الرجوع إلى مقالاتمقالات

الأطفال يدفعون الثمن

على ظهر ورقة الواجب المدرسي، كتب آدم عنوانين لمنزلين مختلفين، ثم أمسك الممحاة وظل ينظر إليهما طويلًا.

كان المطلوب بسيطًا: أن يكتب التلميذ عنوان منزله ورقم هاتف أحد والديه، حتى تتمكن المدرسة من التواصل مع أسرته عند الحاجة.

لكن آدم، الذي لم يتجاوز العاشرة، لم يعرف أي العنوانين ينبغي أن يكتب.

منزل أمه الذي ينام فيه معظم الأسبوع، أم منزل أبيه الذي يقضي فيه بعض عطلات نهاية الأسبوع؟

أعاد قراءة التعليمات، ثم كتب عنوان أمه. وبعد لحظات محاه، خوفًا من أن يرى أبوه الورقة فيعتقد أنه لم يعد يعتبر منزله بيتًا له.

لم تكن هذه الحيرة جزءًا من الواجب المدرسي، لكنها أصبحت جزءًا من حياة الطفل منذ انفصال والديه قبل سبعة أشهر.

كان يحمل حقيبته بين منزلين، ويحتفظ بملابس في كل منهما، ويتعلم كيف يختار كلماته حتى لا يغضب أحدًا.

وفي كل مرة يسأله أحد والديه عن الآخر، كان يشعر أنه يقف أمام امتحان لا يعرف إجابته الصحيحة.

لم يكن آدم يفهم أسباب الخلاف الذي أنهى زواج والديه.

سمع كلمات عن المال، والاحترام، والمسؤولية، والتعب، والوعود التي لم تتحقق. لكنه لم يستطع ترتيبها في صورة واضحة.

كل ما فهمه أن شخصين يحبهما لم يعودا قادرين على الجلوس في غرفة واحدة دون توتر.

وأن عليه، بطريقة لم يطلبها أحد منه صراحة، أن يساعد في إبقاء المسافة بينهما آمنة.

كانت أمه دانية تعمل في مختبر طبي، وتعود إلى المنزل مرهقة في كثير من الأيام. وكان أبوه باسل يعمل في تجارة المعدات الكهربائية، ويقضي ساعات طويلة خارج البيت.

لم يكن أي منهما يعتقد أنه يؤذي ابنه.

كانا يحرصان على طعامه وملابسه ودراسته، ويسألان عن درجاته، ويشتريان له ما يحتاج إليه.

لكن كليهما كان ينسى أحيانًا أن الطفل لا يحتاج إلى الرعاية المادية وحدها.

يحتاج أيضًا إلى ألا يشعر أن محبته لأحد والديه خيانة للآخر.

في مساء أحد الأيام، عاد آدم من زيارة أبيه وهو يحمل لعبة تركيب جديدة.

رأتها أمه وسألته عن ثمنها.

قال إنه لا يعرف.

فأجابت بنبرة متعبة:
«أبوك يعرف يشتري ألعاب، بس المسؤوليات الثانية ما يتذكرها».

لم تقصد أن تجرح ابنها. كانت تتحدث من شعور حقيقي بالضغط المالي، ومن خلافات لم تُحل بعد.

لكن آدم نظر إلى اللعبة التي كان سعيدًا بها قبل دقائق، ثم أعادها إلى حقيبتها.

في تلك الليلة لم يفتحها.

شعر أن فرحته بشيء جاء من أبيه قد تسبب الحزن لأمه.

وفي الأسبوع التالي، حين زار أباه، سأله باسل إن كانت أمه قد اشترت له الحذاء الرياضي الذي وعدته به.

أخبره أنها لم تتمكن بعد.

فقال الأب:
«غريب، عندها فلوس لأشياء ثانية، بس أنت تنتظر».

لم يرد آدم.

كان قد تعلم أن الصمت أكثر أمانًا من الإجابة.

وهكذا بدأ الطفل يحمل أحكام الكبار عن بعضهم، دون أن يمتلك القدرة على فهمها أو مناقشتها.

وهذه إحدى أكثر صور الأذى العائلي خفاءً.

فالطفل لا يحتاج إلى أن يسمع شجارًا عنيفًا حتى يتأثر بالخلافات.

قد تكفيه جملة عابرة تقال أثناء الغضب.

أو نظرة استياء عندما يذكر اسم أحد والديه.

أو سؤال يحمل اتهامًا مستترًا.

أو صمت طويل يشعر خلاله أنه قال شيئًا غير مناسب.

ومع تكرار هذه التفاصيل، يبدأ بمراقبة مشاعر الكبار بدل الانشغال بمشاعره هو.

يصبح شديد الانتباه إلى نبرة الصوت.

يتردد قبل أن يروي ما حدث معه.

ويفكر في رد فعل المستمع قبل أن يقول الحقيقة.

قد يبدو هذا الطفل ناضجًا أكثر من عمره، لكنه في الواقع قد يكون قد تعلم الحذر مبكرًا.

وهناك فرق كبير بين النضج الذي يأتي من التعلم والتجربة، وبين الحذر الذي ينشأ من الخوف من إزعاج الآخرين.

فالأول يمنح الطفل ثقة أكبر بنفسه.

أما الثاني فقد يجعله يشعر أنه مسؤول عن استقرار مشاعر من يفترض أنهم مسؤولون عن استقراره.

في المدرسة، لاحظت المعلمة هناء تغيرًا في سلوك آدم.

لم يعد يشارك في الأنشطة الجماعية بالحماس نفسه، وأصبح يتردد في اتخاذ قرارات بسيطة.

حين تسأله عن اللون الذي يفضله، يجيب أحيانًا:
«أي لون تريدينه».

وحين يُطلب من الطلاب اختيار نشاط، ينتظر حتى يختار الآخرون.

لم يكن الأمر دليلًا قاطعًا على مشكلة نفسية، لكنه كان تغيرًا يستحق الانتباه.

فقد كان آدم سابقًا طفلًا كثير الأسئلة، يحب التجارب العلمية، ويجادل أصدقاءه بحماس حول الألعاب والرياضة.

أما الآن، فقد أصبح حريصًا على ألا يختلف مع أحد.

في أحد الدروس، طلبت المعلمة من الطلاب كتابة فقرة عن مكان يشعرون فيه بالأمان.

كتب بعضهم عن غرفهم، وكتب آخرون عن بيوت أجدادهم أو الحدائق التي يحبونها.

أما آدم فكتب عن مكتبة المدرسة.

قال إنها مكان هادئ، وإن الكتب لا تسأل أسئلة كثيرة.

قرأت المعلمة الفقرة مرتين.

لم تستنتج منها أن الطفل لا يحب والديه، لكنها أدركت أن وراء الكلمات شعورًا يحتاج إلى مساحة آمنة للتعبير.

تحدثت معه بهدوء، دون أن تضغط عليه ليحكي تفاصيل لا يريد ذكرها.

وبعد أيام، وبالتنسيق مع إدارة المدرسة، تواصلت مع والديه لمناقشة التغيرات التي لاحظتها.

كان اتصال المدرسة أول مرة يدرك فيها دانية وباسل أن خلافاتهما قد تجاوزت العلاقة بينهما إلى عالم ابنهما الداخلي.

فكثير من الكبار يظنون أن الطفل لا يفهم ما يحدث ما داموا لا يشرحون له التفاصيل.

لكن الأطفال لا يحتاجون دائمًا إلى معرفة الوقائع حتى يشعروا بآثارها.

إنهم يلاحظون التوتر في الأصوات، والتغير في الروتين، والوجوه التي تفقد ابتسامتها، والوعود التي تتأجل، والزيارات التي تتحول إلى خلافات.

وقد يحاول الطفل تفسير ما لا يفهمه اعتمادًا على خبرته المحدودة.

وهنا تظهر مشكلة أخرى.

فالطفل يميل أحيانًا إلى ربط الأحداث بنفسه.

قد يعتقد أن شجار والديه حدث لأنه لم يرتب غرفته.

أو أن أحدهما غادر المنزل لأنه كان مزعجًا.

أو أن استمرار الخلاف يعني أنه لم يكن طفلًا جيدًا بما يكفي ليجعلهما سعيدين.

هذه الأفكار قد تبدو غير منطقية للبالغين، لكنها ليست مستحيلة في عالم طفل ما زال يتعلم فهم العلاقات والأسباب والنتائج.

ولهذا يحتاج الأطفال إلى كلمات واضحة تناسب أعمارهم.

يحتاجون إلى سماع أن الخلاف بين الكبار ليس مسؤوليتهم.

وأنهم ليسوا مطالبين بإصلاح العلاقة.

وأن محبتهم لأحد الوالدين لا تقلل من محبتهم للآخر.

وأن القرارات المتعلقة بالزواج أو الانفصال يتخذها البالغون ويتحملون مسؤوليتها.

ولا تكفي هذه الرسائل إذا كانت الأفعال اليومية تناقضها.

فلا معنى لأن نقول للطفل إنه حر في محبة والديه، ثم نعاقبه بالصمت كلما تحدث بسعادة عن أحدهما.

ولا معنى لأن نؤكد له أنه ليس مسؤولًا عن الخلاف، ثم نطلب منه نقل الرسائل والاعتراضات بين الطرفين.

فحين يتحول الطفل إلى وسيط، يُطلب منه أداء دور لا يناسب عمره.

يصبح حاملًا لمعلومات لا يستطيع التعامل معها.

وقد يشعر أنه مسؤول عن طريقة وصول الرسالة، وعن غضب من يتلقاها، وعن النتائج التي تترتب عليها.

قالت دانية لآدم ذات صباح:
«قل لأبيك إن موعد الطبيب تغير إلى الخميس».

كان الطلب في ظاهره عاديًا.

لكن الطفل تردد.

فقد سبق أن نقل رسالة مشابهة، وانتهى الأمر بمكالمة غاضبة بين والديه.

سأل أمه:
«وإذا زعل؟»

نظرت إليه باستغراب.

«ليش يزعل؟ أنت بس بلغه».

لم تكن تدرك أن كلمة «فقط» لا تجعل المهمة بسيطة في نظره.

فالطفل الذي اعتاد رؤية الخلافات قد يخاف من نتائج أصغر الرسائل.

وقد يتحول إلى مراقب دائم لاحتمالات الغضب.

وهنا لا يكون الحل في مطالبته بالشجاعة، بل في إعفائه من مسؤولية التواصل التي ينبغي أن تبقى بين البالغين.

يمكن للوالدين تبادل المعلومات المتعلقة بالطفل مباشرة، من خلال وسيلة واضحة ومحترمة، حتى لو كانت علاقتهما متوترة.

ويمكن الاتفاق على مواعيد الزيارات والدراسة والعلاج دون استخدام الابن رسولًا.

فحماية الطفل لا تتطلب بالضرورة أن يصبح والداه صديقين بعد الانفصال.

لكنها تتطلب ألا يجعلاه ساحة لاستمرار معركتهما.

والأمر لا يقتصر على الأسر المنفصلة.

فهناك أطفال يعيشون مع والديهم تحت سقف واحد، لكنهم يواجهون توترًا يوميًا لا يقل قسوة.

قد يسمع الطفل إهانات متكررة بين أبويه.

أو يشاهد أحدهما يسخر من الآخر أمام الأقارب.

أو يتعلم أن الصراخ هو الطريقة المعتادة لحل المشكلات.

أو ينام وهو لا يعرف إن كان الخلاف الذي بدأ عند العشاء سينتهي قبل الصباح.

وقد تكون الأسرة مستقرة ماليًا، وتبدو أمام الآخرين متماسكة، بينما يعيش الطفل داخلها في حالة ترقب مستمر.

فوجود الوالدين في منزل واحد لا يضمن وحده شعور الأبناء بالأمان.

كما أن انفصالهما لا يعني بالضرورة أن الأطفال سيعانون ضررًا دائمًا.

ما يؤثر في الطفل يتصل بطبيعة الخلافات، وشدتها، واستمرارها، وبكيفية تعامل الكبار معه ومع احتياجاته، وبالدعم الذي يتلقاه خلال التغيرات.

قد تكون الحياة في منزلين هادئين أكثر استقرارًا من الحياة في منزل واحد تمتلئ أيامه بالإهانة والخوف.

وقد يستطيع والدان منفصلان توفير بيئة صحية لطفلهما حين يضعان احتياجاته فوق رغبتهما في تصفية الحسابات.

وهذا لا يجعل الانفصال أمرًا سهلًا.

بل يذكرنا بأن شكل الأسرة وحده لا يكفي للحكم على جودة الحياة داخلها.

الأهم هو ما يختبره الطفل في تفاصيل أيامه.

هل يستطيع التعبير عن حزنه دون أن يخشى إغضاب أحد؟

هل يعرف أين سينام غدًا؟

هل يجد من يستمع إليه عندما يقلق؟

هل يُسمح له بالاستمتاع بوقته مع أحد والديه دون الشعور بالذنب؟

وهل يشعر أن الكبار قادرون على إدارة مشكلاتهم دون تحميله نتائجها؟

هذه الأسئلة أقرب إلى احتياجاته الحقيقية من كثير من المظاهر التي ينشغل بها الناس.

ومن الأخطاء الشائعة أن يحاول أحد الوالدين تعويض الطفل عن التوتر بالإفراط في الهدايا.

فقد تتحول الزيارات إلى منافسة غير معلنة.

أحدهما يشتري لعبة أكبر.

والآخر يعد برحلة أجمل.

ثم يبدأ الطفل بالشعور أنه مطالب بإظهار الامتنان لكل طرف بطريقة لا تجرح الآخر.

الهدايا قد تمنح الفرح، لكنها لا تعوض غياب الاستقرار العاطفي.

فالطفل يحتاج إلى وقت منتظم، واهتمام صادق، وقواعد واضحة، وإحساس بأن محبته ليست موضوعًا للمنافسة.

كما يحتاج إلى أن يبقى طفلًا.

أن يلعب دون التفكير في مشكلات الكبار.

وأن يخطئ دون أن يشعر أنه أضاف عبئًا جديدًا إلى حياتهم.

وأن يحزن دون أن يضطر إلى مواساة والديه أولًا.

فبعض الأطفال يتحولون تدريجيًا إلى مصدر دعم عاطفي للبالغين.

تروي الأم لابنها تفاصيل خلافاتها، وتنتظر منه أن يفهم موقفها.

أو يحدث الأب ابنته عن وحدته وخيبته، ويجعلها تشعر أنها الشخص الوحيد الذي يستطيع إسعاده.

قد يبدو هذا دليلًا على القرب والثقة، لكنه قد يضع الطفل في موقع لا يتناسب مع قدرته النفسية.

فليس من العدل أن يحمل الابن أسرارًا ثقيلة ثم يُطلب منه أن يتصرف بصورة طبيعية.

وليس من الإنصاف أن يشعر بأن سعادة أحد والديه تعتمد على وجوده الدائم إلى جانبه.

من حق الكبار أن يتألموا.

ومن حقهم أن يطلبوا المساندة.

لكن عليهم أن يبحثوا عنها لدى أشخاص قادرين على تحملها، لا أن يجعلوا أبناءهم مسؤولين عن علاج جراحهم.

حين اجتمعت دانية وباسل مع المرشدة الطلابية، كان كل منهما مستعدًا لشرح أخطاء الآخر.

بدأت دانية بالحديث عن المواعيد التي لم يلتزم بها باسل.

وتحدث باسل عن صعوبة التواصل معها، وعن قرارات تخص آدم اتخذتها دون استشارته.

استمعت المرشدة، ثم أعادت النقاش إلى سبب الاجتماع.

لم يكن الهدف تحديد من المسؤول عن انتهاء الزواج.

بل فهم ما يحتاج إليه آدم الآن.

أخبرتهما أن الطفل أصبح شديد التردد في المدرسة، وأنه يبدو قلقًا من ارتكاب الأخطاء، وأن بعض كتاباته تشير إلى حاجته إلى الطمأنينة.

لم تتهم أيًا منهما بالتسبب في ذلك وحده.

ولم تقدم تفسيرًا قاطعًا لسلوكه.

لكنها أوضحت أن استمرار التوتر قد يكون عاملًا مهمًا، وأن الطفل يحتاج إلى تعاون واضح بينهما.

ساد الصمت.

للمرة الأولى منذ أشهر، جلس الوالدان أمام مشكلة لا يمكن لأي منهما أن يلقيها كاملة على الآخر.

كانت المشكلة تتعلق بابنهما.

وبشيء من الصعوبة، بدآ بمراجعة تصرفاتهما.

تذكرت دانية اللعبة التي أعادها آدم إلى حقيبته.

وتذكر باسل كيف أصبح ابنه يسأله قبل كل زيارة إن كان غاضبًا من أمه.

لم تكن هذه التفاصيل غائبة عن ذاكرتهما.

لكنهما لم يربطاها سابقًا بصورة واضحة بما يعيشه الطفل.

وبعد الاجتماع، اتفقا على خطوات محددة.

أصبح التواصل بشأن المدرسة والمواعيد الصحية يتم مباشرة بينهما.

وتوقفا عن سؤال آدم عما يقوله الطرف الآخر أو يفعله.

واتفقا على جدول زيارات واضح قدر الإمكان، مع إخباره مبكرًا بأي تغيير.

كما قررا ألا يناقشا خلافاتهما المالية أمامه، وأن يتجنبا التعليقات التي تقلل من احترام أحدهما للآخر.

لم تكن هذه الاتفاقات حلًا سحريًا.

فالمشاعر القديمة لم تختف، والمشكلات العملية لم تُحل كلها.

لكنها كانت بداية لفصل خلافهما الشخصي عن مسؤوليتهما المشتركة تجاه ابنهما.

وهذا الفصل يحتاج إلى جهد حقيقي.

فحين يكون الإنسان مجروحًا أو غاضبًا، قد يصعب عليه التحدث باحترام عن شخص يعتقد أنه ظلمه.

لكن حماية الطفل لا تتطلب إنكار الألم.

تتطلب فقط ألا نجعله يتحمل تبعاته.

وبعد أيام، جلست دانية مع آدم في غرفته.

كانت أمامه علبة الألوان، ودفتر رسم مفتوح على صفحة بيضاء.

سألته إن كان يريد الحديث عن شيء يزعجه.

هز رأسه في البداية.

ثم سألها:
«ماما، أنت تزعلين إذا أحببت بابا؟»

لم تتوقع السؤال.

شعرت بثقل الكلمات، لكنها حاولت ألا تجعل ابنها مسؤولًا عن حزنها.

أجابته:
«لا يا آدم. من حقك أن تحب أباك، ومن حقك أن تكون سعيدًا معه. خلافنا نحن ليس خلافك أنت».

ظل ينظر إليها قليلًا.

ثم سأل:
«وإذا كنت سعيدًا هنا أيضًا؟»

ابتسمت رغم تأثرها.

«تكون سعيدًا في المكانين».

لم يكن الطفل يبحث عن تفسير قانوني للانفصال، ولا عن تفاصيل الخلافات القديمة.

كان يريد إذنًا بسيطًا بأن يحب والديه دون خوف.

وهذا ما يغيب عن بعض الكبار حين ينشغلون بإثبات أنهم الطرف الأكثر تضحية.

فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى معرفة من كان على حق في كل خلاف.

يحتاج إلى أن يشعر أن الحب الذي يتلقاه لا يفرض عليه اختيار جانب.

وأن علاقته بكل واحد من والديه ليست مكافأة يمنحها للآخر أو عقوبة يوقعها عليه.

بعد أسبوع، اصطحبه باسل إلى حديقة عامة قريبة من منزله.

كان آدم يركض خلف كرة صغيرة حين توقف فجأة وسأل أباه:
«إذا حكيت لماما عن يومنا، عادي؟»

أجابه باسل:
«طبعًا. احكِ لها كل شيء تحب تحكيه».

ثم أضاف:
«وأنا سعيد إذا كنت مرتاحًا معها أيضًا».

لم يعلق آدم.

عاد إلى اللعب.

لكن باسل لاحظ أنه أصبح أكثر انطلاقًا خلال بقية الوقت.

ربما لم تكن جملة واحدة كافية لإزالة شهور من القلق.

لكنها كانت خطوة في الاتجاه الصحيح.

فالأمان العاطفي لا يُبنى بالوعود الكبيرة وحدها، بل بتجارب صغيرة تتكرر حتى يصدق الطفل أنه يستطيع الاعتماد عليها.

ومن المهم ألا نتوقع من الأطفال أن يتحسنوا فورًا بمجرد أن يقرر الكبار تغيير سلوكهم.

فالقلق الذي تراكم عبر أشهر قد يحتاج إلى وقت حتى يخف.

وقد يستمر الطفل في مراقبة ردود الأفعال، أو التردد في التعبير عن رغباته، حتى بعد تحسن الظروف.

وهذا لا يعني أن الجهود فشلت.

بل يعني أن استعادة الشعور بالأمان عملية تحتاج إلى صبر واستمرار.

وقد يستفيد بعض الأطفال من دعم متخصص عندما تؤثر الضغوط في نومهم أو دراستهم أو علاقاتهم أو قدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية.

وطلب المساعدة في هذه الحالات ليس اعترافًا بفشل الأسرة.

إنه استجابة مسؤولة لاحتياج حقيقي.

كما أن المدرسة تستطيع أن تؤدي دورًا مهمًا إذا تعاملت مع التغيرات السلوكية بحساسية.

فليس كل طفل صامت مهملًا.

وليس كل طفل سريع الغضب سيئ التربية.

وليس كل تراجع دراسي دليلًا على الكسل.

قد تكون وراء بعض هذه التصرفات ظروف لا يعرف المعلم تفاصيلها.

ولهذا فإن التواصل المحترم بين الأسرة والمدرسة، دون وصم الطفل أو كشف خصوصياته أمام زملائه، قد يفتح بابًا لفهم أفضل.

ولا يقتصر الأمر على المعلمين والوالدين.

فالأقارب أيضًا يتحملون مسؤولية أخلاقية في حماية الأطفال من صراعات الكبار.

قد يظن أحد الأجداد أنه يدافع عن ابنه أو ابنته حين يسيء إلى الطرف الآخر أمام الحفيد.

وقد تسأل عمة أو خالة الطفل أسئلة عن حياة أحد والديه بدافع الفضول أو الانحياز.

وقد يسمع الطفل في المناسبات العائلية أحكامًا قاسية عن أشخاص يحبهم.

هذه التصرفات قد تضيف إلى ارتباكه، حتى عندما يعتقد أصحابها أنهم يحمونه.

فالمساندة الحقيقية لا تعني تجنيد الأطفال في الخلافات.

بل مساعدتهم على الاحتفاظ بعلاقات آمنة، ما دامت تلك العلاقات لا تعرضهم للأذى.

ومن الضروري هنا التمييز بين الخلافات العائلية المعتادة وبين حالات العنف أو الإساءة أو الإهمال الخطير.

فحماية الطفل في الحالات التي تهدد سلامته تتقدم على أي رغبة في الحفاظ على التواصل أو المظاهر العائلية.

ولا يجوز مطالبة الطفل بتحمل الأذى باسم احترام الوالدين أو صلة الرحم.

فالأمان ليس مجرد شعور بالطمأنينة، بل يشمل السلامة الجسدية والنفسية والحق في الحماية من الاستغلال والإساءة.

ومع ذلك، فإن كثيرًا من الأذى اليومي الذي يطال الأطفال لا يحدث في ظروف استثنائية.

يحدث داخل أسر عادية، وبين أشخاص يحبون أبناءهم فعلًا، لكنهم لا ينتبهون إلى الطريقة التي تتسرب بها مشكلاتهم إلى حياة الصغار.

ولهذا فإن النية الطيبة، على أهميتها، لا تكفي وحدها.

نحتاج إلى مراجعة السلوك.

إلى أن نسأل أنفسنا قبل الكلام: هل هذه المعلومة يحتاج الطفل إلى معرفتها، أم أنني أقولها لأخفف غضبي؟

وهل هذا السؤال يخدم مصلحته، أم أبحث من خلاله عن أخبار الطرف الآخر؟

وهل أطلب منه التعبير عن رغبته، أم أضعه أمام اختيار سيشعره بالذنب مهما كانت إجابته؟

وهل أستمع إليه فعلًا، أم أنتظر أن يقول ما يؤكد وجهة نظري؟

هذه المراجعة لا تجعل الكبار مثاليين.

لكنها تساعدهم على تذكر أن الطفل شخص مستقل، له مشاعره واحتياجاته، وليس امتدادًا لمواقفهم أو وسيلة لإثبات صحة قراراتهم.

ومع مرور الوقت، بدأ آدم يستعيد شيئًا من عفويته.

عاد إلى المشاركة في الأنشطة المدرسية، وأصبح يتحدث عن أيامه دون أن يختار كلماته بالحذر السابق.

لم تختف جميع الصعوبات.

كان لا يزال يحزن أحيانًا عندما تنتهي زيارة أبيه، ويشتاق إلى أمه حين يبيت بعيدًا عنها.

لكن الحزن لم يعد مصحوبًا بالخوف نفسه.

أصبح يعرف أنه يستطيع الاشتياق إلى أحدهما وهو مع الآخر.

وأنه لا يحتاج إلى إخفاء سعادته حتى يحمي مشاعر الكبار.

في نهاية الفصل الدراسي، أعادت المعلمة هناء إلى الطلاب ملفات أعمالهم.

كان بينها الواجب القديم الذي طلبت فيه كتابة عنوان المنزل.

وجد آدم الورقة التي كتب عليها عنوانين، ثم محا أحدهما.

تأمل أثر الممحاة الذي بقي ظاهرًا على الورق.

وفي المنزل، سأل أمه إن كان يستطيع كتابة عنوان أبيه أيضًا في استمارة المدرسة، حتى يعرف المسؤولون كيف يتواصلون معهما عند الحاجة.

قالت إنهما سيتأكدان من تسجيل بيانات التواصل المناسبة وفق إجراءات المدرسة.

ثم سألته إن كان الأمر قد أقلقه من قبل.

أخبرها أنه لم يكن يعرف أي بيت يختار.

جلست إلى جانبه وقالت:
«أنت لا تحتاج إلى اختيار بيت حتى تثبت محبتك لأحد».

لم يكن ذلك جوابًا يحل كل تعقيدات الحياة بين منزلين.

لكنه أعاد إلى الطفل حقًا بسيطًا كاد يفقده: ألا يكون مسؤولًا عن المفاضلة بين والديه.

وفي صباح اليوم التالي، وضع آدم الورقة في حقيبته وذهب إلى المدرسة.

لم يعد يخشى أن يرى أحد العنوانين فيغضب صاحب العنوان الآخر.

كان يحمل كتبه وعلبة طعامه ومقلمته الزرقاء، كما يفعل الأطفال في عمره.

ولم يكن عليه في ذلك الصباح أن يحمل شيئًا آخر.

هذه هي المسؤولية التي ينبغي أن نتذكرها كلما اختلف الكبار.

فالطفل لا يختار الظروف التي يولد فيها، ولا طبيعة العلاقة بين والديه، ولا المشكلات التي تمر بها الأسرة.

لكنه يتأثر بالطريقة التي تُدار بها تلك الظروف.

وقد يتعلم من الكبار أن الخلاف يعني الإهانة، وأن الحب مشروط بالطاعة، وأن الصمت هو الطريق الوحيد لتجنب الغضب.

وقد يتعلم منهم شيئًا مختلفًا تمامًا.

أن الناس يستطيعون الاختلاف دون تحطيم كرامة بعضهم.

وأن الاعتذار لا ينتقص من قيمة الإنسان.

وأن المسؤولية لا تنتهي بانتهاء العلاقة الزوجية.

وأن احترام مشاعر الآخرين لا يعني إلغاء مشاعرنا.

فالطفولة ليست مرحلة ينتظر فيها الإنسان أن يكبر حتى تبدأ حياته الحقيقية.

إنها جزء أصيل من حياته، تتشكل فيه نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى معنى الأمان.

وما يمر به الطفل اليوم قد يؤثر في طريقته في بناء العلاقات غدًا، وإن لم يحدد مستقبله بصورة حتمية.

ولهذا لا ينبغي أن نستهين بالتفاصيل الصغيرة التي نتركها في ذاكرته.

قد ينسى الطفل ثمن اللعبة التي اشتُريت له.

وقد لا يتذكر نوع السيارة التي أقلته إلى المدرسة.

لكنه قد يحتفظ طويلًا بإحساسه عندما كان يتحدث عن شخص يحبه، ثم رأى الغضب في وجه من يستمع إليه.

وقد يتذكر أيضًا اليوم الذي سُمح له فيه أخيرًا بأن يحب دون خوف.

فالأطفال لا يحتاجون إلى آباء وأمهات لا يختلفون أبدًا.

يحتاجون إلى بالغين يعرفون أن خلافاتهم مسؤوليتهم، وأن أبناءهم ليسوا مطالبين بدفع ثمنها.

وحين يفشل الكبار في إدراك هذا الفرق، قد تنتهي المعركة بينهم على الورق، بينما تستمر آثارها داخل طفل لم يكن طرفًا فيها منذ البداية.

أما حين يختارون حماية أبنائهم من الصراع، فإنهم لا يغيرون الماضي، لكنهم يمنحون المستقبل فرصة مختلفة.

فالطفل لا ينبغي أن يكبر وهو يعتقد أن الحب يفرض عليه الانحياز، أو أن السلام يحتاج منه إلى إخفاء مشاعره.

ومن أبسط حقوقه أن يعيش طفولته دون أن يتحول إلى شاهد دائم على جراح الكبار، أو رسول بينهم، أو قاضٍ يُطلب منه تحديد المخطئ.

أن يكون طفلًا فحسب.

يتعلم، ويلعب، ويخطئ، ويضحك، ويشعر بالأمان.

وألا يدفع من راحته النفسية ثمن قرارات لم يتخذها، وخلافات لم يصنعها، ومسؤوليات لم يكن يومًا مطالبًا بحملها.

للتوثيق: «الأطفال يدفعون الثمن» — يتناول الأثر النفسي للنزاعات الأسرية على الأطفال، وخطورة تحويلهم إلى وسطاء أو أطراف في خلافات الوالدين، وأهمية حمايتهم عاطفيًا وتوفير بيئة آمنة تحترم حقهم في محبة والديهم دون خوف أو شعور بالذنب.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً