لا أحبكِ لأنكِ أجمل امرأة رأيتها، فالجمال وحده لا يفسّر كل هذا الاضطراب الذي يصيبني حين يرد اسمكِ فجأة في حديث لا علاقة له بكِ.
ولا أحبكِ لأنكِ الألطف، أو الأذكى، أو الأقرب إلى الصورة التي رسمتها قديمًا للمرأة التي قد تشاركني حياتي. كل هذه الصفات مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل إنسانًا يشعر بأن العالم، على اتساعه، أصبح مرتبطًا بوجود شخص واحد داخله.
أنا أحبكِ لأنكِ حدثتِ لي بطريقة لم أعرف كيف أستعد لها.
دخلتِ حياتي من دون ضجيج، ثم بدأتِ تغيّرين أماكن الأشياء في داخلي. لم تطلبي مساحة، ولم تزيحي أحدًا، ولم تعلني أنكِ ستصبحين مهمة. كل ما فعلتِه أنكِ بقيتِ على طبيعتكِ، بينما كنتُ أنا أكتشف، يومًا بعد يوم، أن قلبي يعيد ترتيب أولوياته حولكِ.
صرتُ أرى الأشياء وأفكر كيف ستبدين وأنتِ تنظرين إليها.
يمرّ أمامي مكان جميل، فلا تكتمل صورته في عينيّ قبل أن أتخيلكِ فيه. أسمع جملة تضحكني، فأحتفظ بها حتى أخبركِ. أتناول طعامًا يعجبني، فيأتيني خاطر صغير بأن عليكِ تذوقه. وحتى الأيام التي لا يحدث فيها شيء يستحق الرواية، أجدني أبحث في تفاصيلها عن أمر يمكن أن أعود به إليكِ.
كأنني منذ أحببتكِ لم أعد أعيش يومي مرة واحدة.
أعيشه حين يحدث، ثم أعيشه ثانية حين أحكيه لكِ.
وهذا ما لا يعرفه الناس عن العشق؛ إنه لا يظهر دائمًا في الكلمات الكبيرة، ولا يحتاج في كل مرة إلى موعد مرتب بعناية. أحيانًا يكون العشق رغبةً صادقة في أن يعرف شخص واحد كيف كان يومك، وأي فكرة مرّت في رأسك، ولماذا صمتَّ قليلًا بعد مكالمة عادية.
العشق أن يصبح وجودكِ داخل تفاصيل حياتي أمرًا لا أحتاج إلى تذكّر فعله.
أن أفتح هاتفي فأبحث عن اسمكِ من غير قرار. أن أستيقظ من نوم متقطع وأتساءل إن كنتِ نائمة براحة. أن أعرف، وسط انشغالي، أن هناك قلبًا في مكان آخر لا أريد للحياة أن تقسو عليه أكثر مما ينبغي.
لا أقول هذا لأجعلكِ مسؤولة عن سعادتي.
أنتِ لستِ مطالبة بإصلاح أيامي، ولا بتعويض كل ما فاتني، ولا بالبقاء مشرقة كي تظل علاقتنا جميلة. أحبكِ بما يكفي لأرفض أن يتحول حبي إلى حمل تجرّينه خلفكِ، أو وظيفة جديدة تستيقظين كل صباح لتؤديها.
لا أريد منكِ أن تحرسي قلبي طوال الوقت.
أريدكِ فقط أن تدخليه بصدق، وأن تعرفي أنكِ حين تكونين فيه لا تحتاجين إلى الوقوف على أطراف أصابعكِ خوفًا من كسر شيء.
يمكنكِ أن تكوني معي كما أنتِ فعلًا.
بفرحكِ الذي يملأ المكان، وبمزاجكِ الذي لا تعرفين له سببًا. بحماسكِ حين تتكلمين عن شيء تحبينه، وبتعبكِ حين تفقد الكلمات ترتيبها. يمكنكِ أن تخبريني بأنكِ اشتقتِ، أو أنكِ غاضبة، أو أنكِ تحتاجين إلى وقت يخصكِ وحدكِ.
لن أحب النسخة السهلة منكِ وأعاقب البقية.
فأنا لا أبحث عن امرأة توافقني دائمًا، ولا عن وجه مبتسم أعلقه على جدار حياتي كي يبدو كل شيء بخير. أريدكِ أنتِ؛ المرأة التي لها رأيها وحدودها، التي تستطيع أن تقول لي إنني أخطأت، وأن تختلف معي من دون أن تخاف أن يسقط الحب من بين أيدينا.
سيكون بيننا ما يزعجنا بالتأكيد.
قد أسيء فهم صمتكِ، وقد تقرئين في نبرتي معنى لم أقصده. ربما نختلف في توقيت الكلام، فأحتاج أنا إلى أن نحل الأمر فورًا، بينما تحتاجين أنتِ إلى ساعة تستعيدين فيها هدوءكِ. وقد نقول في لحظة ضيق كلامًا نتمنى لو أننا أبطأنا قبل قوله.
لكنني لا أريد حبًا يثبت نفسه بغياب الخلاف.
أريده أن يظهر في الطريقة التي نختلف بها؛ في قدرتنا على حماية كرامة بعضنا ونحن غاضبان، وفي امتناعنا عن استخدام النقاط الضعيفة التي عرفناها في لحظات الأمان. أريده أن يظهر حين نجلس بعد انطفاء الجدال ونعترف بأن الانتصار لم يكن يستحق المسافة التي صنعناها.
سأختاركِ حتى في اللحظة التي لا أفهمكِ فيها كاملة.
ليس اختيارًا أعمى يلغي الخطأ، بل اختيارًا يقول إنني سأحاول الفهم قبل أن أحكم، وسأسأل قبل أن أصدّق أسوأ احتمالاتي، وسأمنح ما بيننا فرصة للكلام بدل أن أترك الكبرياء يكتب النهاية وحده.
أحبكِ بطريقة تجعلني راغبًا في أن أصبح أصدق.
فمعكِ، لا أريد أن أتجمّل بما ليس فيّ. لا أريد أن أدّعي القوة حين أكون خائفًا، أو أختبئ خلف الصمت حين يجب أن أتكلم. أريد أن أقول لكِ إنني أقلق أحيانًا، وإن بعض الأمور تهزني حتى إن بدا وجهي ثابتًا، وإنني قد أحتاج إلى حنانكِ من دون أن أعرف دائمًا كيف أطلبه.
ليس لأنني ضعيف أمامكِ، بل لأنني آمن.
وهناك فرق هائل بين الاثنين.
الضعف يجعل الإنسان يخشى أن يُرى، أما الأمان فيمنحه شجاعة أن يفتح النوافذ التي ظل يغلقها أمام الجميع.
أريد أن أعرفكِ بالطريقة نفسها.
لا أريد معلوماتكِ وحدها؛ أريد لغتكِ الخفية. أن أعرف الضحكة التي تعني أنكِ سعيدة فعلًا، وتلك التي تستخدمينها كي ينتهي السؤال. أن ألاحظ الفرق بين صمتكِ المريح وصمتكِ الذي ينتظر مني أن أنتبه. أن أعرف الأشياء الصغيرة التي تستعيدين بها توازنكِ، والطريقة التي تحبين أن تُواسي بها، والكلمات التي تبقى معكِ أكثر مما يظن قائلها.
وأريد لهذه المعرفة أن تجعلني أرحم، لا أكثر سيطرة.
لن أستخدم قدرتي على قراءة ملامحكِ كي أقتحمكِ. إذا رأيت في وجهكِ كلامًا لا تريدين قوله، سأمنحكِ بابًا لا استجوابًا. سأخبركِ بأنني موجود، ثم أترك لكِ حرية الاقتراب.
لأن العشق الذي لا يحترم روح من يحب يتحول، مهما بدت كلماته جميلة، إلى قفص مزخرف.
وأنا لا أريدكِ طائرًا داخل حياتي.
أريدكِ سماءً كاملة.
أريد أن أراكِ تكبرين وتتغيرين وتكتشفين في نفسكِ أشياء لم تعرفيها حين التقينا. لا أريد أن تبقي كما أنتِ كي أظل قادرًا على فهمكِ. سأتعلمكِ من جديد كلما صنعت منكِ السنوات امرأة أخرى، وسأسمح لكِ بأن تتخلي عن أحلام قديمة من دون أن أتهمكِ بالتناقض.
قد تحبين أشياء لم تكوني تحبينها.
وقد تتعبين من أماكن ظننتِ أنكِ ستبقين فيها طويلًا. ربما يصبح صوتكِ أكثر وضوحًا، وتصبح حدودكِ أشد، وتتغير نظرتكِ إلى الحياة وإليّ وإلى نفسكِ.
لن أطلب منكِ الثبات حتى أشعر بالاطمئنان.
سأحاول أن أنمو إلى جواركِ، لا أن أمسك بنسخة قديمة منكِ وأعاتبكِ لأنكِ تجاوزتها.
وحين يمر العمر، لا أريد أن تكون أجمل ذكرياتنا محصورة في البدايات.
لا أريد أن نقضي سنواتنا نتحسر على أول حديث، وأول لقاء، وأول مرة قلنا فيها إننا نحب. أريد أن نصنع بدايات صغيرة طوال الطريق: مكانًا نزوره للمرة الأولى، عادة نبتكرها في منتصف العمر، سؤالًا نكتشف بعد سنوات أننا لم نسأله بعد.
أريد أن نبقى فضوليين تجاه بعضنا.
أن أنظر إليكِ بعد وقت طويل ولا أقول إنني أعرفكِ تمامًا، بل أعرفكِ بما يكفي لأدرك أن فيكِ دائمًا غرفة لم تفتح نافذتها بعد.
وسيأتي يوم تتغير فيه ملامحنا.
قد تظهر خطوط صغيرة قرب عينيكِ من كثرة ما ضحكتِ، ويصبح شعري أقل، وتتحرك أجسادنا بهدوء أكبر. لن أقاوم الزمن كأنه عدو جاء ليسرق المرأة التي أحببتها. سأرى في كل أثر سجلًا لما عشناه، وسأعرف أن وجهكِ لم يفقد شيئًا؛ بل أضاف إليه العمر حكايات لم تكن موجودة في أول لقاء.
ربما لن نكون عاشقين بالطريقة التي تتخيلها الأفلام.
قد يكون حبنا حينها علبة دواء يضعها أحدنا قرب الآخر كيلا ينساها، أو بطانية يسحبها بهدوء فوق كتفيه، أو سؤالًا يتكرر كل صباح ولا يفقد معناه: هل نمتِ جيدًا؟
وسيكون ذلك عشقًا أيضًا.
بل ربما يكون أصدق أشكاله؛ لأن الكلمات المبهرة تستطيع أن تشتعل في لحظة، أما الرعاية الصغيرة فتحتاج إلى قلب يختار البقاء كل يوم.
وحين أقول إنني أحبكِ، لا أقصد أنني امتلكت المستقبل أو ضمنت الطريق.
أنا لا أعرف ماذا ستفعل بنا الحياة، ولا كم مرة ستختبر قدرتنا على التمسك بما بنيناه. لكنني أعرف ما أستطيع أن أضعه بين يديكِ الآن: نيّة لا تلعب بكِ، وقلبًا لا يخجل من محبتكِ، ورجلًا يريد أن يجعل أفعاله جديرة بالكلمة التي يقولها.
أحبكِ من دون أن أطلب منكِ أن تصبحي أقل كي أكون أكثر.
أحبكِ من دون أن أحوّلكِ إلى حلم بعيد عن طبيعتكِ.
وأحبكِ لأن حضوركِ لا يأخذني بعيدًا عن نفسي، بل يعيدني إليها أكثر وضوحًا.
إن سألتِني يومًا أين تسكنين في قلبي، فلن أشير إلى زاوية محددة.
أنتِ في الطريقة التي تغيّر بها صوتي حين أحدثكِ، وفي انتباهي المفاجئ للأشياء الجميلة، وفي خوفي عليكِ من دون رغبة في تقييدكِ. أنتِ في الخطط التي صارت تتسع تلقائيًا لخطوتين، وفي الدعاء الذي يمر فيه اسمكِ حتى حين لا أنطقه.
أنتِ لستِ جزءًا عابرًا من حياتي.
أنتِ المعنى الذي جعل أجزاءً كثيرة منها تتصل ببعضها.
ولهذا، لا أعدكِ بأن يكون حبنا بلا تعب، لكنني أعدكِ بألا أتعامل مع التعب كإشارة إلى النهاية. لا أعدكِ بأن أفهمكِ دائمًا، لكنني سأبقى راغبًا في التعلم. ولا أعدكِ بأنني لن أخطئ، بل بأنني لن أضع كبريائي فوق الجرح الذي تسببت فيه.
سأحبكِ بقلبي، نعم.
لكنني سأحبكِ أيضًا بوعيي، وباختياراتي، وبالطريقة التي أحفظ بها مكانكِ حين تغيبين، وكرامتكِ حين نختلف، وحريتكِ حين تقتربين.
وإذا اختصروا العشق في لهفة البدايات، فسأعرف أن بيننا تعريفًا آخر:
أن يجد كل واحد منا في قلب الآخر مكانًا يستطيع أن يعود إليه من العالم من دون أن يخلع نفسه عند الباب.
تعالي كما أنتِ.
وسأجيء إليكِ كما أنا.
ثم لنبنِ بين نبضتين حياةً لا يحتاج فيها أحدنا إلى التمثيل كي يبقى محبوبًا.
بين نبضتين دائمًا
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً