خرجنا من محطة القطار قبل الغروب بقليل، وكانت المدينة قد فرغت نصف فراغها بسبب مطرٍ خفيف ظل يلمع على الأرصفة من دون أن يتحول إلى عاصفة. مشيتِ إلى جواري بخطوات أسرع من عادتها، تنظرين إلى شاشة هاتفكِ كل بضع ثوانٍ، ثم ترفعين عينيكِ إلى إشارة العبور كأنكِ تخشين أن يسبقنا الوقت إلى مكان لا نعرفه. كان موعدنا بسيطًا، لا يحتاج إلى ذلك القلق كله، ومع هذا كنتِ تعتذرين عن تأخر لم يحدث، وتقولين إن علينا أن نسرع.
عند الزاوية المقابلة للمحطة، توقف المصعد الزجاجي المؤدي إلى الجسر، فاضطررنا إلى صعود الدرج الطويل. بدأتِ تعدّين الدرجات بصمت، ثم انقطع نَفَسكِ عند المنتصف. حاولتِ إخفاء الأمر بأن سألتِني عن الطريق، لكنني رأيتُ يدكِ وهي تبحث عن الدرابزين، ورأيتُ تلك النظرة التي لا يخلقها التعب وحده؛ النظرة التي تسأل إن كنتِ قد عطلتِ شخصًا آخر. قلتُ إنني أريد الوقوف قليلًا، وجلستُ على الدرجة قبل أن تمنحيني فرصة للاعتذار، فجلستِ بقربي مضطرة إلى تصديق أن الاستراحة كانت رغبتي أيضًا.
مرّ بنا الناس في اتجاهين، حقائبهم تضرب جوانبهم، وأحذيتهم تطرق المعدن بإيقاع متلاحق. بعضهم تجاوزنا من غير أن يرانا، وبعضهم نظر إلى ساعته وهو يصعد. كنتِ تتابعينهم بعينيكِ، وكتفاكِ ما يزالان مشدودين، كأن السباق قائم حتى حين لا يعرف المتسابقون بعضهم. وضعتُ كفي على الدرجة الباردة بيننا وقلتُ: لن يفوتنا شيء يستحق أن نخسركِ من أجله. لم تجيبي، لكنكِ أطلقتِ زفيرًا طويلًا، كأن جملة واحدة فتحت نافذة في غرفة امتلأت بالدخان.
منذ تلك اللحظة، ظللتُ أفكر في السرعة التي يُطلب منكِ أن تعيشي بها. أن تفهمي سريعًا، وتتعافي سريعًا، وتحسمي رأيكِ، وتجيبي الرسائل، وتسامحي قبل أن تنتهي الأسئلة، وتنجزي حزنكِ كأنه معاملة متأخرة. حتى الفرح يريدون له صورة فورية ودليلًا منشورًا، وحتى الحب يُقاس أحيانًا بسرعة الرد وعدد الخطوات التي يقطعها المرء نحو الآخر. وأنا لا أريد أن أضيف إلى حياتكِ ساعة جديدة تراقبكِ. أريد أن أكون الشخص الذي تستطيعين قربه أن تسمعي إيقاعكِ أنتِ.
إذا احتجتِ وقتًا لتفهمي ما تشعرين به، فلن أضع في فمكِ اسمًا جاهزًا. لن أقرر أن صمتكِ غضب، أو أن ترددكِ رفض، أو أن دمعتكِ اعتراف بشيء اخترعته مخاوفي. سأمنح إحساسكِ فرصة أن يصل إلى لغته، حتى لو جاء مرتبكًا، وحتى لو تغيرت كلماته بعد يومين. القلب ليس شاهدًا في محكمة كي يؤدي إفادته مرة واحدة بلا تعديل. أحيانًا يعرف الجسد ما حدث قبل أن يعرفه العقل، وتحتاج الروح إلى مسافة كي تترجم ارتجافها من لغة غامضة إلى كلام يمكن مشاركته.
وحين تختلفين معي، لن أطلب جوابكِ في اللحظة التي يكون فيها رأسي مشتعلًا. أعرف كم يبدو الصمت مستفزًا لمن يريد نهاية سريعة للخلاف، لكن النهاية السريعة قد تكون بابًا مغلقًا على أذى لم يجد عبارته. سأقول ما أستطيع قوله بوضوح، ثم أترك لكِ وقتًا لاستخدام صوتكِ من غير ضغط. ولن أحسب ذلك الوقت ضدكِ، أو أملأه برسائل متتابعة، أو أفسر تأخركِ كعقوبة. سأثق أن الحوار الذي نحميه من العجلة يعود إلينا أصدق، حتى إن عاد بإجابة لا توافق هواي.
لكنني لن أتخذ من التمهل ذريعة للهرب. لا أريد أن أعدكِ بالصبر ثم أترككِ معلقة في سؤال أسابيع كاملة. سأخبركِ إن كنتُ أحتاج إلى ساعة، أو ليلة، أو يومين، وسأعود في الوقت الذي قلته. البطء الرحيم مختلف عن الغياب؛ الأول يمسك بخيط العلاقة وهو يبتعد قليلًا ليرى، أما الثاني فيقطع الخيط ويطلب من الآخر أن ينتظر بلا يقين. أريد أن نتعلم الفرق، وأن يكون لكل مسافة بيننا معنى وحدود وعودة لا تحتاجين إلى تخمينها.
على درج الجسر، أخرجتِ من حقيبتكِ زجاجة الماء، وشربتِ رشفتين صغيرتين. ثم قلتِ، كأنكِ تدافعين عن نفسكِ أمام قاضٍ غير موجود، إنكِ لم تكوني هكذا من قبل، وإنكِ كنتِ تصعدين الأدراج من دون توقف. آلمتني المقارنة أكثر مما آلمكِ الدرج. لماذا ينبغي لنسختكِ الحاضرة أن تعتذر لنسخة قديمة كانت تملك طاقة أخرى؟ لم أحبكِ لأنكِ تحققين رقمًا ثابتًا في السرعة أو الاحتمال، ولن أجعل جسدكِ يدخل امتحانًا كلما تغيرت أيامه.
قد يأتي عليكِ صباح تنهضين فيه قبل المنبه وتصنعين من الساعات أشياء كثيرة، وقد يأتي مساء يصبح فيه ترتيب الوسادة عملًا كافيًا. في الحالتين أنتِ أنتِ، لا ترتفع قيمتكِ مع نشاطكِ ولا تنخفض مع تعبكِ. سأفرح بقوتكِ من غير أن أحولها إلى واجب دائم، وأحترم ضعفكِ من غير أن أتعامل معه كهوية نهائية. الإنسان أوسع من أفضل أيامه وأسوأها؛ هو ذلك الكائن المتبدل الذي يستحق الرفق وهو يعبر بينهما، من غير أن يُطلب منه تقديم شرح عند كل عتبة.
أعرف أنكِ تعودتِ أحيانًا أن تسبقي حاجات الآخرين، فتنهضين قبل أن يطلب أحد، وتجيبين قبل أن تراجعي قدرتكِ، وتقولين «لا بأس» كي لا تتأخر الخطة بسببكِ. هذه العبارة الصغيرة أخافتني يومها، لأنكِ قلتِها وأنتِ تلتقطين أنفاسكِ. لا أريد أن يكون «لا بأس» الجسر الذي تعبر عليه راحتكِ إلى الجهة الأخرى وتبقى هناك. قولي إن بكِ بأسًا حين يكون بكِ بأس. لن يصبح اليوم ثقيلًا لأنكِ صدقتِ، بل سيصبح قابلًا لأن نحمله معًا.
وأنا أيضًا سأتعلم ألا أقدم نفسي لكِ في صورة الرجل الذي لا يتوقف. سأخبركِ حين أتعب بدل أن يتحول تعبي إلى جفاء لا تفهمين سببه. سأطلب المساندة قبل أن أصير غاضبًا من أنكِ لم تخمني حاجتي، وسأعترف بأنني خائف حين يكون الخوف هو الحقيقة، لا أن أرتدي القسوة وأدعي أنها حزم. لا يمكنني أن أمنحكِ إذنًا بالبطء وأنا أخفي إنسانيتي خلف إنجاز متواصل؛ لذلك سأجلس إلى جواركِ لا بصفة المنقذ، بل بصفة من يحتاج أحيانًا إلى الدرجة نفسها.
بعد دقائق، وصل إلى الجسر عازف كمان يحمل آلته في صندوق أسود. وقف غير بعيد عنا، فتح الصندوق، وبدأ يمرر القوس على الأوتار ببطء، ربما ليتأكد من ضبطها قبل أن يكمل طريقه. لم يعزف مقطوعة كاملة، مجرد نغمات متفرقة كانت ترتفع بين وقع الأقدام ثم تنطفئ. التفتِّ إليه، وتوقفتِ عن مراقبة الناس. رأيتُ ملامحكِ تستعيد هدوءها نغمة بعد أخرى، وفهمتُ أن الاستراحة لم تكن فراغًا بين حدثين؛ كانت حدثًا كاملًا لم نكن سنراه لو واصلنا الصعود.
قلتِ إن اللحن يشبه شيئًا تعرفينه، لكنكِ لا تتذكرين اسمه. أغمضتِ عينيكِ لتحاولي التقاطه، ولم أفتح هاتفي للبحث عنه. أحببتُ أن يبقى مجهولًا قليلًا، وأن نسمعه من غير أن نحوله فورًا إلى معلومة. ثمة أشياء تفقد رقتها حين نستعجل تسميتها. وثمة لحظات لا تحتاج إلى صورة كي تثبت أنها حدثت. كان يكفيني أن خصلة من شعركِ تحركت مع الهواء، وأن أصابعكِ توقفت عن الطرق على الزجاجة، وأن المدينة، رغم استمرارها، لم تعد تسحبكِ وراءها.
هذا ما أريده لحبنا: ألا يكون مشروعًا نراجع تقدمه كل أسبوع، ولا سلمًا يجب أن نصعد درجاته وفق جدول الآخرين. قد نتأخر في قرار ينجزه غيرنا بسرعة، وقد نحتاج إلى إعادة سؤال ظنناه محسومًا، وقد تتغير خطتنا لأن أحدنا لم يعد قادرًا أو راغبًا بالطريقة ذاتها. لن أقيس صدقنا بما وصل إليه الناس من حولنا. لكل علاقة طقسها وتربتها ومقدار الضوء الذي تحتمله. وما ينضج تحت الضغط قد يبدو كاملًا من الخارج، لكنه يظل قاسيًا في الداخل.
نهضتُ أولًا، لا لأعلن انتهاء الاستراحة، بل لأجرب إن كانت ركبتاي قد استعادتا خفتهما. مددتُ يدي، فنظرتِ إليها ثم قلتِ إنكِ تريدين دقيقة أخرى. كانت تلك الجملة الصغيرة أجمل ما حدث في المساء. لم تعتذري، ولم تشرحي، ولم تنهضي كي لا تخيبيني. قلتِ حاجتكِ كما هي، وبقيتِ في مكانكِ. ابتسمتُ وجلستُ من جديد. شعرتُ أنني لا أساعدكِ على التقاط أنفاسكِ فقط؛ كنتِ أنتِ تساعدين علاقتنا على تعلم لغة لا تُكافأ فيها التضحية بالنفس.
بعد الدقيقة، نهضنا معًا. صعدنا الدرجات الباقية ببطء، نتوقف عند كل بسطة كأنها شرفة صغيرة. وصلنا إلى أعلى الجسر بعد أن غادر العازف، وكانت القطارات تحتنا تدخل المحطة وتخرج منها، تفتح أبوابها لثوانٍ ثم تمضي. أشرتِ إلى قطار تحرك من الرصيف وقلتِ إننا كنا سنركبه لو أسرعنا. نظرتُ إلى وجهكِ وقد عاد إليه لونه وقلتُ إن قطارًا آخر سيأتي. لم يكن ذلك مواساة؛ كان إيمانًا بسيطًا بأن الفرص لا تنتهي كلها لأننا اخترنا ألا نؤذي أنفسنا للحاق بواحدة.
سأذكركِ بهذا حين يقنعكِ الخوف أن كل باب هو الأخير. ليست كل وظيفة تضيع نهاية الطريق، ولا كل دعوة نعتذر عنها خسارة، ولا كل علاقة لا تنتظرنا جديرة بأن نركض خلفها. بعض الأشياء الجميلة تعرف كيف تبقى دقيقة إضافية، وبعضها يعود في هيئة أنسب، وبعضها يجب أن يمضي كي نكتشف أننا كنا نطارده لأن الجميع يركضون فحسب. سأساعدكِ على التمييز، لا بأن أقرر عنكِ، بل بأن أسألكِ: هل تريدين هذا حقًا، أم تخشين فقط أن تكوني التي وصلت متأخرة؟
وعندما نصل إلى أحلامنا، لن أسمح للإنجاز أن يسرق منا لحظة الوصول. سنتوقف، وننظر إلى الطريق، ونأكل شيئًا ساخنًا قبل أن نفتح قائمة الهدف التالي. كم مرة عبرنا أفراحنا مسرعين لأن العقل كان قد انتقل إلى ما بعدها؟ أريد أن نتعلم الإقامة قليلًا في النعمة، أن نعطيها وقتًا لتترك أثرها في أجسادنا، لا أن نحولها إلى سطر منتهٍ. البطء ليس دائمًا عجزًا؛ قد يكون الطريقة الوحيدة التي تجعل الحياة تدخلنا بدل أن تمر بمحاذاتنا.
حين بلغنا الجهة الأخرى، لم يكن موعدنا قد فات. كان المكان الذي قصدناه مفتوحًا، والطاولة التي حجزناها ما تزال تنتظر. ضحكتِ لأن كل ذلك الذعر لم يغير شيئًا، ثم قلتِ إنكِ تشعرين كأن المساء اتسع. عرفتُ أن الوقت نفسه لم يزد، لكن الخوف توقف عن أكله. جلسنا قرب النافذة، وطلبتِ حساءً دافئًا، وظللتِ تحكين عن النغمات التي لم نتعرف إليها. لم أكن أفكر في اسم اللحن؛ كنتُ أفكر في الدقيقة التي طلبتِها وأنتِ واثقة أنني لن أحبكِ أقل بسببها.
لذلك، إذا ثقل عليكِ الطريق يومًا، لا تسبقي تعبكِ لتخفيه عني. توقفي حيث أنتِ، وقولي: أحتاج إلى دقيقة أخرى. سأعرف أن الجملة ليست رفضًا للذهاب معي، بل اختيارًا لأن تصلي إليّ كاملة بقدر ما تستطيعين. قد أجلس قبلكِ، وقد تمدين يدكِ إليّ في يوم آخر، وقد يفوتنا قطار ونلحق بآخر. ما يهمني أن نظل قادرين على رؤية بعضنا وسط العابرين، وأن نتذكر أن الوصول الذي يكسر أحدنا ليس وصولًا.
أنا لا أعدكِ بحياة هادئة دائمًا؛ ستأتينا أيام تركض، ومواعيد لا تنتظر، وقرارات تحتاج إلى شجاعة سريعة. أعدكِ فقط ألا أجعل العجلة طريقتنا الدائمة في الحب. سأفسح في يومنا مواضع نتنفس فيها، وأصغي إلى «ليس الآن» كما أصغي إلى «نعم»، وأحمي حقنا في مراجعة الطريق. وإذا وجدتُكِ على درج ما تنظرين إلى الناس وهم يسبقونكِ، سأجلس إلى جواركِ، لا لأقنعكِ بأنكِ عاجزة، بل لأقول بهدوء: دعيهم يمرون. العالم واسع، والقطار التالي قادم، وأنا لا أريد مكانًا نبلغه من دونكِ.
حين يبطؤ العالم
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً