافة.

سألتها هديل عن إحدى النبتات التي لم ترها من قبل.

قالت وجدان:

«هذه زرعتها منذ الربيع. كنت أريد أن أريك كيف كبرت».

اقتربت هديل من الأصيص.

كانت النبتة قد امتدت على جانب النافذة، وظهرت فيها أوراق جديدة.

قالت:

«جميلة جدًا».

أجابتها والدتها:

«كانت صغيرة حين بدأت. كل أسبوع تغيرت قليلًا، حتى أصبحت هكذا».

ثم نظرت إلى ابنتها وأضافت:

«أحيانًا لا نلاحظ كم مر من الوقت إلا عندما ننظر إلى شيء كبر أمامنا».

لم تعلق هديل.

كانت تنظر إلى النبتة، وتفكر في ابنها، وفي وجه والدتها الذي ظهرت عليه خطوط جديدة، وفي السنوات التي كانت تمر بينما هي منشغلة بإتمام يوم آخر من العمل.

لم تكن تندم على مهنتها.

فقد صنعت فيها شيئًا يستحق الفخر.

ساعدت زملاء، ودربت عاملين، وأسهمت في تقديم خدمة ضرورية لمرضى كثيرين.

لكنها بدأت تميز بين حب العمل والسماح له بابتلاع كل ما عداه.

فالعمل قد يمنح الإنسان كرامة واستقلالًا ومعنى.

وقد يكون مصدرًا للثقة بالنفس، وفرصة للتعلم، وطريقًا لتأمين حياة أفضل.

ولا يصح تصويره بوصفه عبئًا ينبغي الهروب منه دائمًا.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح العمل المقياس الوحيد لقيمة الإنسان.

حين يشعر أنه لا يستحق الراحة إلا بعد إنجاز كل شيء.

وحين يربط احترامه لنفسه بقدرته على تحمل المزيد.

وحين يظن أن رفض مهمة إضافية سيجعله أقل إخلاصًا.

وحين تصبح حياته الشخصية مجرد فراغ بين مناوبتين.

عندها لا يكون العمل جزءًا من الحياة، بل تصبح الحياة هي الجزء الذي يتبقى بعد العمل.

وليس الجميع قادرين على تغيير هذا الوضع بالسهولة نفسها.

فهناك من يعمل ساعات طويلة لأنه يحتاج إلى دخل إضافي لتغطية الأساسيات.

وهناك من يخشى فقدان وظيفته إذا رفض ساعات إضافية.

وهناك من يعمل في مهن لا تسمح بالمرونة، أو في مؤسسات تعاني نقصًا مستمرًا في العاملين.

وهناك من يتحمل مسؤوليات منزلية ورعائية بعد انتهاء دوامه، فلا يجد وقتًا للراحة حتى حين يغادر مكان العمل.

ولهذا لا يكفي أن نقول للناس إن عليهم تنظيم أوقاتهم.

فبعض المشكلات لا تُحل بتطبيق على الهاتف أو جدول ملون.

قد تحتاج إلى أجور عادلة، وعدد كافٍ من الموظفين، وتنظيم أفضل للمناوبات، واحترام أوقات الراحة، وتوزيع أكثر إنصافًا للمسؤوليات.

وقد يحتاج الفرد إلى دعم من أسرته أو زملائه، أو إلى مراجعة الخيارات المتاحة له وفق ظروفه الفعلية.

فليس من العدل أن نحمّل الموظف وحده مسؤولية بيئة عمل تستنزفه.

كما ليس من الواقعية أن نطلب من إنسان يعجز دخله عن تغطية احتياجاته أن يتصرف وكأن تقليل ساعات العمل قرار بسيط.

لكن الاعتراف بهذه القيود لا يعني أن جميع جوانب الحياة أصبحت خارج قدرتنا.

قد توجد تغييرات صغيرة ممكنة.

أن نحدد وقتًا لا نتابع فيه الرسائل المهنية غير العاجلة.

أو نطلب توزيعًا أوضح للمهام.

أو نتوقف عن قبول التزامات إضافية لمجرد الخوف من خيبة توقعات الآخرين.

أو نخصص موعدًا ثابتًا لشخص نحبه، ونتعامل معه بالجدية نفسها التي نتعامل بها مع اجتماع مهم.

وقد لا نستطيع فعل كل ذلك.

لكن مجرد السؤال عما يمكن تغييره أفضل من الاستمرار في افتراض أن الوضع الحالي قدر لا يمكن مراجعته.

بعد شهر من بدء التعديلات، تحسن توزيع المناوبات في مطبخ المستشفى.

لم تختفِ ساعات العمل الإضافية، ولم تتوقف المشكلات المفاجئة.

لكن هديل لم تعد الشخص الوحيد الذي يتعامل معها.

وأصبح لديها وقت أكثر انتظامًا للراحة.

في البداية، لم تعرف كيف تستخدمه.

كانت تعود إلى المنزل مبكرًا، فتشعر بأن عليها إنجاز شيء.

تنظف خزانة.

ترتب أوراقًا.

تراجع قائمة مشتريات.

تبحث عن مهمة تؤكد لها أن الوقت لم يضع هباءً.

كانت قد اعتادت قياس اليوم بما أنجزته.

حتى الراحة أصبحت في ذهنها شيئًا ينبغي أن يكون مفيدًا.

إذا قرأت كتابًا، فكرت في عدد الصفحات.

وإذا خرجت للمشي، راقبت المسافة.

وإذا جلست دون عمل، شعرت بوخز خفيف من الذنب.

احتاجت إلى وقت لتتعلم أن بعض الساعات لا تحتاج إلى نتيجة ملموسة حتى تكون ذات قيمة.

أن الجلوس مع والدتها ليس مهمة يجب إتمامها.

وأن الحديث مع ابنها لا يحتاج إلى هدف.

وأن المشي في الحديقة لا ينبغي أن يتحول إلى اختبار جديد للإنجاز.

فالإنسان لا يعيش ليكون منتجًا في كل دقيقة.

هناك أوقات نحتاجها لنستعيد أنفسنا، لا لنضيف شيئًا إلى سجل أعمالنا.

وفي أحد الأيام، طلب منها سيف مرافقته إلى سوق لقطع الدراجات المستعملة.

كان السوق يقام صباح الأحد في ساحة واسعة قرب أطراف المدينة.

وافقت.

وصل الاثنان قبل التاسعة.

كانت الشمس مشرقة، والهواء باردًا، والبائعون يرتبون العجلات والمقاعد والمقودات فوق طاولات طويلة.

تحرك سيف بين الأكشاك بحماس.

كان يفحص القطع، ويسأل عن أسعارها، ويقارن حالتها بما يحتاج إليه في مشروعه.

أما هديل فكانت تسير بجواره، تحمل كوبًا من الشاي، وتستمع إلى حديثه.

لم يكن لديها عمل تؤديه.

ولا قائمة تراجعها.

ولا موعد تسليم تنتظره.

كانت هناك فقط لترافق ابنها.

وفي أحد الأكشاك، عثر سيف على قطعة كان يبحث عنها منذ أسابيع.

أمسكها، وفحصها بعناية، ثم التفت إليها مبتسمًا.

«وجدتها أخيرًا».

ابتسمت معه.

لم تكن تعرف قيمة القطعة التقنية، لكنها فهمت فرحته.

وفي طريق العودة، تحدثا طويلًا.

حكى لها عن خططه بعد التخرج، وعن رغبته في افتتاح ورشة صغيرة يومًا ما، وعن مخاوفه من أن يتحول حبه للإصلاح إلى عمل مرهق يفقده متعته.

استمعت إليه هديل، ثم قالت:

«أتمنى أن تحب عملك، لكن ألا تنسى نفسك بسببه».

نظر إليها لحظة.

ثم ابتسم.

«هل هذه نصيحة من خبرة؟»

ضحكت.

«من خبرة طويلة جدًا».

لم تكن تريد أن تمنعه من الاجتهاد.

كانت تعرف أن بناء مستقبل مهني يحتاج إلى صبر وتعب، وأن بعض المراحل تتطلب جهدًا استثنائيًا.

لكنها أرادت أن يفهم مبكرًا ما تعلمته هي متأخرة.

أن النجاح لا ينبغي أن يتحول إلى سباق لا نعرف أين ينتهي.

وأن قيمة الإنسان لا تختصر في وظيفته.

وأن المستقبل الذي يعمل من أجله يجب أن يتسع لحياته، لا أن يستهلكها كلها.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً