الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

قائمة تشبه بيتًا

أتذكر ذلك الصباح الذي خرجنا فيه إلى السوق من أجل أشياء قليلة، ثم عدنا ومعنا ما يكفي لملء حقيبتين وحكاية لا تزال تبتسم كلما مرت بذهني. كنتِ قد كتبتِ القائمة على ظهر إيصال قديم، بخط صغير يميل قليلًا إلى الأعلى: أرز، صابون برائحة الليمون، خيط أبيض، شاي، ومصباح للممر. أضفتِ في الأسفل كلمة «فراولة» ثم وضعتِ حولها دائرة، كأنها ليست غرضًا بل موعد فرح ينبغي ألا ننساه.

لم أسألكِ يومها لماذا احتفظتِ بورقة صغيرة كهذه بدل أن تكتبي حاجاتنا في الهاتف. كنتِ تمسكينها بين إصبعين وتراجعينها عند كل بسطة، تشطبين ما اشتريناه، وتتركين بجوار بعض الكلمات علامات لا يفهمها سواكِ. أعجبني أنكِ منحتِ الأشياء العادية عناية تليق بما هو مهم. حتى كيس الشاي لم يكن عندكِ مجرد علبة؛ كنتِ تفكرين في الأمسيات التي سنعود فيها متعبين، وفي كوبين يخففان ثقل اليوم من غير خطبة طويلة.

قرب نهاية السوق، هبّت ريح مفاجئة وانتزعت القائمة من يدكِ. ارتفعت الورقة فوق صناديق الخضار، دارت لحظة كطائر مرتبك، ثم اندفعت نحو الرصيف. ركضتُ خلفها على نحو أضحك البائعين، بينما وقفتِ أنتِ تضحكين وتقولين إننا حفظنا كل ما فيها. لم أقتنع. تبعتها حتى انزلقت تحت عجلة دراجة مركونة، وانحنيتُ لأخرجها قبل أن يبللها المطر الذي بدأ بنقطتين ثم تكاثر.

حين رفعتُ رأسي، رأيتكِ واقفة تحت مظلة خضراء، تضمين الحقيبتين إلى صدركِ وتضحكين تلك الضحكة التي تبدأ صامتة ثم تظهر في عينيكِ قبل صوتكِ. كان طرف شعركِ قد ابتل، وكنتِ تنظرين إليّ كأنني أنجزتُ بطولة سخيفة وعزيزة في الوقت نفسه. مددتُ لكِ الورقة منتصرًا، فقلتِ: «خفتَ على القائمة أكثر مني». أردتُ أن أجيبكِ أنني لم أركض خلف الورق، بل خلف المعنى الذي صار له لأنه مرّ من يدكِ.

ربما لهذا أحب القوائم التي تكتبينها. إنها تكشف لي الطريقة التي تتخيلين بها الحياة: لا تبدأ عندكِ من القرارات الضخمة وحدها، بل من التفاصيل التي تجعل المكان صالحًا لأن نسكنه بقلوبنا. مصباح للممر كي لا يتعثر أحدنا ليلًا. خيط أبيض لإصلاح زر قبل أن يسقط. صابون تختارين رائحته لأن اليدين تستحقان شيئًا لطيفًا حتى بعد أعمال متعبة. وفراولة لا ضرورة لها، لكنها تذكير بأن الضروري وحده لا يكفي لصنع يوم جدير بالتذكر.

أحبكِ لأنكِ لا تنتظرين بيتًا كاملًا كي تبدئي العناية به. تضعين كوب الماء قرب السرير قبل أن يطلبه أحد، وتفتحين الستارة قليلًا لنبتة لا تستطيع الدفاع عن حاجتها إلى الشمس، وتتركين آخر قطعة حلوى لمن سيعود متأخرًا. قد تمر هذه الأفعال أمام غيري بلا انتباه، أما أنا فأراها لغة كاملة. إنها طريقتكِ في قول: أعرف أن العالم قاسٍ بما يكفي، ولذلك سأخفف خشونته في المساحة التي تستطيع يدي الوصول إليها.

ولا أريد أن آخذ هذا الحنان كأنه مورد لا ينفد. أعرف أن المرأة التي تتذكر حاجات الآخرين قد يتوهم الجميع أنها لا تنسى نفسها، وأن التي تصلح التفاصيل قبل أن يلاحظها أحد قد تبقى أعطالها الداخلية بلا سؤال. لذلك أريد أن أتعلم قائمتكِ التي لا تكتبينها. أن ألاحظ نومكِ الناقص، والموضوع الذي تغيرينه سريعًا، والابتسامة التي تؤدينها كي لا تقلقي أحدًا. لا لأقتحم صمتكِ، بل كي لا يضطر قلبكِ إلى رفع صوته حتى أصدقه.

إذا قلتِ إنكِ متعبة، فلن أطلب ملفًا من الأدلة. وإذا احتجتِ إلى يوم لا تنجزين فيه شيئًا، فلن أحسب قيمتكِ بما بقي من المهام. أريدكِ أن تعرفي أن مكانكِ عندي لا يحتاج إلى تجديد يومي بالخدمة والصبر والتنازل. أنتِ محبوبة حين ترتبين الفوضى، ومحبوبة حين تكونين أنتِ الفوضى التي تحتاج إلى يد هادئة. ومحبوبة حين تمنحين، وحين لا يبقى لديكِ ما تقدمينه سوى حضوركِ الصامت.

سأحاول أن أشارككِ حمل الأشياء قبل أن تنحني كتفاكِ تحتها. ليس لأنكِ عاجزة، بل لأن الشراكة لا تُقاس بقدرة أحدنا على الاحتمال منفردًا. سأعرف ما ينقص البيت من دون أن أجعلكِ ذاكرته الوحيدة، وسأتذكر المواعيد التي تخصنا، وأصغي إلى التفاصيل الصغيرة التي تقولينها في منتصف حديث آخر. لا أريد أن يصبح اهتمامي مساعدة موسمية أفتخر بها؛ أريده جزءًا طبيعيًا من حياتنا، مثل باب يغلق جيدًا فلا نفكر فيه كل ليلة.

وأعرف أنني سأخطئ أحيانًا. قد أشتري النوع الخطأ، أو أنسى أمرًا كان واضحًا في ذهنكِ، أو أظن أن إنجاز المهمة يكفي بينما كنتِ تحتاجين إلى مشاركتي في التفكير بها. حينها لا أريد أن أدافع عن نيتي وأترككِ وحدكِ مع النتيجة. سأسمعكِ حتى النهاية، وأعتذر عن الأثر لا عن الصورة التي كنت أتمنى أن أبدو بها. فالحب لا يصير ناضجًا لأننا نتوقف عن الخطأ؛ يصير كذلك حين لا نجعل الخطأ عبئًا إضافيًا على من تأذى منه.

تلك القائمة المبتلة قليلًا بقيت معي بعد أن عدنا. وجدتها في جيب معطفي حين كنت أعلقه، وقد تجعد طرفها وصارت بعض الكلمات أخف بسبب المطر. فكرتُ أن أرميها، ثم وضعتها في درج مكتبي. لم أفعل ذلك لأنني مولع بتكديس الأوراق، وإنما لأن شكلها لخص شيئًا أخاف أن أنساه: الحياة التي أريدها معكِ لن تكون مجموعة مشاهد عظيمة متتابعة؛ ستكون أشياء نحتاجها، وأشياء نرغب بها، وأخرى نكتشف في الطريق أننا نسيناها.

ستكون هناك أسابيع مرتبة كخطكِ في أول القائمة، وأسابيع تشطبها الظروف وتكتب فوقها. قد نخطط لسفر فيؤجله مرض، أو ندخر لشيء ثم تذهب النقود إلى إصلاح لم نتوقعه. قد تتغير المدن التي نعرفها، والأعمال التي نقوم بها، وحتى مذاق الشاي الذي نفضله. لا أطلب من المستقبل أن يطيع الورقة. أطلب فقط أن نبقى قادرين على الوقوف معًا أمام التغيير، وأن نسأل: ما الذي نحتاجه الآن، لا ما الذي ظننا أننا سنحتاجه قبل سنوات؟

لا أريد أن أحب النسخة القديمة منكِ وأحاسبكِ كلما ابتعدتِ عنها. ربما يأتي يوم لا تعود فيه الأشياء التي أسعدتكِ قادرة على لمس قلبكِ، وربما يظهر فيكِ شغف لم أعرفه حين التقينا. سأكون فضوليًا تجاه المرأة التي تصيرينها، لا حارسًا على المرأة التي حفظتها. سأترك لكِ حق شطب حلم، وإضافة آخر في الهامش، وتمزيق قائمة كاملة إذا اكتشفتِ أنها كُتبت تحت خوف لا تحت رغبة.

وأتمنى أن تمنحيني الحق نفسه. إن تغيرتُ، اسأليني قبل أن تخافي مني. وإن ابتعدتُ عن حلم قديم، لا تظني أنني ابتعدتُ عنكِ معه. قد نتعلم أن بعض الطرق لم تكن لنا، وأن الرجوع منها ليس هزيمة. المهم ألا نخفي تحولاتنا حتى يصير كل منا غريبًا مهذبًا إلى جوار الآخر. أريد الصراحة التي قد تربك مساءً، لكنها تنقذ سنوات من التمثيل.

سأقول لكِ أيضًا ما أحتاجه بدل أن أتوقع منكِ قراءته في وجهي. لن أعاقبكِ بالصمت لأنكِ لم تفهمي إشارة صنعتها في رأسي، ولن أضع محبتكِ في امتحان أسئلته سرية. سأحاول أن أكون واضحًا: هذه الكلمة آلمتني، وهذا اليوم أثقلني، وهذه المسافة أحتاجها لأهدأ، وهذا القرب أحتاجه كي لا أغرق وحدي. من الظلم أن أطلب منكِ العثور عليّ ثم أخفي الخريطة.

وأريدنا أن نحتفظ بما لا ضرورة له. بالفراولة المحاطة بدائرة، وبالمشي في شارع أطول لأن أشجاره أجمل، وبفيلم رديء نضحك على أخطائه، وبهدية صغيرة لا تحل مشكلة. المسؤوليات بارعة في احتلال المساحة كلها، وإذا لم نحرس الفرح صار أول ما نحذفه عندما يضيق الوقت. لكن القلب لا يعيش على الواجب وحده. يحتاج إلى أشياء لا تدافع عن وجودها بمنفعة، وإنما تقول ببساطة إننا لسنا آلات لإتمام الأيام.

بعد السوق احتمينا بمدخل متجر مغلق. وضعتِ الحقيبتين على الأرض، وأخذتِ الورقة من يدي لتراجعيها للمرة الأخيرة. اكتشفتِ أننا نسينا المصباح، فضحكتِ أكثر وقلتِ إن إنقاذ القائمة لم ينقذ ذاكرتنا. كان المطر يضرب حافة المظلة المعدنية، والناس يسرعون أمامنا، بينما بقينا دقيقة نقرر هل نعود أم نشتريه في يوم آخر. اخترنا أن نعود، لا لأن المصباح عاجل، بل لأننا لم نرد أن نغادر الحكاية بنقص كان في وسعنا إصلاحه.

مشينا تحت مظلة واحدة لا تكفي لكتفين، فابتل نصف ذراعي ونصف ذراعكِ. كنتِ تحاولين دفع المظلة نحوي، وأعيدها نحوكِ، حتى صرنا نضحك من المساواة المستحيلة. عندها فهمتُ أن الحب قد يبدو من بعيد مثل تضحية، لكنه من الداخل حركة صغيرة متبادلة: كل واحد يحاول أن يبعد المطر عن الآخر، ثم يكتشفان أنهما سيصلان مبتلين قليلًا، وسعيدين لأن أحدًا لم يحتكر الجزء الجاف.

حين أفكر في بيتنا الممكن، لا أتخيله ساكنًا أو مثاليًا. أراه مكانًا تُنسى فيه المفاتيح أحيانًا، ويحترق فيه الخبز، ويتأخر الغسيل عن موعده. لكنني أراه أيضًا مكانًا لا يتحول فيه النقص إلى اتهام، ولا يُستخدم التعب تصريحًا بالقسوة. إذا انكسر شيء أصلحناه، وإذا تعذر الإصلاح ودعناه من غير أن نكسر بعضنا معه. وإذا ضاق بنا المكان، فتحنا نافذة للكلام قبل أن نبحث عن باب للهروب.

أريد أن يكون لي في يومكِ موضع لا يشبه مهمة أخرى. حين تأتين إليّ، لا أريدكِ أن تشعري أنكِ مطالبة بأن تكوني لطيفة طوال الوقت، أو جميلة وفق مزاج العالم، أو ذكية في كل جواب. تعالي بما لديكِ: بضجركِ، بحيرتكِ، بنصف فكرة، وبحكاية كررتها من قبل. سأحاول ألا أنظر إلى هاتفي وأنتِ تجمعين الكلمات، وألا أختصر الطريق إلى قلبكِ بنصيحة لم تطلبيها. أحيانًا تكون أجمل العناية أن أمنح حديثكِ وقتًا لا يستعجله شيء.

وفي يومي، أريد أن أعرف أنني أستطيع الرجوع إليكِ من غير أن أخفي تعبي خلف نكتة. أن أضع ما أحمله على الأرض قليلًا، مثلما وضعنا حقيبتي السوق، وأن تجلسي قربي لا لتحملي كل شيء عني، بل لتذكّريني أنني لست مضطرًا إلى إثبات قوتي في كل ساعة. قربكِ لا يلغي ثقل الحياة، لكنه يعيد توزيع الوزن داخل روحي، فيصبح ما كان يسحقني شيئًا يمكن السير به خطوة أخرى.

لذلك احتفظتُ بالقائمة. كلما رأيتها أتذكر أنكِ لا تحتاجين إلى وعد هائل كي تعرفي أنني جاد. تحتاجين إلى رجل يتذكر المصباح، ويحمل حقيبة من غير أن ينتظر الثناء، ويلتفت إذا سمع في صوتكِ تعبًا غير معلن. وأنا لا أحتاج منكِ كمالًا أسطوريًا؛ أحتاج إلى صدقكِ، وإلى تلك الدائرة حول كلمة صغيرة، وإلى قلب يعرف أن الفرح بند أساسي حتى لو حاولت الأيام شطبه.

لو هبت الريح مرة أخرى، قد لا أركض خلف كل ورقة. فقد تعلمتُ أن ما يهم ليس الحبر، بل ما نصنعه معًا بعد أن تتبعثر الخطة. سأمسك يدكِ أولًا، ثم ننظر أين ذهبت الأشياء. سنستعيد ما يستحق، ونترك ما لم يعد لنا، ونكتب عند الحاجة قائمة جديدة على أي ورقة نجدها. وسأطلب منكِ أن تضعي حول رغبة صغيرة دائرة واضحة، كي لا نعود محملين بكل الضروريات ونكتشف أننا نسينا ما يجعل القلب يرغب في العودة إلى البيت.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً