لم تتوقع أن يكون أصعب ما في يوم حصولها على الوظيفة الجديدة هو العثور على شخص يفرح معها. كانت قد انتظرت هذه الفرصة شهورًا، وحين وصلها خبر القبول سارعت إلى مراسلة صديقة اعتادت أن تشاركها تفاصيل حياتها. أرسلت الخبر ومعه جملة قصيرة مليئة بالحماس، ثم انتظرت الرد.
جاء الرد سريعًا، لكنه لم يكن تهنئة. كان تسجيلًا صوتيًا طويلًا تحكي فيه الصديقة خلافًا جديدًا مع إحدى قريباتها. تبعته تسجيلات أخرى، وأسئلة تطلب رأيًا عاجلًا، ورسائل تعيد تفاصيل المشكلة نفسها. وبعد نحو ساعة من الاستماع والمواساة، انتهت المحادثة دون أن تسأل الصديقة عن الوظيفة، أو تتذكر سبب الرسالة الأولى.
لم تكن تلك الحادثة كافية للحكم على علاقة امتدت سنوات. لكن صاحبة الخبر أدركت، وهي تغلق هاتفها، أن هذا المشهد يتكرر كثيرًا: كلما حملت فرحًا أو همًّا، وجدت نفسها مستمعة إلى قصة أخرى، وكأن حياتها لا تملك حق الظهور إلا في الفواصل القصيرة بين أزمات غيرها.
بعض العلاقات لا تؤذينا بكلمة جارحة أو موقف عدائي واضح. إنها تستهلكنا بطريقة أهدأ: طلب دائم للانتباه، ومشكلات لا تنتهي، ومساحة واسعة لطرف واحد يقابلها حضور ضئيل للطرف الآخر. وقد تمر سنوات قبل أن ينتبه الإنسان إلى أنه أصبح يؤدي دورًا ثابتًا في العلاقة، لا يعيش فيها بوصفه شريكًا متساويًا.
ولا يتعلق الأمر بعدد المكالمات أو طول الحديث وحدهما. فقد نقضي ساعات مع إنسان يمر بظرف صعب، ونغادر ونحن نشعر بالرضا لأننا وقفنا إلى جانبه. وقد لا تستغرق مقابلة أخرى سوى دقائق، لكنها تترك فينا توترًا وذنبًا وشعورًا بأننا مقصرون مهما فعلنا. الفارق غالبًا في طبيعة التبادل، لا في مقدار الوقت.
الصداقة لا تُقاس بمحاسبة دقيقة: من اتصل أولًا، ومن استمع أكثر، ومن قدّم الخدمة الأخيرة. فالحياة تتغير، وقد يحتاج أحد الطرفين إلى عون أكبر خلال مرض أو خسارة أو أزمة عائلية. لكن العلاقة الصحية تحتفظ، رغم اختلال التوازن المؤقت، بشعور متبادل بأن احتياجات الطرفين مرئية ومعتبرة.
أما حين تصبح حاجة أحدهما هي الموضوع الوحيد، فإن الصداقة تبدأ بفقدان شيء أساسي من معناها.
وقد يظهر الاستنزاف في صورة شكوى متكررة لا تسمح بأي حل. يخبرك شخص بالمشكلة ذاتها عشرات المرات، ويسألك رأيك، ثم يغضب إن اقترحت عليه خطوة عملية، ويعود بعد أيام ليعيد الحكاية من بدايتها. ليس مطلوبًا أن تنجح نصيحتك أو أن يتخذ الآخر قرارًا وفق رغبتك؛ فلكل إنسان ظروف لا نعرفها كاملة. لكن تحويلك إلى مستودع دائم للتوتر، دون اهتمام بقدرتك على الاحتمال، يضع العلاقة في موضع يستحق المراجعة.
ويظهر أحيانًا في المنافسة الخفية. تخبر أحدهم بإنجاز فيذكرك فورًا بمن حقق أكثر منك، أو تبوح بخيبة فيسارع إلى شرح أن ما مرّ به أشد قسوة. لا يهاجمك صراحة، لكنه لا يترك لمشاعرك مكانًا مستقلًا. تصبح أفراحك صغيرة أمام مقاييسه، وأحزانك غير كافية أمام تجاربه.
وهناك من يجعل قربه مشروطًا بأن تكون متاحًا في كل وقت. إن تأخرت في الرد، تحولت المكالمة التالية إلى عتاب طويل. وإن انشغلت بشؤونك، فُسّر انشغالك على أنه تغير في المحبة. ومع التكرار، قد تبدأ بمراقبة هاتفك بقلق، لا شوقًا إلى الحديث، بل خشية من تبعات عدم الإجابة.
هذه الإشارات لا تمنحنا الحق في وصف كل شخص متعب أو كثير الشكوى بأنه مؤذٍ. فبعض الناس يعيشون ضغوطًا نفسية أو اجتماعية حقيقية، وقد تضيق قدرتهم مؤقتًا على الانتباه للآخرين. والتعبير عن الألم ليس خطيئة، وطلب المساندة ليس استغلالًا في ذاته. إنما تكمن المشكلة في النمط المستمر الذي لا يعترف بأن الطرف الآخر إنسان له حدود وحياة ومشاعر.
ولهذا، من الإنصاف أن ننظر إلى العلاقة عبر الزمن، لا من خلال موقف منفرد. هل يلاحظ هذا الشخص غيابك؟ هل يستطيع الإصغاء حين تتحدث عن نفسك؟ هل يحترم رغبتك في تأجيل حديث مرهق؟ وهل يبدي استعدادًا لتعديل سلوكه إذا أخبرته بما تشعر به؟ هذه الأسئلة أصدق من إطلاق الأحكام السريعة.
وقد يكون اكتشاف الخلل مؤلمًا خصوصًا عندما يرتبط بصديق قديم. فالذكريات تمنح العلاقة وزنًا كبيرًا، ويصعب علينا أن نعترف بأن ما كان مصدر راحة صار عبئًا. نستحضر المواقف الجميلة، ونقنع أنفسنا بأن علينا الاستمرار بالصورة نفسها وفاءً لما مضى. لكن تقدير الماضي لا يعني تجاهل الحاضر، ولا يفرض علينا البقاء داخل علاقة لا تسمح لنا بالتنفس.
ومن المفيد أن ننتبه إلى أثر اللقاءات المتكررة في سلوكنا اليومي. هل نؤجل أعمالنا لأننا نتوقع أزمة جديدة؟ هل نشعر بالتوتر قبل فتح رسالة من شخص بعينه؟ هل نخفي أخبارنا السعيدة خشية أن تُقابل بالتقليل أو المقارنة؟ وهل أصبحنا نختار كلماتنا بحذر مفرط حتى لا نثير غضبًا متوقعًا؟
لا تكفي إجابة واحدة لتقرير مصير علاقة، لكنها قد تكشف اتجاهًا يحتاج إلى فهم.
والخطوة الأولى ليست القطيعة بالضرورة، بل تسمية المشكلة بوضوح. يمكن أن تقول لصديقك إنك تفتقد الحديث المتبادل، أو إن المحادثات صارت تتركك مرهقًا، أو إنك تحتاج إلى مساحة للحديث عن حياتك أيضًا. ليس الهدف تقديم لائحة اتهامات، وإنما إتاحة فرصة صادقة لتصحيح مسار ربما لم ينتبه إليه الطرف الآخر.
وقد يفاجئك ردّه. فهناك من يعتذر لأنه كان غارقًا في مشكلاته ولم يرَ أثرها، ثم يبدأ تدريجيًا بإعادة التوازن إلى العلاقة. وهناك من يسمع الكلام باعتباره إهانة، أو يستهزئ بمشاعرك، أو يعد بالتغيير ثم يعود إلى السلوك نفسه دون محاولة جادة.
الفرق بين الحالتين مهم؛ لأن قيمة العلاقة لا تظهر في خلوها من الأخطاء، بل في استعداد أطرافها لتحمل مسؤولية إصلاحها.
ومن الضروري أيضًا ألا نضع أنفسنا في موقع المنقذ الدائم. يمكنك أن تستمع إلى شخص يمر بأزمة، وأن تساعده على التفكير في خياراته، لكنك لا تستطيع أن تعيش قراراته بدلًا منه، أو تتحمل نتائج اختيارات يكررها رغم معرفته بعواقبها. وإذا كانت المشكلة تتطلب مساعدة متخصصة، فقد تكون الإشارة إلى هذه الحاجة أكثر نفعًا من محادثات طويلة تستنزف الطرفين دون أن تغير شيئًا.
وحتى عندما لا يكون إنهاء العلاقة مناسبًا، يمكن إعادة تنظيمها. قد تتحول المكالمات اليومية الطويلة إلى لقاءات أقل تكرارًا وأكثر جودة، أو تتوقف عن الدخول في جدالات تعيد نفسها، أو تختار موضوعات مشتركة تمنح الطرفين مساحة للراحة. ليس كل ابتعاد عقوبة، وليس تقليل الاحتكاك إعلانًا للعداء.
والأهم أن نراجع دورنا نحن أيضًا. فقد نعتاد أن نكون المستمع الذي لا يتكلم، ثم نستغرب أن الآخرين لا يعرفون احتياجاتنا. وربما نبالغ في تقديم الحلول دون أن يطلبها أحد، أو نتدخل في أزمات الآخرين حتى نشعر بأن قيمتنا مرتبطة بقدرتنا على إنقاذهم. عندئذ لا يكفي لوم الطرف المقابل؛ نحتاج إلى تغيير العادة التي تجعلنا نعيد إنتاج العلاقة نفسها.
كما أن الحذر من الاستنزاف لا ينبغي أن يحولنا إلى أشخاص يهربون من كل إنسان يمر بضيق. العلاقات العميقة لا تتكون من الضحك والنجاحات وحدها؛ إنها تتسع للمرض والفشل والخوف والخسارة. والصديق الذي يبكي اليوم قد يكون أول من يسندك غدًا. المطلوب ليس البحث عن صحبة لا تحتاج إلى شيء، بل عن صحبة تعترف بأن الاحتياج حق متبادل لا امتياز لطرف واحد.
قد يكون الامتحان الحقيقي بسيطًا: هل تستطيع أن تكون على طبيعتك في حضور هذا الإنسان؟ أن تفرح دون أن تعتذر عن فرحك، وأن تحزن دون أن تدخل منافسة على مقدار الألم، وأن تصمت قليلًا دون أن تُتهم بالجفاء؟
حين تتوافر هذه المساحة، يصبح القرب مصدر أمان حتى في الأيام الصعبة. وحين تختفي، قد نجد أنفسنا وسط علاقات كثيرة، لكننا نشعر بوحدة لا يفسرها عدد الأصدقاء.
بعد أيام من خبر الوظيفة، التقت المرأة بصديقتها وتحدثت معها بهدوء عن تلك الليلة. لم تبدأ بتعداد أخطائها، بل أخبرتها بأنها كانت تنتظر مشاركة فرحتها، وأنها شعرت بأن خبرها اختفى وسط حديث لم يتوقف. ساد الصمت لحظة، ثم قالت الصديقة إنها لم تنتبه، وسألتها للمرة الأولى عن تفاصيل العمل الجديد.
لم تحل تلك المحادثة كل شيء، لكنها فتحت بابًا كان مغلقًا. وفي علاقات أخرى، ربما لا يُفتح الباب رغم المحاولة، وعندها يكون من الحكمة الاعتراف بما نستطيع إصلاحه وما لا نستطيع فرضه.
ليست جودة الصحبة في أن يظل الناس من حولنا سعداء طوال الوقت، بل في أن نشعر بأن وجودنا بينهم لا يقتضي اختفاءنا. فالصداقة التي تستحق البقاء تترك لكل إنسان مكانًا على الطاولة، لا مقعدًا دائمًا للاستماع إلى حياة الآخرين فقط.
للتوثيق: «احذر صحبة المستنزفين» — عن اختلال التبادل العاطفي في بعض العلاقات، وكيفية تمييز الدعم الإنساني المتبادل من الاستنزاف النفسي المتكرر ومعالجة الخلل بوعي واحترام.
احذر صحبة المستنزفين
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً