الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

ما صنعكِ قبلي

#

حين دخلتُ حياتكِ، لم أجد صفحةً بيضاء، ولم أتوقع ذلك.

وجدتُ امرأةً سبقتني إليها سنواتٌ كاملة؛ طفولة لا أعرف تفاصيلها، ووجوه مرّت في أيامها، وأبوابًا فُتحت لها وأخرى أُغلقت في وجهها، وأفراحًا صنعت ضحكتها، وخيباتٍ علّمتها أن تتردد قبل أن تمنح ثقتها.

أنا لم ألتقِ بكِ في بداية الحكاية.

وصلتُ بعد أن كتبت الحياة فيكِ الكثير، وبعد أن غيّرتكِ أشياء لم أكن حاضرًا حين حدثت. لهذا، لا يحق لي أن أحب النتيجة ثم أحتقر الطريق الذي صنعها، ولا أن أحتفي بقوتكِ بينما ألوم الأيام التي أجبرتكِ على اكتسابها.

أريد أن أعرف ما صنعكِ قبلي، لكنني لا أريد أن أحقق معكِ.

هناك فرق بين رجل يسأل لأنه يريد الاقتراب، ورجل يسأل ليجمع معلومات يستخدمها لاحقًا في الشك والمقارنة. أنا لا أبحث في ماضيكِ عن تهمة، ولا أريد أن أحوّل اعترافاتكِ الصادقة إلى ملف أفتحه كلما اختلفنا.

احكي لي حين تشعرين بالأمان، لا حين تشعرين أنكِ مطالبة بالدفاع عن نفسكِ.

أخبريني عن الطفلة التي كنتِها؛ عمّا كان يفرحها، وعمّا كان يخيفها، وعن أول موقف جعلها تشعر أن العالم ليس لطيفًا كما ظنّت. حدّثيني عن البيت الذي كبرتِ فيه، وعن الأصوات التي بقيت في ذاكرتكِ، وعن الكلمات التي سمعتِها كثيرًا حتى أصبحت جزءًا من حديثكِ الداخلي.

ربما تربيتِ على أن الحب يُثبت بالتضحية، فصرتِ تعطين أكثر مما تستطيعين.

وربما قيل لكِ إن البكاء ضعف، فتعلّمتِ أن تدخلي الحمام كي لا يراكِ أحد. قد تكونين نشأتِ في بيتٍ لا يعتذر فيه الكبار، ولذلك يبدو لكِ الاعتذار حتى اليوم لحظةً مخيفة، كأن الاعتراف بالخطأ سيأخذ منكِ كرامتكِ كلها.

إذا عرفتُ هذه التفاصيل، فلن أستخدمها كي أختصر شخصيتكِ في تفسير واحد.

لن أقول كلما خفتِ إن طفولتكِ تتكلم، أو كلما غضبتِ إنكِ تكررين ما عشته. أنتِ أكبر من أسبابكِ، وأكثر تعقيدًا من أن تُفهمي بجملة. المعرفة الحقيقية لا تمنحني حق تشخيصكِ؛ تمنحني فقط فرصة أن أكون أرحم حين ألمس موضعًا لم أكن أعرف أنه يؤلمكِ.

وقد تكون في ماضيكِ اختيارات لا تفخرين بها.

أيامٌ تصرفتِ فيها بخوف، أو عناد، أو قلة خبرة. ربما وثقتِ بمن لم يكن جديرًا بثقتكِ، أو بقيتِ في مكان كان يجب أن تغادريه، أو غادرتِ شخصًا بطريقة تتمنين لو أنكِ فعلتها بنضج أكبر. قد تكون هناك كلمة قلتِها وما زالت تؤنبكِ، أو فرصة أضعتها لأنكِ لم تكوني تعرفين نفسكِ بما يكفي.

لن أطالبكِ بأن تكون سيرتكِ نقية كي تستحقي محبتي.

فالإنسان الذي لم يخطئ ليس أكثر نقاءً بالضرورة؛ قد يكون فقط أقل عيشًا، أو أكثر براعة في إخفاء أخطائه. وأنا أيضًا لم أصل إليكِ بلا تاريخ. لديّ قراراتي الناقصة، وصمتي في أوقات كان ينبغي أن أتكلم فيها، وأبواب طرقتها مع أن قلبي كان يعرف أنها ليست لي.

لا أريد أن نقف أمام بعضنا متنكّرين في هيئة شخصين لم يتعثرا قط.

دعينا نلتقي بصدق؛ لا بفضائح الماضي، بل بالدروس التي تركها فينا.

وإذا أحببتِ شخصًا قبلي، فلن أطلب منكِ أن تعيدي كتابة ذاكرتكِ لتقولي إن ما شعرتِ به لم يكن حقيقيًا.

ربما كان حقيقيًا في وقته، ثم انتهى.

وجود محبة سابقة في حياتكِ لا يجعل ما بيننا نسخةً منها، ولا يحول قلبي إلى متسابق جاء متأخرًا. أنا لا أريد أن أهزم رجلًا لم يعد هنا، ولا أن أسألكِ أيّنا كان أجمل حضورًا، أو أشد قربًا، أو أكثر تأثيرًا.

لكل علاقة لغتها وظروفها والمرأة التي كنتِها خلالها.

وأنتِ اليوم لستِ المرأة نفسها التي دخلت تلك العلاقة، كما أنني لست الرجل الذي كنته قبل سنوات. نحن لا نحب بقلوب ثابتة خارج الزمن؛ نحب بما تعلمناه، وبما فقدناه، وبالحدود التي لم نكن نعرف سابقًا كيف نضعها.

لن أغضب لأن أحدًا عرف جزءًا منكِ قبلي.

ما يعنيني هو الصدق الذي تجمعينني به الآن، والاختيار الذي تصنعينه وأنتِ تعرفين أكثر عن نفسكِ وعن الحب. لا أحتاج إلى بطولة الوصول الأول؛ أحتاج إلى شجاعة أن أكون حاضرًا بطريقة لا تجعلكِ تندمين على منحي مكانًا في أيامكِ.

لكنني لن أتظاهر بأن الغيرة لن تطرق قلبي أبدًا.

قد يربكني تفصيل، أو يزعجني اسم، أو أجد نفسي أقارن من دون قصد. وحين يحدث ذلك، سأعرف أن هذا الشعور مسؤوليتي قبل أن يكون مشكلتكِ. سأحدثكِ عنه إن احتجت، لكنني لن أجعلكِ تدفعين ثمن حياة عشتِها قبل أن تعرفي بوجودي.

لن أطلب تفاصيل تؤذيني ثم أعاقبكِ لأنكِ أجبتِ.

ولن أختبر حبكِ لي بسؤال لا يملك جوابًا عادلًا.

يكفيني أن أعرف ما يساعدني على فهمكِ وحماية علاقتنا. أما ما لا يخدم سوى الفضول والشك، فبعض الأبواب يصبح احترامها أجمل من اقتحامها.

وإذا كان في ماضيكِ جرح لا تستطيعين الكلام عنه، فلستِ مدينةً لي بالحكاية كاملة.

أستطيع أن أحترم أثرًا لا أعرف سببه. أستطيع أن أفهم أن موقفًا ما يخيفكِ، وأن أتوقف حين تطلبين، من دون أن أجبركِ على تقديم الأدلة كي أصدق أن خوفكِ حقيقي.

قد تأتينني يومًا بنصف جملة، ثم تصمتين.

سأترك للنصف الآخر وقته.

لن أجعل فضولي أهم من سلامكِ، ولن أضع الحب في صورة مفتاح يحق له فتح كل غرفة داخلكِ. بعض الغرف تحتاج إلى وقت، وبعضها ربما يبقى خاصًا بكِ، وهذا لا يعني أنكِ تخفين خيانة أو أنكِ لا تثقين بي. أحيانًا يحمي الإنسان شيئًا لأنه لم يتعلم بعد كيف يلمسه من دون أن ينزف.

وحين تقررين الكلام، لن أقاطعكِ لأخبركِ بما كان ينبغي أن تفعليه.

من السهل على من يسمع الحكاية بعد انتهائها أن يرى مخارجها كلها. لكنكِ حين كنتِ تعيشينها، لم تكوني تملكين الصورة التي أملكها الآن. كنتِ داخل الخوف، أو الحب، أو الحاجة، أو قلة الخبرة. لذلك لن أحاكم قرارًا قديمًا بالوعي الذي حصلتِ عليه بعده.

سأصغي إلى المرأة التي نجت، من دون أن أُهين المرأة التي لم تكن تعرف بعد كيف تنجو.

وربما تفسر هذه المعرفة أشياء صغيرة بيننا.

قد أفهم لماذا يقلقكِ تأخري في الرد، مع أنكِ تعرفين أنني مشغول. ولماذا تتبدل نبرتكِ حين تشعرين أنني لا أستمع. ولماذا يصعب عليكِ أن تطلبي ما تحتاجينه مباشرة، فتنتظرين أن ألاحظه وحدي ثم تتألمين إذا لم أفعل.

سأراعي ما تعلّمته عنكِ، لكنني لن أترك ماضيكِ يقود حاضرنا إلى الأبد.

لن أقول إن خوفكِ غير منطقي، وفي الوقت نفسه لن أؤكد لكِ أن كل ما تخافينه سيحدث. سنفصل معًا بين رجل أمامكِ الآن وشخصٍ آذاكِ سابقًا، وبين خلاف يمكن إصلاحه وخطر قديم ما زال جسدكِ يتصرف كأنه مستمر.

أنا لستُ من جرحكِ، لكنني أعرف أن هذه الجملة وحدها لا تكفي.

عليّ أن أثبت اختلافِي في السلوك، لا أن أطالبكِ بالثقة لأنني أعلنت أنني أستحقها. الثقة لا تُستخرج من القلب بالأوامر؛ تُبنى بتكرار المواقف الصغيرة حتى يهدأ الجزء الذي ظل طويلًا مستعدًا للهروب.

وفي المقابل، أرجو ألا تعاقبيني على ذنب لم أرتكبه.

لا تجعلي كل صمتي نسخةً من صمته، ولا كل خطأ بدايةً للنهاية نفسها. أعطني فرصة أن أكون شخصًا مستقلًا عن ذاكرتكِ، كما سأمنحكِ فرصة ألا تكوني أسيرة لما حدث لكِ.

سنخطئ نحن أيضًا، لكنني أريد لأخطائنا أن تحمل أسماءنا، لا أسماء الذين سبقونا.

وأحب أن أعرف أحلامكِ القديمة، حتى تلك التي تركتِها في منتصف الطريق.

أخبريني عمّا تمنيتِ أن تصبحيه حين كنتِ صغيرة. عن المدينة التي رغبتِ في زيارتها، والمهارة التي بدأتِ تعلمها ثم انشغلتِ عنها، والنسخة التي تخيلتِ أنكِ ستكونينها في هذا العمر.

قد لا أستطيع إعادة كل ما فات، ولا أريد أن أحملكِ نحو حلم لم يعد يشبهكِ. لكنني أريد أن أعرف أي أجزاء منكِ اضطرّت إلى الصمت كي تستمر الحياة، وأيها ما زال ينتظر فرصة صغيرة ليعود.

ربما يكون الحب أن أساعدكِ على استرداد شيء ظننتِ أنكِ فقدتِ الحق فيه.

كتابًا أردتِ كتابته. مكانًا تمنيتِ رؤيته. ضحكةً كنتِ تطلقينها من دون أن تفكري إن كانت عالية. أو حقًا بسيطًا في أن تختاري لنفسكِ من غير أن تسمعي أصواتًا قديمة تسألكِ لمن تعيشين.

وإذا لم تعودي تريدين تلك الأحلام، فلن أتهمكِ بأنكِ خذلتِ طفلتكِ.

النضج ليس تنفيذ كل رغبات الماضي، بل امتلاك الحرية لنقرر أيها ما زال يخصنا. قد تكتشفين أن حلمًا قديمًا كان محاولة لإرضاء شخص آخر، وأن أجمل ما فعلته السنوات أنها حررتكِ منه.

أنا أحب حقكِ في التغير.

لا أريد أن أجمع معلومات عنكِ اليوم ثم أستخدمها غدًا كي أقول: «لكنكِ كنتِ تحبين هذا»، أو «لقد وعدتِ أنكِ لن تتبدلي». ما تقولينه عن نفسكِ الآن حقيقة هذه المرحلة، لا عقدٌ يجبركِ على البقاء فيها إلى الأبد.

سأتعلمكِ أكثر من مرة.

كلما نزعتِ عنكِ فكرة لم تعد تناسبكِ، وكلما اكتشفتِ رغبة جديدة، وكلما غيّرتكِ تجربة لم نكن نتوقعها. لن أخاف من أن تصبح معرفتي بكِ قديمة؛ سأعود وأسأل، وأنصت، وأقترب من جديد.

وأريد منكِ أن تعرفي ماضيّ بالطريقة نفسها.

لا أريد امتياز الرجل الذي يسأل عن كل شيء ثم يجيب عن نفسه بجمل غامضة. سأخبركِ بما تحتاجين إلى معرفته، وبالأخطاء التي قد تؤثر في حياتنا، وبالأماكن التي ما زالت تحتاج مني إلى عمل صادق.

لن أطلب منكِ فهمي بينما أرفض أن أكون مفهومًا.

فالشفافية ليست ضوءًا نسلطه على الآخر، بل نافذة نفتحها في الاتجاهين.

وحين نختلف، سأحمي ما ائتمنتِني عليه.

لن أخرج سرًا من ماضيكِ لأربح نقاشًا، ولن ألمس جرحًا أعرف مكانه لأنني غاضب. الكلمات التي تقولينها في الأمان تصبح أمانة، ومن يستخدم الأمانة سلاحًا لا يستحق اعترافًا آخر.

قد أغضب منكِ، وقد تحتاج أفعالنا إلى مواجهة واضحة، لكن ماضيكِ لن يكون مخزنًا للذخيرة بيننا.

أريد أن تنامي وأنتِ تعرفين أن حقيقتكِ في بيتنا لا تهدد مكانكِ فيه.

لا تحتاجين إلى حذف فصول، أو تغيير أسماء، أو تجميل أخطاء كي تبقي محبوبة. ما يهمني أن نكون صادقين بشأن ما يؤثر في حاضرنا، وأن نتحمل مسؤولية ما نفعله الآن، لا أن نقضي أعمارنا في محاكمة أشخاص لم نعدهم.

أنا لا أحب امرأة بدأت حياتها يوم التقت بي.

أحبكِ بطول الطريق الذي سبقني؛ بالفرح الذي وسّع قلبكِ، وبالحزن الذي جعلكِ أكثر انتباهًا، وبالقرارات التي أصابت، وتلك التي دفعتِ ثمنها حتى تعلمتِ.

لا أحب أوجاعكِ لأنها أوجاع، ولا أؤمن بأن عليكِ شكر من آذاكِ لأنه جعلكِ أقوى. كنتُ أفضل لو وصلتِ إليّ من دون بعض الندوب. لكن ما دامت الحياة لم تمنحكِ هذا اللطف، فسأتعامل مع آثارها فيكِ بحنان، لا بإعجاب قاسٍ بقدرتكِ على الاحتمال.

وأنا لا أعدكِ بأن أصلح الماضي.

الماضي لا يحتاج دائمًا إلى إصلاح؛ بعضه يحتاج فقط إلى أن يفقد سلطته على الغد.

لهذا، تعالي إليّ بتاريخكِ من دون خوف.

لا كي نعيش فيه، بل كي نعرف الأرض التي نقف عليها ونحن نبني ما سيأتي. سأحترم الذين أحبوكِ بصدق، وأرفض الأذى الذي مرّ بكِ، وأفهم أن فيكِ أجزاءً صنعتها أيام لم تحمل اسمي.

وحين أنظر إليكِ، لن أسأل لماذا لم تنتظريني منذ البداية.

سأمتن لأن الطرق، على اختلافها، أوصلتنا إلى اللحظة التي صرنا فيها قادرين على اختيار بعضنا بوعي.

ما صنعكِ قبلي لا ينافسني.

إنه أنتِ.

وأنا حين أحببتكِ، لم أحب الصفحة التي وصلتُ عندها وحدها؛ أحببتُ الكتاب بما تركته فصوله على صوتكِ، ونظرتكِ، وطريقتكِ في النجاة والمحبة.

أما الصفحات التي ستأتي، فلا أريد أن أكتبها عنكِ، ولا بدلًا منكِ.

أريد فقط أن يكون خطّي إلى جوار خطكِ، واضحًا وصادقًا، من دون أن يمحو أحدنا ما كانه الآخر قبل اللقاء.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً