الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

فرحكِ لا يعتذر

كان المهرجان يوشك أن يغلق حين وصلنا إلى الساحة. انطفأت بعض الأكشاك، وراح العاملون يطوون المظلات الملونة، بينما بقيت العجلة الكبيرة تدور ببطء فوق البيوت. مشينا بين رائحة السكر المحروق والذرة الساخنة، لا نبحث عن شيء محدد. عند الطرف البعيد، سمعتِ موسيقى قديمة تخرج من لعبة دائرية، فتوقفتِ. كانت أحصنة خشبية ترتفع وتهبط تحت أضواء صفراء، وكان آخر الأطفال يلوّحون لأهلهم. نظرتِ إليها طويلًا، ثم قلتِ بصوت حاول أن يبدو عابرًا: كنتُ أحبها كثيرًا وأنا صغيرة.

سألتكِ إن كنتِ تريدين ركوبها. ضحكتِ بسرعة، وهززتِ رأسكِ كأن السؤال نفسه مزحة. قلتِ إننا كبرنا، وإن الناس سينظرون، وإن الجولة الأخيرة أوشكت أن تبدأ. لكن عينيكِ بقيتا معلقتين بحصان أزرق في الصف الخارجي، له سرج ذهبي ونجمة صغيرة عند عنقه. لم أجادلكِ، ولم أسحبكِ من يدكِ. وقفتُ بقربكِ فقط، حتى قلتِ بعد لحظة: لو لم يكن هنا أحد يعرفني، لركبتُ. عندها فهمتُ أن ما يمنعكِ لم يكن العمر، بل عين متخيلة تعلمتِ أن تحمليها معكِ.

اقتربنا من العامل وسألناه إن كان ثمة مكانان. أشار إلى حصانين متجاورين، فصعدتِ بحذر، وما تزالين تضحكين كأنكِ تعتذرين للهواء عن رغبتكِ. جلستُ على الحصان الآخر، وتعمدتُ ألا أخرج هاتفي. لم أرد أن تتحول اللحظة إلى دليل، أو أن تشغلي نصفها في التفكير كيف ستبدين داخل صورة. بدأت الموسيقى، وتحركت الدائرة، وبقيتِ في الجولة الأولى ممسكة بالعمود بكلتا يديكِ، تراقبين الوجوه خارج السياج أكثر مما تنظرين إلى اللعبة.

ثم ارتفع الحصان فجأة، وانخفض حصاني في اللحظة نفسها، فصرنا نتبادل الظهور والاختفاء. لوحتُ لكِ من أسفل، فضحكتِ. لم تكن ضحكة مهذبة تشبه تلك التي تمنحينها للصور أو للمجالس؛ خرجت عالية، كاملة، وغير مرتبة. أفلتت يدكِ اليمنى من العمود ولوحتِ بها، وطارت خصلة من شعركِ فوق وجهكِ. رأيتُ شيئًا فيكِ يعود من مكان بعيد، لا طفلة بالمعنى الساذج، بل امرأة تذكرت أن الفرح لا يحتاج إلى عمر مناسب كي يصبح مشروعًا.

منذ تلك الليلة، وأنا أفكر في كمّ المرات التي خفّضتِ فيها صوت سعادتكِ كي لا تبدين كثيرة. ربما تعلمتِ مبكرًا أن الحماس الزائد يعرّض صاحبه للسخرية، وأن الفتاة الرزينة لا تقفز، ولا تصفق بسرعة، ولا تعيد الحديث عن شيء تحبه أكثر من مرة. وربما شاركتِ خبرًا أسعدكِ، فقابله أحدهم ببرود جعلكِ تندمين على كشفه. هكذا يتعلم الإنسان أن يضع يده فوق فرحه، لا ليحميه فقط، بل ليخنق صوته قبل أن يسمعه الآخرون.

معي، لا أريدكِ أن تصغّري ما يبهجكِ حتى يناسب ملامحي. إذا أحببتِ كتابًا لا أفهم سر تعلقكِ به، فاحكي لي عنه مرة وعشرًا. إذا سمعتِ أغنية أعادت إليكِ شارعًا قديمًا، ارفعي صوتها. وإذا رأيتِ شيئًا بسيطًا يملأكِ حماسة، فلا تبدئي كلامكِ بعبارة: أعرف أن الأمر سخيف. ليس مطلوبًا أن يجتاز فرحكِ امتحانًا في الأهمية قبل أن أسمح له بالدخول. يكفيني أنه وجد طريقه إليكِ، وأن وجهكِ تغير حين اقترب.

لن أكون الشخص الذي يستقبل حماستكِ بوجه محايد حتى تنطفئ، ثم يسألكِ لماذا لم تعودي تشاركينه شيئًا. أعرف أن الإصغاء إلى الفرح مسؤولية أيضًا؛ فالحزن يعلن حاجته بوضوح، أما السعادة فتدخل أحيانًا بخجل، تحمل هدية صغيرة وتنتظر أن نفتح لها الباب. سأرفع عيني عن هاتفي حين تأتينني بخبر جميل، وأسألكِ عنه لا مجاملة، بل لأن ما يوقظكِ يستحق أن أعرفه. وسأدع فرحتكِ تأخذ حجمها، حتى لو جاء يومي أنا أقل إشراقًا.

وهذا لا يعني أنني سأمثل البهجة حين أكون مثقلًا. سأقول لكِ إنني سعيد لأجلكِ حتى إن لم أستطع القفز معكِ في اللحظة نفسها. سأحذر من أن أجعل تعبي عقوبة لسروركِ، أو أن أطالبكِ بتأجيل ضحكتكِ إلى أن تتحسن حالتي. يمكن لقلبين أن يحملا شعورين مختلفين في الغرفة نفسها من دون خيانة. قد تسندين حزني وأنتِ تحملين خبرًا جميلًا، وقد أبارك لكِ وأنا أحتاج إلى الصمت؛ المهم ألا يلتهم أحدنا موسم الآخر لأنه لم يأتِ في الموعد المناسب له.

عندما دارت اللعبة للمرة الثالثة، مررنا قرب مجموعة من المراهقين، فنظر أحدهم نحونا وضحك. رأيتُ كتفيكِ ينكمشان للحظة، وكادت يدكِ تعود إلى العمود. لم أنظر إليهم، ولم أحاول أن أصنع مشهدًا مضحكًا لأثبت أنني لا أبالي. قلتُ لكِ فقط: اختاري أي حصان نركبه في الجولة القادمة. التفتِّ إليّ بدهشة، ثم أشرتِ إلى حصان أبيض في الداخل. كانت إجابتكِ الصغيرة إعلانًا بأن نظرة عابرة لن تقرر مقدار ما يحق لكِ من المتعة.

أعدكِ ألا أستخدم فرحكِ ضدكِ بعد أن يمر. لن أذكركِ بضَحكتكِ العالية في أول خلاف، ولن أقلد حماستكِ أمام الآخرين كي أثير ضحكهم. اللحظة التي تتركين فيها حراستكِ ليست مادة للمزاح من دون إذنكِ. سأحمي نسختكِ العابثة كما أحمي نسختكِ الجادة، لأن الثقة لا تظهر فقط حين تبكين أمامي؛ تظهر أيضًا حين ترقصين حركة سيئة، أو تغنين خارج اللحن، أو تركضين خلف شيء تحبينه من دون أن تخافي كيف تبدين.

ولن أصور كل شيء. أعرف أن الذاكرة قد تخوننا، وأن صورة جميلة تستطيع أن تعيد مساءً كاملًا، لكن بعض الأفراح تذبل حين نضع الكاميرا بينها وبين صاحبها. سأعرف متى أسألكِ إن كنتِ تريدين صورة، ومتى أترك هاتفي نائمًا في جيبي. لا أريدكِ أن تنظري إلى نفسكِ من الخارج طوال الوقت، تصلحين زاوية وجهكِ وتضبطين يديكِ. أريدكِ أحيانًا داخل اللحظة تمامًا، لا شاهدة عليها ولا محررة لها، بل إنسانة تعيشها قبل أن تفكر في أرشفتها.

وقد لا يكون فرحكِ صاخبًا دائمًا. ربما تسعدين بصباح لا يتصل فيه أحد، أو بنبتة أخرجت ورقة جديدة، أو بساعة تجلسين فيها قرب نافذة من غير خطة. لن أفرض عليكِ نموذجًا واحدًا للسعادة كما لن أطالبكِ بالضحك كي أصدق أنكِ بخير. سأتعلم الفرق بين سكونكِ المطمئن وصمتكِ المتعب، وأسألكِ حين لا أعرف. ما يهمني ليس شكل البهجة، بل ألا تضطري إلى تزويرها لتريحيني، وألا أخطئ فأهملها لأنها لم تدخل الغرفة بالتصفيق.

وأرجو أن تتركي لي أنا أيضًا حقي في الفرح الذي قد يبدو غريبًا. ربما أتحمس لأداة جديدة، أو أنجح في أمر صغير لا يعني للعالم شيئًا، أو أكرر لكِ تفصيلًا لأنني ما زلت مأخوذًا به. لا تنظري إلى اندفاعي كطفولة ينبغي علاجها، ولا تخفضي صوتي ببرود مهذب. اسألي، وشاركي إن استطعتِ، أو قولي إنكِ لا تفهمين لكنكِ تحبين رؤيتي هكذا. فأن يشعر الإنسان أن بهجته آمنة مع من يحب، نعمة تجعله يعود إليه حاملًا الحياة بدل أن يخفيها في الطريق.

انتهت الجولة، لكن العامل قال إن بإمكاننا البقاء لأن المقاعد لم تمتلئ. انتقلتِ إلى الحصان الأبيض الذي اخترتِه، واخترتُ عربة صغيرة خلفكِ. اعترضتِ لأن العربة لا ترتفع، فقلتُ إنني أحتاج إلى استراحة من المغامرات. أطلقتِ ضحكة جديدة، ثم جلستِ باستقامة مصطنعة كفارسة في موكب رسمي. عند أول دوران، التفتِّ إليّ وأديتِ تحية مبالغًا فيها. رددتُها من عربتي، وصار العامل نفسه يبتسم كلما مررنا أمامه.

أحببتُ أنني لم أكن سبب فرحكِ الوحيد في تلك اللحظة. كانت الموسيقى، والحصان، والأضواء، وذكرى قديمة في داخلكِ، كلها تشارك في صنعه. لا أريد احتكار سعادتكِ أو مطالبتكِ بأن تنسبينها إليّ. سأكون سعيدًا بأن أقف قرب ما يسعدكِ، حتى إذا لم أكن مركزه. الحب الناضج لا يغار من كتاب أو صديقة أو هواية أو مكان يعيد الروح إلى من يحب؛ إنه يعرف أن الإنسان الذي يعود ممتلئًا لا ينقص قربه، بل يحمل معه هواءً جديدًا للعلاقة.

وحين تحزنين، لن أستدعي هذه الليلة كحجة عليكِ. لن أقول: كنتِ سعيدة بالأمس، فلماذا أنتِ هكذا اليوم؟ الفرح لا يوقع عقدًا يمنع الحزن من العودة، والضحكة الصادقة لا تعني أن كل الجروح شُفيت. سأسمح لكل شعور بوقته من دون أن أجعل أحدهما يكذّب الآخر. أنتِ التي ضحكتِ فوق الحصان الأزرق هي نفسها التي قد تستيقظ مثقلة في صباح لاحق، وكلتاهما حقيقية، وكلتاهما تستحقان مني حضورًا لا يساوم.

بعد الجولة الأخيرة، أطفأ العامل نصف الأضواء. نزلتِ ببطء، ولمستِ عنق الحصان الأزرق كما لو أنكِ تودعين رفيقًا قديمًا. ثم وقفتِ على الأرض والتفتِّ حولكِ. كانت الساحة شبه فارغة، ولم يكن أحد من الذين خفتِ أحكامهم موجودًا أصلًا. قلتِ إنكِ لا تفهمين لماذا ترددتِ كل ذلك. أخبرتكِ أن العين التي نخافها لا تحتاج أحيانًا إلى جسد؛ يكفي أن تكون قد سكنت فينا منذ موقف قديم. هززتِ رأسكِ، ثم قلتِ: في المرة القادمة سأختار الحصان قبل أن أسأل من ينظر.

ولا أريد لكل متعة أن تقدم لنا فائدة كي نستحقها. ليس ضروريًا أن تحسن اللعبة صحتنا، أو تعلمنا مهارة، أو تنتج صورة نافعة. يكفي أحيانًا أنها تمنح الروح عشر دقائق لا تؤدي فيها وظيفة. لقد تعبنا من قياس الأيام بما أنجزناه؛ فلنحوّل بعض الوقت إلى مساحة لا تُحسب نتائجها. فالبهجة التي لا تصلح سيرة ذاتية قد تصلح قلبًا أنهكته الجدية الطويلة، وهذا سبب كافٍ كي نصونها.

هذه الجملة هي ما أريده لكِ، لا في الألعاب وحدها، بل في حياتكِ كلها. اختاري ما ينعش قلبكِ قبل أن تستشيري الجمهور المتخيل. ارتدي اللون الذي يبهجكِ، تعلمي المهارة التي تأخرتِ عنها، احتفلي بالخبر الصغير، واشتري الشيء البسيط الذي يذكركِ بأن أيامكِ ليست قائمة واجبات فقط. سأكون إلى جانبكِ لا لأمنحكِ الإذن، فالإذن لكِ أصلًا، بل لأذكركِ به حين تنسين، ولأردّ إليكِ صوتكِ إذا غطته ضحكات قديمة.

وفي الطريق إلى الخارج، وجدنا كيسًا صغيرًا من شرائط الورق اللامعة عالقًا قرب السياج. حملت الريح بعض القطع فدارت حول قدميكِ، فمددتِ ذراعيكِ ودرتِ معها دورة واحدة. هذه المرة لم تنظري حولكِ. لم تسألي إن كنتُ أراقب، ولم تخفضي ضحكتكِ. وقفتُ بعيدًا خطوة كي أراكِ كاملة، لا بعين تحاكم ولا بعدسة تحفظ، بل بقلب يعرف أن أجمل ما في المحبة ليس أن نصنع الفرح للآخر دائمًا، وإنما أن نصير المكان الذي لا يضطر فيه فرحه إلى الاعتذار.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً