أفكر في الزمن الذي يمر بكِ، لا بوصفه لصًّا يتسلل إلى ملامحكِ، بل بوصفه يدًا تضيف إليكِ ما لا تستطيع المرآة أن تعرضه. أعرف أن العالم يكرر على مسامع المرأة كلامًا قاسيًا ومغلفًا بالنصيحة: حافظي على وجهكِ كما كان، وعلى جسدكِ كما عرفه الناس، وعلى خفتكِ مهما ثقل يومكِ، وابتسمي كأن السنوات لا تترك في الروح أثرًا. أما أنا فلا أريد منكِ أن تحاربي عمركِ كي تبقي جديرة بحبي. أحب عمركِ كله؛ ما مضى منه، وما يسكنكِ الآن، وما سيأتي حاملًا تغيّراته التي لا أعرفها بعد.
أحب أن أنظر إليكِ فلا أبحث عن نسخة قديمة أقارنها بكِ. لا أريد لصورة التقطت منذ أعوام أن تصبح قاضيًا يحاكم وجهكِ اليوم، ولا لفستان كان يناسبكِ في موسم بعيد أن يقرر مقدار رضاكِ عن نفسكِ هذا الصباح. الصور تحفظ لحظة، لكنها لا تحفظ ما تعلّمته صاحبتها بعد تلك اللحظة، ولا الليالي التي عبرتها، ولا القرارات التي صنعتها، ولا المرات التي قامت فيها من مكان ظنت أنها لن تغادره. أنتِ اليوم لستِ ما تبقى من امرأة سابقة؛ أنتِ حصيلة امرأة واصلت العيش.
حين تقفين أمام المرآة وتزيحين خصلة شعر لتتفحصي خيطًا فضيًّا ظهر فيها، أريدكِ أن تعرفي أنني لا أراه خللًا طارئًا يحتاج إلى إخفاء. أراه جزءًا منكِ وصل قبل بقية الخصل، وربما يحمل ذكرى ليلة سهرتِ فيها على من تحبين، أو عامًا اضطررتِ فيه إلى أن تكوني أقوى مما ينبغي. وإن اخترتِ أن تصبغيه، فافعلي لأن اللون يبهجكِ، لا لأنكِ تخافين أن يقل حبي إذا ظهر الزمن فوق رأسكِ. وإن تركتِه، فلا تتركيه لتثبتي شجاعة لأحد. جسدكِ ليس بيانًا عامًا؛ إنه بيتكِ، ولكِ أن ترتبيه بالطريقة التي تمنحكِ الراحة.
سيتغير وجهكِ، وسيتغير وجهي. ستظهر حول عينيكِ خطوط صنعتها الضحكات والقلق والشمس والسهر، وستهبط جفوني قليلًا، وقد نصير أبطأ في النزول على الدرج وأسرع في البحث عن مقعد. لا أقول هذا بحزن مصطنع، ولا أحاول أن أحوّل الشيخوخة إلى قصيدة جميلة تخفي أوجاعها. أعرف أن التقدم في العمر قد يحمل تعبًا حقيقيًّا، وخسارات صغيرة لا يلاحظها الآخرون: اسمًا يتأخر على طرف اللسان، مفصلًا يعترض على رحلة، أو صباحًا يحتاج فيه الجسد إلى وقت أطول كي يبدأ. لكنني لا أريد أن نضيف إلى ذلك كله خجلًا من أننا لم نبقَ كما كنا.
إذا تغير وزنكِ، فلن أتعامل مع جسدكِ كأنه وعد أخلفتِه لي. لن أقول لكِ إنكِ جميلة ثم أراقب طبقكِ، ولن أحوّل المديح إلى باب خلفي للنقد، ولن أختصر صحتكِ في رقم أو مقاس. سأساند ما تختارينه لراحتكِ وعافيتكِ، وسأتعلم أن أسأل بدل أن أفترض: هل تريدين تشجيعًا، أم رفقة، أم أن أترك الموضوع وشأنه؟ لأن الحب الذي يدّعي حماية الجسد ثم يزرع فيه الخوف من نظرة صاحبه ليس حماية، بل رقابة ترتدي صوت الحنان.
وأعرف أنكِ قد تخشين يومًا أن تتغير طاقتكِ، أن تعجزي عن منح الجميع الوقت نفسه، أو أن يصبح ما كنتِ تنجزينه في ساعة محتاجًا إلى صباح كامل. حين يحدث ذلك، لن أقيس قيمتكِ بكمية ما تفعلينه. أنتِ لستِ سرعة مطبخ، ولا ترتيب غرفة، ولا قدرة لا تنفد على استقبال طلبات الآخرين. إذا تعب كتفكِ حملتُ ما أستطيع، وإذا احتجتِ إلى الراحة فلن أحوّل راحتكِ إلى دين أذكّركِ به. وسأقبل أنا أيضًا أن أتعب أمامكِ؛ فلا نجعل من العمر منافسةً في إخفاء الضعف.
ما أريده لنا هو أن نتغير ونحن نتكلم. أن تخبريني حين لا يعود شيء قديم يناسبكِ: عادة، أو مكان، أو طريقة في المزاح، أو حتى صورة كنتِ تحملينها عن نفسكِ. لا تقومي بالدور نفسه إلى الأبد لأنني أحببتكِ وأنتِ تؤدينه في البداية. ربما كنتِ أكثر صمتًا ثم تعلمتِ الكلام، أو أكثر اندفاعًا ثم صرتِ تختارين معارككِ، أو كنتِ تستمتعين بأماكن مزدحمة ثم أصبحتِ تفضلين نافذة هادئة وكوبًا لا يبرد سريعًا. لن أتهمكِ بأنكِ لم تعودي المرأة التي عرفتها؛ سأعتبر أن معرفتي بكِ تحتاج إلى أن تكبر معكِ.
وأنا أيضًا لن أبقى الرجل نفسه. قد تتبدل آرائي، وقد أفقد شيئًا من قوتي، وقد أصبح أقل احتمالًا للضجيج وأكثر حاجة إلى الطمأنينة. لا أطلب منكِ أن تحبي كل تغير يحدث لي، ولا أعدكِ بأن كل ما فينا سيزداد حسنًا بمرور الأعوام. بعض الطباع تشتد إن لم ننتبه إليها، وبعض المخاوف تتخفى في صورة حكمة، وبعض الصمت يصير جدارًا. لذلك أريدنا أن نميز بين التغير الذي ينبغي احتضانه والخطأ الذي ينبغي مواجهته. قبول العمر لا يعني أن نعفي أنفسنا من الاعتذار أو النمو؛ يعني فقط ألا نحتقر العلامات الطبيعية لأننا بشر.
قد يأتي يوم لا نلتقط فيه عشر صور قبل أن نرضى عن واحدة. ربما نخرج في لقطة بعين نصف مغمضة، أو شعر حرّكه الهواء، أو يدين تظهر عليهما العروق. أتمنى أن نحتفظ ببعض تلك الصور كما هي، لا لأن الإهمال فضيلة، بل لأن الذاكرة تستحق دليلًا صادقًا على أننا كنا هناك. أريد حين نراها بعد سنوات أن نتذكر رائحة المكان وما قلناه بعد انطفاء الكاميرا، لا أن ننشغل بالسؤال عمّن بدا أصغر. العمر الذي نقضيه في تعديل آثار الحياة من وجوهنا قد يفوّت علينا أن نعيشها.
ولا أريدكِ أن ترتدي ما يرضيني على حساب شعوركِ بنفسكِ. إن أحببتِ ثوبًا واسعًا لأنه يمنحكِ حرية، فلا تنتظري رأيًا يمنحه الشرعية. وإن وضعتِ لونًا جريئًا بعد زمن من الألوان الهادئة، فلن أسألكِ عمّن تريدين لفت انتباهه. أريد أن أكون الرجل الذي تتسع بقربه اختياراتكِ، لا الرجل الذي تضيق خزانة ملابسكِ بسبب ملاحظاته. يكفيني أن أراكِ تتحركين من دون أن تشدي القماش خوفًا من حكم، وأن تجلسي من دون حساب الزاوية التي تخفي هذا الجزء أو ذاك.
أحب فيكِ ذلك الجمال الذي لا يمكن تجميده: الطريقة التي صار بها صوتكِ أكثر ثباتًا حين تقولين «لا»، والهدوء الذي اكتسبته يداكِ في معالجة الأشياء الصعبة، وقدرتكِ المتزايدة على مغادرة حديث يؤذيكِ من دون شرح طويل. هذه ليست تفاصيل تظهر في صورة قبل وبعد، لكنها أكثر ما يلفتني فيكِ. كل عام يأخذ شيئًا، نعم، لكنه يمنح أيضًا لغةً أدق وحدودًا أوضح ورحمةً لا تأتي من الجهل بالألم. وحين أقول إنكِ جميلة، فأنا لا أقدم مجاملة ضد الزمن؛ أنا أرى ما فعله الزمن بكِ وما فعلتِه أنتِ بما أعطاكِ.
إذا سألتِني بعد أعوام: «هل ما زلتَ تراني؟» فلن أجيبكِ بسرعة كي أنهي خوفكِ. سأقترب، وأنظر جيدًا، وأخبركِ بما أراه في ذلك اليوم تحديدًا. سأقول إن التعب واضح إن كان واضحًا، وإن عينيكِ تحتاجان إلى نوم، وإن ابتسامتكِ جاءت متأخرة لكنها وصلت. لن أطمئنكِ بكلمات محفوظة لا تمس اللحظة. أريد لمديحي أن يكون ملاحظة، لا واجبًا؛ وأن تعرفي من دقته أنني لم أستبدل حضوركِ في عيني بصورة قديمة أكررها مهما تغيرتِ.
وقد لا نملك دائمًا الشجاعة نفسها. يمكن أن نخاف من المرض، ومن فقدان الاستقلال، ومن أن يضطر أحدنا إلى مساعدة الآخر في أشياء كان يؤديها وحده. لا أعدكِ بأنني سأكون مثاليًّا تحت كل ضغط؛ قد أرتبك أو أتعب أو أحتاج إلى من يعينني. لكنني أعدكِ بأمر أصدق: لن أجعل حاجتكِ إلى المساعدة سببًا لإذلالكِ، ولن أتحدث عن تفاصيل ضعفكِ أمام الناس كأنها حكايات خفيفة. سأطلب العون حين يفوقني الأمر، وسنبحث عن حلول تحفظ كرامتنا معًا، لأن المحبة لا تُقاس بأن يفعل شخص واحد كل شيء، بل بأن يبقى الإنسان مرئيًّا داخل حاجته.
أريد أن نصنع منذ الآن عادات تصلح للسنوات المقبلة: أن نفحص صحتنا من دون هلع، وأن نرتاح من دون شعور بالذنب، وأن نوفر للأيام الصعبة قبل وصولها، وأن نسمح لأصدقائنا وعائلاتنا بالبقاء قريبين فلا يتحول حبنا إلى غرفة مغلقة على اثنين. أريد بيتًا يستطيع استقبال تغيراتنا؛ كرسيًّا مريحًا لا نخجل من حاجتنا إليه، ضوءًا جيدًا للقراءة، ومساحةً نتراجع إليها حين يحتاج كل منا إلى الصمت. تبدو هذه أمورًا صغيرة، لكنها عندي شكل واقعي من أشكال قول: أريدكِ في المستقبل.
وحين يمدح الناس صورة قديمة لكِ بقولهم إنكِ كنتِ أجمل، لن أشاركهم الحنين المهين. قد أقول إنكِ كنتِ جميلة، نعم، لكنني لن أضع الماضي في مواجهة الحاضر. المرأة في الصورة لم تكن تعرف بعض ما تعرفينه الآن، ولم تكن قد نجت من كل ما نجوتِ منه، ولم تكن قد ضحكت الضحكات التي رسمت حول فمكِ هذا الهدوء. لا ينبغي لأحد أن يستخدم شبابكِ السابق ليجعلكِ غريبةً عن وجهكِ الحالي. أنتِ صاحبة الوجهين، وصاحبة الطريق بينهما.
لهذا، حين أخبركِ أنني أحب عمركِ كله، لا أقصد أنني أتغاضى عن تغيركِ كما يتغاضى المرء عن عيب. أقصد أن تغيركِ جزء من الشخص الذي اخترته، وأن الزمن ليس منافسًا لي فيكِ. لن أطالبكِ بأن تعودي، لأنني أريد أن أذهب معكِ. أريد أن أعرف المرأة التي ستصيرين إليها، وأن أدعها تفاجئني، وأن أعيد ترتيب حبي كلما احتاج حضورها الجديد إلى مكان أوسع.
وأريد للمسة بيننا أن تكبر هي الأخرى. ألا تبقى مطالبةً دائمة بأن نكون في أفضل هيئة أو مزاج، بل تصبح لغةً تعرف متى تحتفل ومتى تهدئ ومتى تكتفي بأن تستقر اليد فوق اليد. سأتعلم شكل راحتكِ حين تتبدل، وسأحترم الأيام التي لا تريدين فيها قربًا جسديًّا، كما سأرحب بالأيام التي تحتاجين فيها إلى عناق أطول من الكلام. لا أريد أن يتحول مرور الوقت إلى مسافة صامتة نخجل من مناقشتها. سنسأل، ونصغي، ونضحك أحيانًا من ارتباكنا، ونترك للمودة أن تجد صورًا جديدة بدل أن نعلن غيابها لمجرد أنها لم تعد تشبه بداياتنا. فالحب الناضج لا يعيش على استنساخ اللحظة الأولى؛ يعيش لأنه يظل فضوليًّا ورقيقًا أمام الإنسان الذي يتغير بين يديه.
وفي صباح بعيد، إذا وقفنا أمام مرآة واحدة ورأينا أن السنوات سبقت اعترافنا بها، أتمنى ألا نسارع إلى صرف أعيننا. سأمد يدي إليكِ لا لأثبت أننا ما زلنا شابين، بل لأقول إننا ما زلنا هنا. وسأحب في انعكاسنا أن الزمن لم يحفظنا من التغير، بل منحنا فرصة أن نتغير معًا، من دون أن يعتذر أحدنا للآخر عن وجهه، أو جسده، أو بطء خطاه، أو عمره الحقيقي.
أحب عمركِ كله
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً