في بعض المساءات، يصير صوتكِ الداخلي أقسى من كل الأصوات التي واجهتِها في الخارج. أراكِ تجمعين أخطاء يوم كامل وتضعينها أمامكِ كأنها الأدلة الوحيدة على حقيقتكِ، ثم تنسين عشرات الأشياء التي فعلتِها بحكمة، والمواقف التي تماسكتِ فيها، والقلوب التي خففتِ عنها من دون أن تنتظري شكرًا. قد تتعثر كلمة منكِ، أو يتأخر إنجاز كنتِ تراهنين عليه، أو تنظرين إلى وجهكِ في المرآة فلا ترين إلا التعب؛ وفجأة تبدأ محكمة صغيرة داخلكِ، تكونين فيها المتهمة والقاضية والشاهدة التي لا تتذكر سوى ما يدينها.
في تلك اللحظات لا أريد أن أقول لكِ إنكِ كاملة، لأنني أحبكِ أكثر من أن أريحكِ بكلمة لا تنصف إنسانيتكِ. أنتِ تخطئين، وقد تتسرعين، وربما تجرحين شخصًا من غير قصد، وتتخذين قرارًا تكتشفين لاحقًا أنه لم يكن الأفضل. وأنا كذلك. لكن الخطأ عندكِ يتحول أحيانًا من فعل يمكن إصلاحه إلى حكم على قيمتكِ كلها، كأن زلة واحدة تملك حق إعادة تعريفكِ. هنا أريد أن أجلس بقربكِ، لا كي أبرئكِ من كل شيء، بل كي أمنع القسوة من ارتداء ثوب الصدق.
فالصدق يقول: أخطأتِ في هذا الأمر. أما القسوة فتقول: أنتِ خطأ. الصدق يفتح باب الاعتذار والتعلّم والمحاولة الثانية، بينما القسوة تغلق الأبواب ثم تقنعكِ أنكِ تستحقين البقاء في العتمة. وأعرف أنكِ حين تتعبين قد تخلطين بينهما؛ تظنين أن جلدكِ لنفسكِ دليل على ضميركِ، وأن حرمانكِ من الراحة نوع من التكفير، وأن إعادة المشهد في رأسكِ مئة مرة ستمنحكِ فرصة مستحيلة لتغيير ما حدث. لكن الندم الذي لا يقود إلى فعل رحيم وعادل لا يصلح الماضي؛ إنه يستهلك الحاضر فقط.
أحب فيكِ ضميركِ اليقظ، وحساسيتكِ تجاه أثر كلماتكِ، وقدرتكِ على مراجعة نفسكِ. لا أريد أن تنتزعي هذه الصفات منكِ. كل ما أتمناه أن تمنحي نفسكِ العدل نفسه الذي تمنحينه للآخرين. أنتِ تستمعين إلى أعذارهم، وتسألين عمّا مروا به، وتفرقين بين نية سيئة ويوم سيئ، وتتركين لهم مساحة كي يشرحوا ويتغيروا. أما حين يكون الدور عليكِ، فإنكِ تختصرين المحاكمة، وترفضين الشهود الذين يحبونكِ، وتصدرين الحكم قبل أن يهدأ قلبكِ. ليتكِ ترين أن الرحمة بالنفس ليست محاباة؛ إنها عدالة تأخرتِ طويلًا في منحها لصاحبتها.
حين تقولين لي: «كان يجب أن أكون أقوى»، أسأل نفسي دائمًا: أقوى من ماذا؟ من ليلة لم تنامي فيها جيدًا؟ من خبر أربككِ؟ من مسؤوليات تكاثرت فوق بعضها حتى صرتِ تنتقلين بينها من دون أن تلحقي بأنفاسكِ؟ القوة ليست آلة تعمل بالمستوى نفسه مهما تغير الحمل. وما أعدّه شجاعة فيكِ ليس أنكِ لا تنهارين أبدًا، بل أنكِ تعرفين، بعد الانهيار، كيف تجمعين الأشياء الضرورية وتتركين ما يمكن تأجيله. حتى دمعتكِ التي تخفينها كي تكملي حديثًا عاديًا ليست فشلًا؛ إنها إشارة من جسدكِ بأنه حمل أكثر مما قلتِ له.
ولن أطلب منكِ أن تثقي بنفسكِ في كل ساعة. أعرف أن الثقة ليست مفتاحًا نضيء به الغرفة متى شئنا. أحيانًا تضعف أمام رسالة لم يصل ردها، أو مقارنة عابرة، أو تعليق قيل بلا انتباه وبقي عالقًا فيكِ. في مثل تلك الأيام، يمكنكِ أن تستعيري هدوئي قليلًا. لا أقصد أن تجعلي تقديركِ لنفسكِ معتمدًا على نظرتي، ولا أن يصبح حبي مرآتكِ الوحيدة؛ أريد فقط أن أكون شاهدًا إضافيًا حين تصبح شهادتكِ ضد نفسكِ منحازة. سأذكركِ بالوقائع، لا بالمجاملات: بما أنجزتِه، وما تجاوزتِه، وكيف تصرفتِ حين لم يكن أحد يراقبكِ.
سأذكركِ بتلك التفاصيل التي لا تدخل عادة في قوائم النجاح: أنكِ تنتبهين إلى تغير نبرة شخص تحبينه، وأنكِ تعيدين قراءة رسالتكِ كيلا يُفهم منها جفاء، وأنكِ تستطيعين الاعتراف بأنكِ لا تعرفين بدل أن تتظاهري باليقين. سأذكركِ بأنكِ حين تخافين لا تتحولين إلى شخص مؤذٍ، بل تحاولين فهم خوفكِ. وبأنكِ، حتى عندما تضيق بكِ الدنيا، تتركين في كلامكِ مكانًا للآخر. هذه ليست زينة في شخصيتكِ؛ إنها أخلاق يومية لا تصنع ضجيجًا، ولذلك يسهل عليكِ نسيانها.
وإذا لم ترغبي في الكلام، فلن أحاصركِ بالأسئلة. أعرف أن الحنان قد يصبح عبئًا حين يأتي في صورة تحقيق طويل: ماذا حدث؟ لماذا أنتِ هكذا؟ هل أنا السبب؟ أحيانًا تحتاجين إلى أن تجلسي قرب شخص لا يطالبكِ بشرح فوري، ولا يحول صمتكِ إلى اتهام له. سأضع الماء قريبًا، وأخفض ضوء الغرفة، وأترك لكِ المسافة التي لا تشبه الهجر. وحين تنظرين إليّ، سأكون موجودًا كما أنا، من غير وجه قلق يجبركِ على طمأنتي بينما أنتِ التي تحتاجين إلى الطمأنينة.
لن أسرق منكِ حقكِ في الحزن على ما لم ينجح. بعض الناس يسارعون إلى القول إن الأمر بسيط، وإن غيركِ يعاني أكثر، وإن عليكِ رؤية الجانب المشرق. أعرف أن هذه العبارات قد تكون حسنة النية، لكنها تجعل الإنسان يعتذر عن ألمه فوق ألمه. إن خاب أمل كنتِ قد بنيتِ عليه شهورًا، فلن أقيسه بحجم العالم؛ سأقيسه بحجمه في قلبكِ. سأدعكِ تسمّين خسارتكِ كما تشعرين بها، ثم نبحث معًا، حين تكونين مستعدة، عما بقي وما يمكن البدء به من جديد.
وأعدكِ بشيء أكثر واقعية من أن أحميكِ من كل شك: لن أستخدم لحظة ضعفكِ ضدكِ. ما تقولينه لي وأنتِ منكسرة لن يتحول في خلاف لاحق إلى سلاح. خوفكِ من الفشل، وغيرتكِ الصغيرة، وشعوركِ بأنكِ أقل من الآخرين، وكل فكرة تخجلين منها، ستبقى في المكان الآمن الذي وضعتِها فيه. الثقة ليست أن تفتحي قلبكِ مرة؛ الثقة أن تكتشفي بعد مئة اختلاف أنني لم أبع أسراركِ للغضب، ولم أقتبس دموعكِ لأربح نقاشًا.
وقد أخالفكِ أيضًا حين يكون حكمكِ على نفسكِ ظالمًا. لن أوافقكِ فقط لأنكِ متألمة، ولن أترككِ ترددين أنكِ لا تستحقين فرصة أو حبًا أو نجاحًا من دون أن أقول لكِ إن الألم ليس خبيرًا محايدًا. سأسمعكِ حتى النهاية، ثم أضع أمامكِ ما لا ترينه. وربما تنزعجين مني، وربما تقولين إنني لا أفهم. لا بأس. لا أريد أن أنتصر عليكِ؛ أريد فقط ألا تبقي وحدكِ أمام فكرة كاذبة جاءت في ساعة متأخرة وادعت أنها تعرف عمركِ كله.
إذا أخطأتِ فعلًا، سننظر إلى الخطأ بحجمه الحقيقي. سنسأل: هل يحتاج إلى اعتذار؟ هل يمكن إصلاح أثره؟ هل هناك عادة ينبغي تغييرها؟ ثم نفعل ما نستطيع. لا نضيف إلى الضرر ضررًا آخر بأن نحطمكِ. فالإنسان المكسور لا يصبح أكثر أخلاقًا لمجرد أنه عوقب داخليًا، والندم الناضج لا يطلب منكِ أن تختفي؛ يطلب منكِ أن تعودي إلى الموقف بوعي أكبر. سأقف معكِ في هذا الطريق، لكنني لن أقوم بما يجب عليكِ القيام به، لأن مساندتي لكِ لا تعني أنني ألغي مسؤوليتكِ أو قدرتكِ.
أريدكِ أن تعرفي أنني لا أحب النسخة اللامعة منكِ وحدها: التي تنجز في موعدها، وتضحك في الصور، وتجد الجواب المناسب، وترتب شعرها قبل أن تفتح الباب. أحب أيضًا تلك التي تجلس على طرف السرير محتارة من أين تبدأ، والتي تفتح خزانتها ثم تغلقها لأنها لا تشعر أن شيئًا يليق بمزاجها، والتي تنسى كوبها حتى يبرد، وتقرأ السطر نفسه ثلاث مرات لأن عقلها بعيد. لا أراكِ أقل جمالًا أو أقل قيمة في هذه اللحظات؛ أراكِ إنسانة توقفت طاقتها قليلًا، وهذا لا يخيفني.
ربما تخشين أحيانًا أن كثرة تعبكِ ستجعلني أمل، أو أن احتياجكِ في يوم صعب سيغير صورتي عنكِ. لذلك تسارعين إلى الاعتذار: آسفة لأنني صامتة، آسفة لأنني أبكي، آسفة لأنني لم أكن لطيفة بما يكفي. أريد أن أرفع عنكِ واجب الأداء أمامي. لستِ مطالبة بأن تكوني ممتعة كي أبقى، ولا خفيفة دائمًا كي لا تثقلي يومي. وفي المقابل، سأقول لكِ بصدق حين أحتاج أنا أيضًا إلى راحة أو مساحة؛ فالحب الذي يحتمل الحقيقة أقوى من حب يراكم التعب خلف ابتسامات مهذبة.
ما أتمناه لكِ ليس أن تصبحي امرأة لا تهتز، بل امرأة لا تتخلى عن نفسها حين تهتز. أن تعرفي كيف تمسكين يدكِ الداخلية بدل أن تدفعيها بعيدًا، وكيف تقولين: هذا يوم سيئ، لا حياة سيئة؛ هذه نتيجة مؤلمة، لا تعريف نهائي؛ هذا وجه متعب، لا وجه فقد جماله. أتمنى أن تتعلمي لغتكِ الخاصة في العودة: حمام دافئ، نافذة مفتوحة، مشي بطيء، وجبة حقيقية، نوم بلا عقوبة، أو مكالمة مع من يسمعكِ بلا إصلاحات سريعة.
وسأتعلم أنا لغتكِ أيضًا. سأنتبه إلى الفرق بين صمت تريدين فيه حضوري وصمت تحتاجين فيه إلى الوحدة، بين شكوى تريد أذنًا وخوف يطلب خطة، بين دمعة عابرة وإرهاق تراكم حتى صار أكبر من يوم واحد. وقد أخطئ في القراءة، لذلك لن أدعي أنني أفهمكِ من نظرة دائمًا. سأسألكِ بهدوء: هل تريدين أن أسمع، أم أساعد، أم أبقى فقط؟ وأحترم جوابكِ، لأن الحب لا يقاس بعدد الحلول التي يقدمها، بل بقدرته على ألا يفرض حلًا في الوقت الخطأ.
حين تقسين عليكِ، لن أطلب منكِ أن تحبي نفسكِ فورًا؛ قد تبدو الجملة بعيدة وأنتِ في قاع الشك. سأطلب شيئًا أصغر: ألا تؤذيها. أن تؤجلي الحكم إلى الصباح، وأن تأكلي قبل أن تصدقي الأفكار التي تأتي مع الجوع، وأن تنامي قبل اتخاذ قرار نهائي، وأن تتحدثي إلى نفسكِ كما لو أنكِ تتحدثين إلى فتاة تحبينها وتشبهكِ. وإذا لم تستطيعي فعل ذلك وحدكِ، تعالي كما أنتِ، بلا ترتيب ولا مقدمة. سنعبر الساعة الثقيلة من دون أن نحولها إلى نبوءة.
أنا لا أحبكِ لأنكِ لا تسقطين، ولا لأنكِ تنجحين في تحويل كل وجع إلى درس جميل. أحبكِ وأنتِ تتعلمين، وتتراجعين، وتعيدين المحاولة، وأحيانًا ترفضين المحاولة حتى تستريحي. أحب فيكِ قدرتكِ على العودة، لكنني لا أجعل العودة شرطًا كي أستحق قربكِ. تستطيعين أن تتوقفي قليلًا من غير أن أخاف منكِ، وأن تقولي «لا أعرف» من غير أن تنقصي في عيني، وأن تكوني بحاجة إليّ من دون أن تصبحي عبئًا.
وفي المرة القادمة التي يبدأ فيها ذلك الصوت بمحاصرتكِ، تذكري أنني لن أكون قاضيًا آخر. سأكون الرجل الذي يفتح نافذة في تلك المحكمة الصغيرة، ويدخل منها هواء يكفي كي تسمعي الحقيقة كاملة: نعم، لكِ أخطاؤكِ، لكن لكِ أيضًا قلب يحاول، وعقل يتعلم، وتاريخ طويل لا تختصره لحظة مرتبكة. ولن أطلب منكِ أن تصدقي كل هذا دفعة واحدة. يكفيني أن تتركي بابًا صغيرًا مفتوحًا لاحتمال أنكِ أرحم وأقوى وأجدر بالمحبة مما يقول لكِ تعبكِ الآن.
حين تقسين عليكِ
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً