الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

اسمي في صوتكِ

لا أعرف متى صار اسمي مختلفًا في صوتكِ. هو الاسم نفسه الذي حملته منذ طفولتي، وكتبته على دفاتري وأوراقي، وسمعته من عشرات الأفواه حتى ظننت أنني أعرف كل نبراته الممكنة. لكنكِ حين تنادينني، يحدث فيه شيء لا تقدر الحروف على شرحه. كأن الاسم الذي استُعمل طويلًا للدلالة عليّ يتوقف لحظة عن كونه عنوانًا، ويصبح بابًا. لا تقولينه لتتأكدي من وجودي فحسب؛ تمنحينه في كل مرة معنى يناسب ما بيننا.

أتذكر تلك الأمسية في محطة القطار، حين كان الرصيف مزدحمًا بأناس يجرّون حقائبهم ويلحقون مواعيدهم. كانت الإعلانات المعدنية تتداخل مع صرير العجلات، والوجوه تمر سريعة كأن لكل واحد منها قصة تخشى أن يفوتها القطار. تقدمتُ خطوات وأنا أظنكِ إلى جانبي، ثم فرّق بيننا رجل يحمل صندوقًا كبيرًا. لم ألحظ غيابكِ فورًا. لكنكِ ناديتِ اسمي من خلف الزحام، فالتفتُّ قبل أن أفكر، كما لو أن جسدي عرف صوتكِ أسرع من عقلي.

رأيتكِ على بُعد أمتار، ترفعين يدكِ قليلًا وتقاومين تيار العابرين كي لا يبتلع المسافة بيننا. لم تكوني خائفة، لكن في عينيكِ ذلك العتاب الطفيف الذي يقول إنني أسرعت أكثر مما ينبغي. رجعتُ إليكِ، وحين وصلتُ لم تقولي شيئًا كبيرًا؛ أمسكتِ طرف كمي ومشينا معًا. ظلّ المشهد عالقًا في داخلي، لا بسبب احتمال أن نفترق في محطة، بل لأن نداءكِ كشف لي كم أصبح لصوتكِ طريق مختصر إليّ.

منذ ذلك الوقت صرتُ أنتبه إلى الطرق التي يتغير بها اسمي بين شفتيكِ. حين تكونين مسرورة، تمنحين مقاطعه خفة تجعلني أبتسم قبل أن أعرف ما ستقولين. وحين تقلقين عليّ، تنطقينه ببطء، كأنكِ تتحققين من أنني ما زلت كاملًا في الجهة الأخرى. وإذا غضبتِ، يصبح واضح الحواف، خاليًا من الزينة، فأفهم أن عليّ أن أصغي لا أن أختبئ خلف المزاح. وفي لحظات الحنان، تقولينه منخفضًا حتى يبدو كسرّ لا يسمعه سوانا.

يعجبني أنكِ لا تستخدمين اسمي لتأمريني بأن أكون نسخة ترضيكِ. أنتِ تنادين الشخص الذي تعرفينه فعلًا: الرجل الذي قد ينسى أين وضع مفاتيحه، ويعيد الجملة مرتين حين يتحمس، ويتظاهر أحيانًا بأن الأمر لا يؤلمه كي لا يثقل على أحد. تنادين نقاط قوتي من دون أن تنكري ارتباكي، وترين ما أنجزته من دون أن تختصري قيمتي فيه. لهذا أشعر، حين أسمعه منكِ، أنني لست مطالبًا بتقديم بطاقة تعريف جديدة كل يوم.

قبل أن أعرفكِ، كان اسمي يصلني كثيرًا مرتبطًا بما يجب إنجازه. يُقال قبل سؤال، أو بعد خطأ، أو في بداية طلب ينتظر مني جوابًا سريعًا. تعودتُ أن أستعد كلما سمعته، كأن النداء جرس صغير يعلن أن هناك واجبًا آخر. أما معكِ، فقد تعلم اسمي أن يستريح. تستطيعين أن تقوليه بلا سبب سوى أنكِ تريدين أن تتأكدي أن انتباهي معكِ، أو لأن خاطرًا طريفًا مرّ بكِ، أو لأن الصمت طال وأردتِ أن تضعي فيه شيئًا حيًا.

ربما لهذا لا تبدو المحبة عندي فكرة معلقة فوق الحياة. إنها أن يجد اسم الإنسان مكانًا لا يُستدعى فيه للمحاسبة وحدها. مكانًا يُقال فيه برفق، ويُحفظ حين يغيب صاحبه، ولا يُستخدم سلاحًا حين يختلف اثنان. أحب أن اسمي بين يديكِ لا يتحول إلى تهمة. حتى عندما تعاتبينني، تتركين فيه مساحة للعودة، ولا تلصقين به خطئي كأن ما فعلته مرة هو كل ما سأكونه إلى الأبد.

وأنا أيضًا أتعلم اسمكِ كل يوم. لا أقصد لفظه؛ فاللفظ سهل، ويمكن لأي غريب أن يتقنه. أعني ما يتصل به من أشياء لا تظهر في الأوراق: طريقتكِ في إخفاء الضحكة حين لا تريدين مقاطعة أحد، إصراركِ على ترتيب أفكاركِ قبل أن تدافعي عنها، حاجتكِ إلى بعض الصمت بعد يوم مزدحم، وانزعاجكِ من الكلمات التي تُقال بلا اهتمام. اسمكِ عندي ليس مجموعة حروف، بل أرشيف دقيق لما رأيته فيكِ وما ائتمنتِني عليه.

أريده أن يبقى مصونًا في غيابكِ كما هو في حضوركِ. لن أسمح لغضب عابر أن يجعلني أذكر عيوبكِ أمام الآخرين، ولن أحوّل ما حكيتِه لي في أمان إلى مادة أبدو بها قريبًا منكِ. من يحب اسمًا لا يتركه على كل طاولة، ولا يسمح للغرباء أن يعيدوا تشكيل صاحبته وفق ظنونهم. سأدافع عن صورتكِ حين لا تكونين موجودة، لا لأنكِ بلا أخطاء، بل لأن كرامتكِ ليست مشروطة بأن تسمعي الكلام الذي يقال عنكِ.

وأريدكِ، حين تتعبين من الأسماء التي يطلقها العالم عليكِ، أن تأتي إليّ. قد يسمونكِ قوية لأنهم يريدون منكِ المزيد، وحساسة لأن ألمكِ يربك راحتهم، وصعبة لأنكِ وضعتِ حدًا متأخرًا، وأنانية لأنكِ اخترتِ نفسكِ مرة. لا تحملي هذه الكلمات إلى قلبكِ كأحكام نهائية. أنا أعرف الفرق بينكِ وبين الصفات التي يرميها الناس حين لا يحصلون على النسخة التي تخدمهم. أعرف أن وراء شدتكِ خوفًا قديمًا، ووراء صمتكِ محاولات كثيرة للكلام لم تجد من يصغي.

إذا نسيتِ نفسكِ تحت ضجيج تلك التعريفات، سأناديكِ باسمكِ كما ناديتِني في المحطة. لن أصرخ كي أغلب الأصوات، ولن أجرّكِ من ذراعكِ إلى طريق أختاره أنا. سأقف حيث تستطيعين رؤيتي، وأذكّركِ بهدوء بما أعرفه: أنكِ أكثر من يوم سيئ، وأكثر من رأي ناقص، وأكثر من قرار لم ينجح. سأترك لكِ حرية الخطوة، لكنني لن أسمح للزحام أن يقنعكِ بأن لا أحد ينتبه إلى ابتعادكِ.

ما زلتُ أذكر شعوري حين عدتُ نحوكِ على ذلك الرصيف. لم تكن المسافة طويلة، لكنني رأيت في ثوانيها احتمال حياة يمشي فيها كل منا بالسرعة التي فرضها عليه خوفه. كنتُ أسرع لأنني أخشى فوات الأشياء، وكنتِ تحاولين ألا تفقديني وسط الطريق. عندما أمسكتِ كمي، فهمت أن السير معًا لا يعني أن نمتلك خطوتين متطابقتين، بل أن يلاحظ كل منا متى صار الآخر خلفه، ثم يبطئ من دون منّة.

أعدكِ ألا أجعل الحب سباقًا تثبتين فيه قدرتكِ على اللحاق بي. لن أقيس نضجكِ بسرعة تجاوزكِ، ولا إخلاصكِ بعدد المرات التي تتنازلين فيها، ولا قربكِ باستعدادكِ لترك كل شيء عند أول نداء مني. لكِ حياتكِ وإيقاعكِ ومساحتكِ، وأنا لا أريد أن أمحوها كي أطمئن. أريدنا أن نمشي متجاورين لأننا نختار ذلك، لا لأن أحدنا أمسك الآخر من خوفه ومنعه من التحرك بعيدًا.

وفي الأيام التي يضطر فيها أحدنا إلى التقدم وحده، سنعرف كيف نبقى قريبين من غير أن نضيّق الطريق. قد تحملكِ فرصة إلى مكان لا أعرف تفاصيله، وقد يأخذني العمل إلى ساعات لا أستطيع مشاركتها معكِ. لن أفسر انشغالكِ بوصفه نقصًا في الحب، ولن أجعل الغياب امتحانًا يوميًا. يكفيني أن نحفظ الخيط المعنوي بيننا: رسالة صادقة، موعدًا لا نستخف به، وسؤالًا لا يُقال كإجراء بل كاهتمام ينتظر الجواب.

أحيانًا أتخيل كم مرة سيمر اسمكِ في عمري. سأقوله وأنا أخبركِ بخبر جميل لم أستطع الاحتفاظ به، وأنا أبحث عنكِ في غرفة مزدحمة، وأنا أطلب رأيكِ في قرار أربكني. سأقوله في مطبخ نصف مضاء، وفي سيارة توقفت عند إشارة طويلة، وفي مكالمة ينهزم فيها البعد قليلًا. وربما أقوله يومًا بصوت أنهكته السنوات، فتلتفتين بالنظرة نفسها، فأعرف أن الزمن غيّر ملامحنا لكنه لم يخطئ الطريق بيننا.

ولا أريد لهذه الألفة أن تجعلني أناديكِ من دون أن أراكِ. بعض الناس يحفظون أسماء من يحبونهم ثم يتوقفون عن اكتشافهم، كأن المعرفة القديمة تكفي لكل النسخ القادمة. أما أنا فأريد أن أسأل عمّا تغير فيكِ، وأن أصدّق إجابتكِ حتى لو خالفت الصورة التي اعتدتها. قد تتبدل أحلامكِ، وقد تتراجعين عن أشياء دافعتِ عنها طويلًا. لن أتهمكِ بالتناقض؛ فالإنسان الحي لا يبقى تعريفه ثابتًا كالنقش على حجر.

سأتعلم نبرة اسمكِ الجديدة كلما تغيرتِ. سأعرف المرأة التي تصبحينها، لا المرأة التي كان يسهل عليّ توقعها. وإذا اكتشفتِ رغبة لم تعرفيها من قبل، فسأقترب منها بفضول لا بريبة. الحب الذي أتمناه لكِ لا يحفظكِ في نسخة مريحة ثم يغلق الباب؛ يرافق تحولاتكِ، ويسمح لكِ أن تفاجئي نفسكِ. أريد لاسمي في حياتكِ أن يكون مرتبطًا بالاتساع، لا بالخوف من أن تخسري رضاي كلما كبرتِ في اتجاه جديد.

وأرجو أن تقولي لي حين أخطئ في رؤيتكِ. لا تتركي محبتي القديمة تتحول إلى مرآة لا تعرض إلا ما أتوقعه. صححي لي حين أضع على كتفيكِ صفة لم تعد تشبهكِ، وحين أفهم سكوتكِ بالطريقة الأسهل لي، وحين أظن أنني أعرف جوابكِ قبل أن تتكلمي. معرفتي بكِ امتياز، لكنها لا تمنحني حق التحدث بدلًا منكِ. سأبقى أسألكِ، لأن الاسم مهما كان عزيزًا لا يختصر صاحبته.

في المحطة، وصل القطار بعد دقائق من عودتي إليكِ. صعدنا، ووقفنا قرب الباب لأن المقاعد امتلأت. كنتِ ما تزالين تمسكين طرف كمي، ثم انتبهتِ وسحبتِ يدكِ مبتسمة. تمنيت وقتها لو قلت لكِ إنني أحببت تلك الحركة؛ لا لأنها منعتني من الضياع، بل لأنها كانت تلقائية، خالية من الاستعراض. يدكِ لم تطالب بامتلاكي، كانت فقط تقول: انتبه، أنا هنا، ولا أريد أن يفوتنا الطريق ونحن في المكان نفسه.

لو عاد بي ذلك المساء، لتباطأت من البداية. كنتُ سأجعل كتفي بمحاذاة كتفكِ، وأترك للزحام أن يمر من حولنا بدل أن يحدد سرعة خطوتنا. لكنني لا أستطيع تعديل المشهد القديم، ولهذا أريد أن أتعلم منه للمشاهد القادمة. كلما ارتفع ضجيج الحياة، سألتفت. كلما كثرت الاتجاهات، سأبحث عن عينيكِ قبل اللوحات. وإذا فصل بيننا عابر أو خوف أو سوء فهم، لن أتصرف كأن الطريق أهم من وصولنا معًا.

قد لا يعرف أحد لماذا أتغير حين أسمعكِ تقولين اسمي. بالنسبة إليهم، أنتِ تنادين رجلًا فيلتفت. أما أنا فأسمع في النداء كل ما بنيناه: المرات التي فهمتِ فيها صمتي، والمرات التي اختلفنا ثم اخترنا الكلام، والأيام التي لم يحدث فيها شيء مذهل سوى أننا بقينا صادقين. أسمع النسخة التي ترينها مني، لا كاملة ولا بطولية، لكنها محبوبة بما يكفي كي يُبحث عنها وسط مئات الوجوه.

لهذا، إن شعرتِ يومًا أنكِ بعيدة عني، نادي اسمي. قوليه بفرحكِ أو غضبكِ أو خوفكِ، ولا تهذّبي نبرتكِ كي تحميني من حقيقة شعوركِ. سأحاول أن ألتفت من المرة الأولى، وأن أعود إليكِ قبل أن يصير البعد عادة. وإن كنتِ أنتِ التي ابتعدت تحت ثقل يومكِ، فسأناديكِ بالطريقة التي تحفظ حريتكِ وتذكّركِ بقيمتكِ. لن يكون بيننا صوت أعلى من الاحترام، ولا مسافة أهم من أن نفهم كيف نشأت.

أحب أن لي اسمًا آخر لا يظهر في الوثائق: ذلك الذي تصنعه نبرتكِ حين تقولين الاسم المعروف. لا يستطيع أحد كتابته، لأنه مكوّن من ثقتكِ وعتابكِ وطمأنينتكِ وضحكتكِ التي تأتي بعده أحيانًا. وسأظل، مهما ازدحمت المحطات وتبدلت المدن، أعرفه فورًا. يكفيني أن يصلني صوتكِ من بين الضجيج، لأتوقف، وألتفت نحوكِ، وأتذكر أن أجمل ما في الطريق ليس سرعته ولا وجهته، بل أن هناك من يعرف كيف يناديني فأعرف أين أضع خطوتي التالية.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً