أريد اليوم أن أحدثكِ عن جانب لا أُحسن إظهاره دائمًا؛ ذلك الرجل الذي يسكنني حين لا أملك جوابًا، ولا أستطيع إصلاح ما انكسر، ولا أجد العبارة المناسبة في اللحظة المناسبة. الرجل الذي يبدو هادئًا من الخارج، بينما تتزاحم في داخله أسئلة صغيرة لا يسمعها أحد. لطالما ظننت أن الحب يطلب مني أن أكون قويًّا أمامكِ، ثابت الخطوة، واسع الحيلة، قادرًا على حمل يومكِ ويومي معًا من دون أن يظهر التعب على كتفي. لكنني أتعلم معكِ معنى آخر: أن أكون صادقًا قبل أن أكون قويًّا، وأن أسمح لكِ برؤيتي كما أنا، لا كما أحاول أن أبدو.
أنتِ لا تحتاجين إلى بطل يقف على مسافة منكِ ويعرض شجاعته. تحتاجين، كما أظن، إلى رجل يجلس بقربكِ حين تضيق به نفسه، ويقول بوضوح: أنا مرتبك، أو متعب، أو خائف، من دون أن يحوّل ضعفه إلى عبء عليكِ. وأنا أيضًا لا أحتاج إلى أن أظل ممثلًا لدور الرجل الذي يعرف الطريق كله. يكفيني أن أعرف أنكِ لن تحتقري توقفي، ولن تفسري صمتي دائمًا على أنه برود، ولن تطلبي من قلبي أن يقدم تقريرًا منظمًا عن كل ما يعجز عن فهمه.
أذكر تلك المرات التي سألتِني فيها: «هل أنت بخير؟» فأجبتكِ بسرعة: «نعم»، بينما كانت نبرة صوتي تقول شيئًا آخر. لم أكن أكذب عليكِ بقدر ما كنت أكرر عادة قديمة. تعلّمت أن الإجابة القصيرة تحمي الآخرين من القلق، وتحفظ صورتي متماسكة، وتؤجل الحديث إلى وقت قد لا يأتي. ثم رأيتكِ تتركين السؤال مفتوحًا من غير ضغط. لم تحاصريني بتخمينات، ولم تجعلي صمتي اتهامًا لكِ، بل وضعتِ كوب الماء أمامي، وجلستِ قريبة بما يكفي كي أعرف أن الباب ما زال مفتوحًا. ذلك التصرف البسيط علّمني أكثر مما تعلمته من الخطب الطويلة.
أحب فيكِ أنكِ لا تتعاملين مع انكساري كفرصة لإثبات فضلكِ، ولا تحفظين اعترافاتي لتستخدميها عند أول خلاف. ما أقوله لكِ في لحظة ضعف يبقى في حرمة تلك اللحظة. وهذه خصلة نادرة؛ لأن الأمان لا يعني أن نكشف أسرارنا فحسب، بل أن نعرف أن الطرف الآخر لن يحوّلها لاحقًا إلى سلاح. معكِ أستطيع أن أقول إن يومًا ما هزمني، وإن كلمة عابرة جرحتني أكثر مما ينبغي، وإنني شعرت بالغيرة أو النقص أو الحيرة، ثم أبقى في عينيكِ الرجل نفسه، لا نسخة أقل قيمة منه.
ربما لم أخبركِ أنني أراقب التفاصيل التي تفعلين بها ذلك. حين تلاحظين أن كتفي مشدودان، تخففين صوتكِ بدل أن ترفعيه. حين أتلعثم في شرح أمر يؤلمني، لا تكمّلين الجملة نيابة عني. وحين أعترف بخطأ، لا تسارعين إلى إعفائي كي ينتهي الموقف؛ تطلبين مني أن أفهم أثره، ثم تمنحينني فرصة حقيقية للإصلاح. أنتِ لا تدللين ضعفي، بل تحترمين إنسانيتي، والفرق بين الأمرين كبير. الأول يجعلني أصغر، أما الثاني فيدعوني إلى أن أنضج.
لهذا أريد أن أعدّل شيئًا في طريقتي معكِ. لا أريد أن أستخدم الصلابة ستارًا حين أخاف. إذا أقلقني المستقبل، سأقول إنني قلق بدل أن أصبح حادًّا في حديثي عن أمور لا علاقة لها بما يقلقني. إذا احتجت إلى وقت لأفهم شعوري، سأطلبه بوضوح بدل أن أختفي وأترككِ أمام احتمالات مؤذية. وإذا شعرت بأنني لا أستطيع مساعدتكِ، فلن أهرب إلى النصائح السريعة كي أستعيد إحساسي بالقدرة. سأجلس وأسمع، وأسألكِ: هل تريدين حلًّا، أم تريدين أن أبقى معكِ فقط؟
لقد أخطأت أحيانًا حين ظننت أن الحب مسؤولية دائمة عن إزالة حزنكِ. كنت أسمع شكواكِ فأفتش فورًا عن باب للخروج، كأن بقاء الألم دقائق إضافية فشل مني. لم أفهم أن بعض الأوجاع لا تطلب حلًّا، بل رفقة لا تخاف منها. وأنكِ حين تروين لي يومكِ المتعب لا تمنحينني امتحانًا، وإنما تدخلينني إلى غرفة داخلية في روحكِ. كان ينبغي لي أن أخلع استعجالي عند الباب، وأن أجلس إلى جانب ما يؤلمكِ من غير أن أطالبكِ بالتعافي كي أشعر أنا بالارتياح.
وأريد منكِ، بالمقابل، أن تعرفي أن صراحتي لن تكون تكليفًا لكِ بإنقاذي. أنتِ حبيبتي، ولستِ علاجي الوحيد، ولا مطالبة بأن تحملي كل ما عجزت أنا عن حمله. سأعتني بنفسي، وأطلب العون حين أحتاجه، وأرتب فوضاي قدر استطاعتي. سأشارككِ حقيقتي لأن المشاركة قرب، لا لأنني أريد أن أنقل ثقلها إلى كتفيكِ. أريد لعلاقتنا أن تكون مكانًا يتنفس فيه اثنان، لا غرفة يختنق فيها أحدهما كي يتسع الهواء للآخر.
أحيانًا أتخيلنا في مساء عادي، لا تحدث فيه مناسبة تستحق التصوير. يكون المطبخ دافئًا، وصوت الغلاية أعلى من حديثنا، وقد نسينا شراء شيء من القائمة. أجلس أمامكِ بقميص فقد زرًّا، وتكونين منشغلة بمحاولة إدخال الخيط في ثقب الإبرة، فأمد يدي لأساعدكِ ثم أفشل بسبب الضوء الضعيف. نضحك، ونترك القميص كما هو. أحب هذا المشهد لأنه لا يثبت شيئًا لأحد. أنا لست منقذًا فيه، وأنتِ لستِ امرأة تنتظر الإنقاذ. نحن شخصان يواجهان زرًّا مفقودًا، وفاتورة مؤجلة، وتعبًا في العينين، ويجدان رغم ذلك سببًا صغيرًا للضحك.
الحب الذي أريده معكِ لا يقيس قيمتي بعدد الأزمات التي أحلها، ولا يقيس قيمتكِ بقدرتكِ على تهدئتي. قيمتنا في أننا نحضر بصدق. قد أكون يومًا أنا الأهدأ، فأمسك يدكِ حتى تعبر رجفتها. وقد تكونين أنتِ الأثبت، فتذكرينني بأن الخسارة ليست نهاية هويتي. وفي أيام أخرى نتعب معًا، فلا يجد أحدنا جملة حكيمة، فنطلب طعامًا بسيطًا، نغلق الهواتف، وننام مبكرًا. ليس كل بقاء مشهدًا بطوليًّا؛ أحيانًا يكون البقاء أن نعرف متى يتوقف الكلام.
أعرف أن رؤيتي بلا درع قد تخيفكِ أحيانًا. ربما اعتدتِ أن تتكئي على صورة الرجل الذي لا يتردد، فتسألين في سركِ: إذا خاف هو، فمن يطمئنني؟ لكن الطمأنينة التي تقوم على تمثيلي لن تدوم. أريد أن تطمئني إلى شيء أصدق: أنني حتى حين أخاف لا أترككِ، وحين أتعثر لا أنكر الطريق، وحين أجهل لا أختلق يقينًا زائفًا. ثباتي الحقيقي ليس غياب الارتباك، بل قدرتي على البقاء أمينًا لكِ داخله.
وأنا لا أريدكِ كاملة أمامي أيضًا. لا ترتبي وجهكِ قبل أن تأتيني، ولا تنتقي من حزنكِ الجزء الذي يبدو معقولًا. إذا ضايقكِ أمر صغير، فقولي إنه ضايقكِ حتى لو رأيتِ أن العالم ممتلئ بما هو أكبر. إذا شعرتِ بالغيرة، فلا تعاقبي نفسكِ باسم النضج. وإذا تعبتِ مني، قوليها من دون خوف من أن تنهار المحبة بسبب جملة صادقة. علاقتنا لا تصبح عميقة حين نتفق دائمًا، بل حين نستطيع الاختلاف من غير أن نسحق كرامة بعضنا.
تعجبني فينا تلك اللحظات التي نعود فيها بعد سوء فهم. لا نعود كما كنا تمامًا؛ نعود ونحن نعرف حدًّا جديدًا، أو جرحًا ينبغي تجنبه، أو حاجة لم نحسن التعبير عنها. المصالحة الحقيقية ليست مسح ما حدث، بل حمل معناه معنا كيلا نكرره بالطريقة نفسها. وعندما تقولين لي: «هذا آذاني»، أريد أن أسمع الجملة حتى نهايتها، لا أن أفتش في ذاكرتي عن موقف آذيتِني فيه لأوازن الحساب. الحب ليس محكمة يتبادل فيها الطرفان الأدلة؛ هو مسؤولية أن نصلح ما وضعته أيدينا في قلب الآخر.
ربما يبدو كل هذا بعيدًا عن الكلمات الرومانسية المعروفة، لكنه أكثر ما أستطيع قوله حبًّا لكِ. أنا لا أحبكِ لأنكِ تجعلينني أشعر بأنني لا أُهزم؛ أحبكِ لأنني لا أضطر إلى إخفاء هزيمتي عنكِ. لا أحبكِ لأنكِ تصفقين لكل قرار أتخذه؛ أحبكِ لأنكِ تستطيعين النظر إليّ بهدوء وقول: «فكر مرة أخرى»، من دون أن يتحول خلافكِ إلى تقليل مني. أحبكِ لأن قربكِ لا ينفخ صورتي، بل يعيدني إلى حجمي الإنساني، وهذا الحجم يكفيني لأول مرة.
أريد أن أكون لكِ هذا النوع من الأمان أيضًا. أن تعرفي أن دموعكِ لا تربكني إلى درجة الهرب، وأن غضبكِ لا يجعلني أهددكِ بالغياب، وأن نجاحكِ لا يصغرني، وأن حاجتكِ إلى المسافة لا تهينني. أريد أن أمنحكِ حرية أن تكوني معقدة، متغيرة، غير جاهزة أحيانًا، وألا أختصر كل ذلك في وصف قاسٍ. سأحاول أن أراكِ في سياقكِ الكامل: ما نمتهِ قليلًا، وما تحملتِه بصمت، وما لم تجدي له اسمًا بعد.
لا أعدكِ بأنني سأقول دائمًا ما ينبغي قوله. قد أتأخر، وقد أعود إلى عادتي القديمة فأجيب بأنني بخير وأنا لست كذلك. لكنني أعدكِ بأنني سأنتبه، وأن أعود حين ألاحظ الباب الذي أغلقته. سأقول: «لم أكن صادقًا بما يكفي»، وأحاول من جديد. فالقرب لا يُبنى بلحظة شجاعة واحدة، بل بمحاولات صغيرة نرفض فيها أن نترك الخوف يدير حديثنا.
حين أضع رأسي قربكِ في نهاية يوم طويل، لا أريد أن أشعر أنني عدت إلى مسرح آخر. أريد أن أعرف أن بإمكاني أن أتنفس ببطء، وأن أترك وجهي من دون حراسة، وأن أقول إنني لم أفهم نفسي اليوم. وربما لا نجد تفسيرًا. يكفيني أن تمدي يدكِ إلى يدي، لا لتقوديني ولا لأقودكِ، بل لنتأكد أن أحدًا منا لا يواجه عتمته منفردًا.
وأحب أن تحفظ أيامنا آثار هذه الطمأنينة في أشياء لا يلاحظها سوانا: في رسالتي التي لا أراجع عباراتها عشر مرات قبل إرسالها، وفي قدرتكِ على الجلوس إلى جانبي من دون أن تسألي كل دقيقة عمّا أفكر فيه، وفي صحن الفاكهة الذي نتركه بيننا ونحن منشغلان، ثم نكتشف أن كلًّا منا اختار للآخر القطعة الأجمل. هذه التفاصيل لا تصلح حكايات مدهشة، لكنها تقول إن الحذر بدأ يغادر البيت. تقول إن القلب لم يعد واقفًا عند الباب بحقيبته، مستعدًّا للرحيل عند أول خطأ، بل صار يضع أشياءه في الأدراج، ويعرف أن الخلاف يمكن أن يمر من هنا من دون أن يهدم الجدران.
إن سألتِني يومًا أين أشعر بقربكِ أكثر، فلن أختار اللحظات التي نبدو فيها سعيدين أمام الجميع. سأختار صباحًا أستيقظ فيه مثقل الرأس، فتنظرين إليّ من فوق كوبكِ وتفهمين أنني لا أريد حديثًا بعد، ثم تتركين لي مساحة محبة لا مساحة عقاب. وسأختار مساءً تعودين فيه متعبة فلا أحاول انتزاع ابتسامة منكِ لأطمئن إلى مكاني، بل أهيئ لكِ هدوءًا لا يطالبكِ بشيء. عندها يصبح الحب أقل صخبًا، لكنه أكثر رسوخًا؛ لأن كلًّا منا يتوقف عن جعل مزاج الآخر شهادة يومية على قيمته.
هذه هي محبتي لكِ الآن: ليست درعًا ألمّعه أمامكِ، بل مكان أضع فيه الدرع جانبًا وأبقى. رجلًا قد يقلق ويخطئ ويتعب، لكنه لا يختبئ منكِ ولا يستخدمكِ ليختبئ من نفسه. وإذا استطعتُ أن أكون أمامكِ بهذه الحقيقة، وأن أمنحكِ الحق نفسه أمامي، فسأعرف أن ما بيننا ليس صورة جميلة للحب، بل حياة تستطيع أن تسكنها روحان بسلام.
أمامكِ دون درع
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً