الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

حين يطمئن وجودك

لا أعرف متى بدأتِ تتحولين في داخلي من شخص أحبّه إلى مكان أعود إليه.

ربما حدث ذلك في إحدى اللحظات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد؛ حين أخبرتُكِ بتفصيل سخيف من يومي فاستمعتِ إليه كأنه مهم، أو حين شعرتُ أنني لست مضطرًا إلى ترتيب كلماتي أمامكِ، ولا إلى الظهور بصورة أجمل مما أنا عليه. ربما بدأ الحب الحقيقي هناك، في تلك المساحة النادرة التي لا يحتاج فيها الإنسان إلى الدفاع عن نفسه.

أنا لا أحبكِ لأنكِ جعلتِ أيامي مثالية. لم تفعلي، والحياة أصلًا لا تمنح أحدًا هذا النوع من الكمال. أحبكِ لأن وجودكِ جعل الأيام، حتى الثقيلة منها، قابلة لأن تُعاش.

هناك فرق كبير بين أن يأتي شخص إلى حياتك فيُسعدك، وبين أن يأتي فيجعلك أكثر قدرة على احتمال الحياة نفسها.

وأنتِ فعلتِ الثانية.

منذ عرفتكِ، بدأت أفهم أن الحب ليس دائمًا تلك الحالة الصاخبة التي تصفها الأغنيات. أحيانًا يكون أكثر هدوءًا بكثير: أن أتذكر أثناء ازدحام يومي أن هناك إنسانة في هذا العالم يهمها أن أكون بخير، فأشعر أن كتفيّ أصبحا أخف قليلًا.

أن يحدث شيء جميل فأفكر فيكِ قبل أن أفكر في الاحتفاظ به لنفسي.

أن أرى شيئًا مضحكًا فأعرف مسبقًا كيف ستضحكين.

أن أمرّ بمكان لم تزوريه معي بعد، وأتخيل بصورة تلقائية أنكِ تسيرين إلى جواري.

هذه التفاصيل تبدو صغيرة حين تُروى، لكنها في داخلي ليست صغيرة أبدًا.

أنتِ موجودة في طريقة نظري إلى الأشياء.

وهذا، بالنسبة إليّ، أحد أعمق أشكال الحب.

أحب فيكِ الأشياء التي ربما لا تنتبهين إليها. أحب الطريقة التي يتغير بها صوتكِ عندما تتحمسين لشيء ما، وكيف تصبح كلماتكِ أسرع قليلًا وكأن الفكرة تخشى أن تهرب منكِ قبل أن تقوليها.

أحب صمتكِ حين يكون لديكِ الكثير لتقوليه ولكنكِ ما زلتِ ترتبينه في داخلك.

أحب تناقضاتكِ الصغيرة، تلك التي تجعلكِ إنسانة حقيقية وليست صورة مصقولة: قوتكِ في أشياء، وهشاشتكِ في أشياء أخرى؛ قدرتكِ على طمأنة الآخرين، ثم حاجتكِ أحيانًا إلى جملة واحدة تطمئنكِ أنتِ.

وأحب أنكِ لستِ سهلة القراءة دائمًا.

فيكِ أماكن تحتاج إلى الوقت، وأنا لا أريد اختصار الطريق إليها.

أريد أن أعرفكِ كما تُعرف المدن القديمة: شارعًا بعد شارع، نافذة بعد نافذة، حكاية بعد حكاية.

لا أريد نسخة سريعة منكِ.

أريد التفاصيل.

أريد أن أعرف لماذا تحبين شيئًا لا يحبه الآخرون، وما الأغنية التي تستطيع فجأة أن تغيّر مزاجكِ، وما الذكرى التي تجعلكِ تبتسمين وحدكِ، وما الشيء الذي تخافين الاعتراف بأنكِ تخافينه.

أريد معرفة الأمور التي لا تُكتب عادة في السير الذاتية ولا تُقال في اللقاءات الأولى.

تلك الأشياء هي الإنسان الحقيقي.

وأنا أحب الإنسانة التي أنتِ عليها حين لا تحاولين أن تكوني أي شيء آخر.

ولو سألتِني ماذا أريد منكِ، فلن أقول المستحيل.

لا أريد وعدًا بأننا لن نختلف.

سنختلف.

ولا أريد وعدًا بأننا سنفهم بعضنا دائمًا.

قد تمر أيام نقف فيها أمام الشعور نفسه ونراه من جهتين مختلفتين.

ولا أريد منكِ أن تكوني قوية طوال الوقت، ولا هادئة طوال الوقت، ولا متفهمة إلى ما لا نهاية.

أريد شيئًا أبسط وأصعب في الوقت ذاته:

أن نبقى صادقين.

إذا ضايقكِ شيء، قولي.

إذا خفتِ، لا تخفي خوفكِ خلف البرود.

إذا احتجتِني، لا تتظاهري بأنكِ لا تحتاجين أحدًا.

وإذا أخطأتُ، لا تحاولي حماية صورتي في عيني على حساب شعوركِ.

أريد حبًا يسمح لنا بأن نكون بشريين.

نخطئ، ثم نصلح.

نتعب، ثم نستريح قرب بعضنا.

نختلف، ثم نتذكر أننا لسنا خصمين.

أريد علاقتنا مكانًا لا ينتصر فيه أحد على الآخر، لأن خسارتكِ ليست انتصارًا لي أصلًا.

ومن الأشياء التي تعلمتها معكِ أن المحبة الحقيقية لا تجعلني أرغب في امتلاككِ، بل في أن تكوني أكثر حرية وأنتِ معي.

أريدكِ أن تحققي الأشياء التي تحلمين بها، حتى تلك التي لا يكون لي دور فيها.

أريد أن أراكِ فخورة بنفسكِ لأسباب صنعتِها وحدكِ.

أريد أن يبقى لكِ عالمكِ، وصداقاتكِ، وأفكاركِ، ومساحتكِ الخاصة، لأنني لم أحبكِ لكي أختصر حياتكِ في وجودي.

أحببتكِ لأن حياتكِ كاملة بما فيها، وأردت أن يكون لي مكان جميل داخلها.

وحين تنجحين، لن أشعر أنكِ ابتعدتِ عني.

سأشعر أن المرأة التي أحبها أصبحت أقرب إلى نفسها.

وأظن أن أجمل ما يمكن أن يفعله الحب بالإنسان هو أن يساعده على الاقتراب من نفسه، لا أن يجعله نسخة ترضي شخصًا آخر.

لهذا لا أريد منكِ أن تتغيري من أجلي.

تطوري، نعم.

انضجي، نعم.

اكتشفي نفسكِ مرات كثيرة، وغيّري رأيكِ إذا اكتشفتِ أن رأيكِ القديم لم يعد يشبهكِ.

لكن لا تصغري كي أبدو أكبر، ولا تخفتي ضوءكِ كي لا يزعجني.

إذا كنتُ أحبكِ فعلًا، فيجب أن يسعدني أن أراكِ تضيئين.

وأنا يسعدني ذلك.

يسعدني جدًا.

أحيانًا أفكر في السنوات القادمة، ولا أرسم مشهدًا مثاليًا لها. لا أتخيل بيتًا لا يعرف المشكلات، ولا صباحات كلها ضحك، ولا حياة تسير كما نخطط لها تمامًا.

أتخيل شيئًا أكثر واقعية.

أتخيلنا وقد مرّت بنا أيام كثيرة.

بعضها جميل، وبعضها متعب، وبعضها لن نتذكر منه شيئًا تقريبًا.

أتخيل أن نتغير قليلًا.

أن تظهر خطوط جديدة قرب أعيننا، وأن تصبح لدينا حكايات نكررها لأننا نسينا أننا رويناها من قبل.

أتخيل أن نجلس يومًا في مكان عادي جدًا، ربما أمام كوبين من القهوة، وندرك فجأة أننا عشنا جزءًا كبيرًا من أعمارنا ونحن نعرف تفاصيل بعضنا.

فكرة كهذه لا تخيفني.

على العكس.

تمنحني نوعًا غريبًا من السلام.

لأنني لا أبحث معكِ عن لحظة مذهلة أرويها للناس.

أبحث عن حياة يمكنني أن أعيشها معكِ.

هناك فرق.

اللحظات المذهلة تنتهي.

أما الحياة فتحتاج شخصًا تستطيع الجلوس معه حين لا يحدث شيء.

شخصًا لا تحتاج في حضوره إلى مناسبة كي تكون سعيدًا.

وشخصًا تستطيع أن تقول له في نهاية يوم طويل: لم يحدث شيء مهم اليوم، ومع ذلك تريد أن تحكي له اليوم كله.

أنتِ بالنسبة إليّ ذلك الشخص.

ولذلك حين أقول إنني أحبكِ، فأنا لا أقصد أن قلبي يسرع فقط عندما أراكِ.

هذا جزء صغير جدًا من المسألة.

أقصد أنني أحترمكِ.

أهتم بما يؤلمكِ.

أحاول أن أفهم ما لا أعرفه عنكِ بدل أن أحكم عليه.

أريد لكِ الخير حتى حين لا أكون أنا محور ذلك الخير.

أشعر بالمسؤولية تجاه الكلمات التي أقولها لكِ لأنني أعرف أن للكلمات عمرًا أطول من اللحظة التي تُقال فيها.

وأعرف أن قلب الإنسان ليس مكانًا للتجارب العابرة.

لهذا، إن وضعتِ جزءًا من قلبكِ بين يدي، فلن أتعامل معه كشيء مضمون.

سأعرف قيمته.

ربما لا أكون دائمًا الشخص الأكثر مهارة في التعبير.

قد تمر بي لحظات أشعر فيها بأشياء كثيرة ولا أعرف كيف أضعها في ترتيب مفهوم.

لكنني أريدكِ أن تعرفي هذه الحقيقة تحديدًا:

وجودكِ لم يعد تفصيلًا على هامش أيامي.

أنتِ إحدى الجهات التي ألتفت إليها حين يحدث شيء في حياتي.

وأحد الأسماء التي تمنحني الطمأنينة دون أن تفعل شيئًا.

يكفيني أحيانًا أن أعرف أنكِ هناك.

وهذا الشعور نادر.

نادر إلى درجة أنني لا أريد التعامل معه باستخفاف.

لذلك لن أعدكِ بأنني سأكون كاملًا.

لا أثق بالوعود التي تحتاج من الإنسان أن يكون غير بشري كي يحققها.

لكنني أستطيع أن أعدكِ بشيء أصدق:

أن أحاول في كل يوم أن أكون الشخص الذي لا تندمين لأنكِ أحببته.

أن أتعلمكِ بدل أن أفترض أنني أصبحت أعرفكِ بالكامل.

أن أستمع حين تحتاجين إلى من يسمع، وأن أتراجع حين أكتشف أنني أخطأت، وأن أختار الاحترام حتى في لحظات الغضب.

أن أتذكر دائمًا أن الحب ليس ما أشعر به تجاهكِ وحده، بل الطريقة التي أعاملكِ بها بسبب ذلك الشعور.

وإذا جاء يوم قاسٍ علينا، أريدنا أن نتذكر شيئًا واحدًا:

نحن لم نلتقِ كي نصبح عبئًا جديدًا على بعضنا.

التقينا كي يكون في هذا العالم شخص واحد على الأقل تستطيع الروح أن تخفض حراستها أمامه.

وأمامكِ أنتِ، للمرة التي لا أعرف عددها، أشعر أنني أستطيع أن أفعل ذلك.

أن أكون كما أنا.

دون شرح طويل.

دون استعداد.

دون خوف من أن يكون ضعفي سببًا كي تقلّ قيمتي في عينيكِ.

ربما لهذا أحبكِ بهذا العمق.

لأن بعض الناس يدخلون حياتنا فيجعلون قلوبنا تخفق.

أما القليل جدًا منهم، فيجعلونها تطمئن.

وأنتِ…

طمأنينتي التي لم أكن أعرف أنني أبحث عنها.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً