الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

ما تصلحه يداك

أحبكِ في التفاصيل التي لا يصفق لها أحد. أحبكِ حين تمرين في البيت فتتركين وراءكِ أشياء صغيرة وقد عادت إلى أماكنها، كأن يديكِ تعرفان بالفطرة أين تستريح الفوضى. ترفعين الكوب عن حافة الطاولة قبل أن يسقط، تطوين طرف الغطاء الذي ظلّ يجرّ نفسه على الأرض، وتعيدين إلى القلم غطاءه قبل أن يجف. قد تبدو هذه أفعالًا عابرة، لكنها في عينيّ ليست عابرة أبدًا؛ إنها طريقتكِ الهادئة في إخبار العالم أنكِ لا تتركين ما تحبينه عرضة للتلف.

في ظهيرة ذلك اليوم الماطر، كنتِ جالسة قرب النافذة، تحملين معطفي الداكن فوق ركبتيكِ. كان زرّه الأخير قد انفصل وبقي متعلقًا بخيط رفيع، يتأرجح كلما حملته كشيء يوشك أن يغادر ولا يعرف كيف. لم تطلبي مني أن أشتري معطفًا جديدًا، ولم تقولي إن الزر لا يستحق الوقت. أحضرتِ علبة الخياطة الصغيرة، تلك التي تختلط فيها البكرات بالدبابيس وبزرّ وحيد لا ينتمي إلى أي ثوب، واخترتِ خيطًا قريبًا من لون القماش. ثم جلستِ تصلحين ما كدتُ أعدّه تافهًا.

كنتُ أراقبكِ من الجهة الأخرى للطاولة. عضضتِ طرف الخيط برفق، ضيّقتِ عينيكِ كي يمر من ثقب الإبرة، وحين أخفقتِ أول مرة ضحكتِ من نفسكِ ضحكة قصيرة. لا أعرف لماذا بقيت تلك الضحكة في قلبي أطول من صوت المطر. ربما لأنكِ لم تكوني تحاولين الظهور جميلة، فكنتِ أجمل. وربما لأن الحب، في تلك اللحظة، لم يكن وعدًا كبيرًا ولا جملة محفوظة؛ كان إصبعكِ يحمي القماش من سن الإبرة، وكان صبركِ يدور بالخيط مرة بعد مرة حول زر صغير.

وحين انتهيتِ، شددتِ الزر لتختبري ثباته، ثم رفعتِ المعطف نحوي وقلتِ بعفوية إنه صار آمنًا الآن. لم تكوني تعرفين أن الكلمة أصابت في داخلي موضعًا بعيدًا عن المعطف. أنا الذي عشت طويلًا وأنا أظن أن الأمان باب مغلق بإحكام، أو حساب يكفي للطوارئ، أو خطة لا تترك للمصادفة ثغرة، فهمتُ فجأة أن الأمان قد يكون إنسانة ترى الجزء المرتخي منك، فلا تنتزعه ولا تعيّرك به، بل تجلس إلى جانبه وتمنحه خيطًا جديدًا.

أنتِ تفعلين ذلك بي أكثر مما تعلمين. لا تصلحينني كما لو أنني عطل، ولا تعاملين ضعفي كمهمة ثقيلة. تقتربين فقط بالقدر الذي لا يجرح كرامتي، وتسألين بصوتكِ العادي إن كنتُ بخير. وإذا قلت نعم بينما وجهي يقول شيئًا آخر، لا تحاصرينني بالأسئلة. تتركين قرب صمتي مساحة دافئة، وتنتظرين. لهذا أتكلم معكِ في النهاية؛ لا لأنكِ تنتزعين الكلام مني، بل لأن حضوركِ يجعل اختباءه متعبًا أكثر من خروجه.

أحب فيكِ أنكِ لا تخافين من النسخ غير المرتبة مني. تعرفينني حين أكون خفيفًا ومقبلًا على الحياة، لكنكِ تعرفين أيضًا وجهي الذي يصل إلى آخر النهار مثقلًا بأصوات الطريق، وبخيبات لم أستطع شرحها، وبأفكار تتزاحم حتى لا أجد مكانًا لنفسي بينها. عندها لا تطلبين مني أن أتحول فورًا إلى رجل مرح من أجل راحتكِ. تمنحينني حق التعب، وهذا من أندر أشكال الرحمة؛ أن يحبكِ أحد من دون أن يشترط عليكِ أن تكوني سهلة الحب كل يوم.

ولأنكِ تفعلين هذا معي، أريد أن أكون لكِ المكان نفسه. أريدكِ أن تعرفي أنني لا أحب النسخة التي تبتسم فقط، ولا أختاركِ بسبب قدرتكِ على جعل الأيام أخف. أحبكِ أيضًا حين تتعبين من قوتكِ، حين ترفض الكلمات أن تخرج مرتبة، وحين يضيق صدركِ من أمر قد يراه غيركِ بسيطًا. لا يلزمكِ أن تقدمي لي تقريرًا مقنعًا عن حزنكِ. يكفيني أن تقولي إن قلبكِ ثقيل، لأجلس بقربه من غير أن أطلب منه أن يعتذر عن وزنه.

لا أريد أن أصير في حياتكِ صوتًا آخر يخبركِ بما ينبغي أن تكونيه. العالم يفعل ذلك بما يكفي. يقول لكِ كوني أهدأ، أصلب، أجمل، أسرع في التجاوز، وأقل حساسية لما يؤلم. أما أنا فأريد أن أكون الصوت الذي يذكركِ بأنكِ لستِ مشروع تعديل دائم. أنتِ إنسانة كاملة حتى في ارتباككِ، جديرة بالمحبة حتى حين لا تنجزين شيئًا، وجديرة بأن تُحاطي بالحنان من دون أن تدفعي ثمنه تفوقًا أو تضحية أو ابتسامة.

تعجبني طريقتكِ في ملاحظة ما لا يراه الآخرون. تنتبهين إلى أن النبتة مالت نحو الضوء فتديرين أصيصها، وإلى أن صوتي تغيّر في منتصف العبارة فتسألين بعد أن ينصرف الجميع، وإلى أن عامل التوصيل يقف تحت المطر فتفتحين الباب قبل أن يضطر إلى الطرق ثانية. قلبكِ لا يعمل أمام الجمهور؛ يواصل عمله حين لا توجد عين تنتظر منه مشهدًا جميلًا. ولهذا أثق بخيركِ، لأنه لا يحتاج إلى شاهد كي يكون حقيقيًا.

ومع ذلك، أخاف أحيانًا أن يستهلككِ هذا الانتباه. أخاف أن تنشغلي بإعادة الأزرار إلى معاطف الآخرين وتنسي أن بعض ما فيكِ يحتاج إلى من يراه. لذلك أرجوكِ، حين تتعب يداكِ، ضعي الأشياء جانبًا. اتركي الكوب في مكانه، والغطاء منسدلًا، والرسالة بلا جواب. العالم لن ينهار إن لم تصلحيه في مساء واحد. وأنا لن أحبكِ أقل إذا لم تكوني الشخص الذي ينقذ اليوم من فوضاه. أريدكِ حاضرة، لا مستنزفة؛ مطمئنة، لا مثالية.

أعدكِ أن أتعلم تفاصيلكِ كما تعلمتِ تفاصيلي. سأعرف الفرق بين سكوتكِ الذي يريد صحبة وسكوتكِ الذي يحتاج إلى نافذة مفتوحة ومسافة. سأنتبه إلى الأشياء التي تستنفدكِ قبل أن تضطري إلى إعلان تعبكِ. سأحفظ ما يريحكِ في الأيام المزدحمة: حرارة الشراب التي تحبينها، الضوء الذي لا يؤذي عينيكِ، والكلمة التي تفتح فيكِ بابًا بدل أن تزيد الجدار ارتفاعًا. لن أنجح دائمًا، لكنني لن أتعامل مع معرفتكِ كأنها درس أنهيته؛ سأبقى تلميذًا لروحكِ ما دامت تتغير وتنمو.

أنا لا أحلم بحب بلا أعطال. هذه فكرة تصلح للحكايات القصيرة، لا لحياة طويلة يتبدل فيها الناس وتختبرهم الخسارات والعمل والقلق والمرض. أحلم بحب يعرف كيف يجلس أمام ما انكسر من دون هلع. حب لا يرمي أيامه كلها لأن يومًا واحدًا تمزق، ولا يستبدل القرب عند أول اختلاف. إذا ارتخى بيننا خيط، فلن أدعه يتدلى حتى ينقطع. سأتوقف، أنظر إليكِ، وأقول إن هناك شيئًا يستحق أن نصلحه معًا.

لكنني لا أريد للإصلاح أن يكون ترقيعًا يخفي الجرح. أريد صدقًا يفتح القماش ليرى موضع القطع، واعتذارًا لا يدافع عن الخطأ، وتغييرًا يمكن لمسه في الأيام التالية. إذا جرحتكِ يومًا، لن أطلب منكِ أن تنسي بسرعة كي أرتاح. سأسمع أثر ما فعلت، وسأمنحكِ وقتكِ، ثم أعمل كي لا يتكرر الألم بالاسم نفسه والذريعة نفسها. فالمحبة التي لا تغيّر سلوكنا ليست سوى كلام أنيق يترك الآخر وحيدًا أمام الضرر.

وفي المقابل، أريدنا ألا نخاف من الاعتراف بأننا بشر. قد نفهم العبارة خطأ، وقد يأتي أحدنا إلى الحديث وهو يحمل تعبًا لا علاقة للآخر به. المهم ألا نحول الهفوة إلى هوية، ولا نستخدم أسرار القرب أسلحة في الخصام. أعرف أن الكلمات الغاضبة تستطيع أن تجد أدق الشقوق، ولهذا أريد لساننا، حتى في الخلاف، أن يتذكر البيت الذي بناه. لا نحتاج إلى الانتصار على بعضنا؛ نحتاج إلى الخروج من العاصفة ونحن ما زلنا في الجهة نفسها.

أتخيل سنواتنا لا كصف طويل من المناسبات اللامعة، بل كأدراج تمتلئ بأشياء تبدو بلا قيمة لغيرنا: إيصال احتفظنا به لأننا كتبنا خلفه فكرة مضحكة، حجر صغير التقطتِه من طريق بعيد، ملعقة احترق مقبضها في أول وجبة طبخناها، وزر احتياطي ظل في علبة الخياطة حتى جاء دوره. هذه الأشياء لا تساوي مالًا، لكنها ستكون مفاتيح خفية. يكفي أن نلمس إحداها كي يفتح فينا يوم كامل برائحته وصوته والنسخة التي كناها.

ربما لهذا لا أبحث معكِ عن حياة مدهشة طوال الوقت. الدهشة تلمع ثم تخفت، أما الألفة الصادقة فتتعلم كيف تمنح الضوء للأيام العادية. أريد صباحات لا يحدث فيها سوى أنكِ تمرين بقربي وشعركِ لم يقرر شكله بعد، فأشعر أن العالم مضبوط بما يكفي. أريد أن نتقاسم قائمة مشتريات، وأن نختلف على مكان رف، وأن نضحك لأننا نسينا لماذا دخلنا الغرفة. تلك ليست هوامش الحب؛ إنها صفحاته التي يعيش فيها فعلًا.

سأظل أحتاج إلى كلمات الحب، ولن أتظاهر بأن الأفعال تغني عنها كلها. سأقول لكِ إنني أحبكِ حين يكون القول ضروريًا، وحين لا يكون، وحين تعرفين وحين تشكين. لكنني أريد للكلمة أن تجد ما يسندها: موعدًا أحترمه، إنصاتًا لا أقطعه بهاتفي، يدًا تمتد إلى العبء قبل أن تطلبي، وموقفًا واضحًا حين تحتاجين إلى من يقف إلى جانبكِ. أريد أن تسمعي الحب مني، ثم تنظري حولكِ فتجدين آثاره موزعة في يومكِ.

ومن بين كل ما تمنحينه لي، لعل أجمله أنكِ تعيدينني إلى نفسي من غير أن تقوديني إليها بالقوة. قربكِ لا يمحو شخصيتي، بل يزيل عنها الغبار. معكِ أتذكر أن في داخلي لينًا لم تقتله القسوة، وقدرة على البدء لم تستنفدها المحاولات القديمة. لا تجعلينني شخصًا آخر؛ تجعلينني أقل خوفًا من الشخص الذي أستطيع أن أكونه. وهذه هدية لا توضع في صندوق، ولا تكفيها مناسبة واحدة للشكر.

بعد أن ناولتِني المعطف، ارتديته أمامكِ على سبيل المزاح، مع أن البيت كان دافئًا. أغلقتُ الأزرار كلها، وتعمدت أن أتوقف عند الزر الذي أصلحتِه. كان ثابتًا تحت أصابعي، لا يختلف في الظاهر عن بقية الأزرار، لكنني وحدي كنت أعرف أن خيطًا جديدًا يسنده. نظرتِ إليّ مستغربة، ثم ابتسمتِ عندما قلت إن المعطف صار أفضل مما كان. لم أخبركِ وقتها أنني لم أكن أتحدث عن المعطف وحده.

منذ ذلك اليوم، كلما لامستُ ذلك الزر تذكرت أن الحب ليس أن نجد إنسانًا لا ينقصه شيء، بل أن نجد من لا يفزع من الأجزاء التي تحتاج عناية. وتذكرت أيضًا أن العناية ليست وظيفة طرف واحد. كما أمسكتِ معطفي فوق ركبتيكِ، أريد أن أحمل عنكِ ما يمكن حمله؛ لا لأثبت بطولة، بل لأمنح يديكِ فرصة أن ترتاحا مفتوحتين، بلا إبرة ولا مهمة ولا شيء مهدد بالسقوط.

تعالي كما أنتِ، بما أنجزتِ وما أجلتِ، بما فهمتِ وما لا يزال يربككِ. اجلسي إلى جواري من دون أن ترتبي قلبكِ قبل الوصول. إن وجدتِ في روحكِ خيطًا مرتخيًا، فلن أشده بعنف ولن أتظاهر أنني لا أراه. سأبقى قريبًا، وأسألكِ كيف تحبين أن أساعد. وإن لم تكوني بحاجة إلى إصلاح شيء، فسأشارككِ الصمت حتى يستعيد الليل هدوءه.

أحبكِ لأنكِ جعلتِ العناية لغة يمكنني رؤيتها ولمسها. وأحبكِ لأنكِ، من دون خطب كبيرة، علمتِني أن البقاء ليس وقوفًا جامدًا في المكان، بل حركة رقيقة ومتكررة نحو ما نختاره: غرزة بعد غرزة، سؤالًا بعد سؤال، ويومًا بعد يوم. وإذا سألني أحدهم يومًا كيف يبدو الحب حين يخلع زينته، فسأتذكر مطرًا على النافذة، ومعطفًا فوق ركبتيكِ، وزرًا صغيرًا صار ثابتًا، وقلبي وهو يفهم أخيرًا أن له مكانًا آمنًا بين يديكِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً