أفكر أحيانًا في تلك اللحظة التي يدخل فيها اثنان بيتًا جديدًا قبل أن يصبح بيتًا حقًّا؛ جدران لا تعرف أصواتهما، وصناديق مغلقة، ومصباح وحيد يصل ضوؤه إلى نصف الغرفة، ورائحة طلاء لم تختلط بعد بالقهوة ولا بالطعام ولا بأيام التعب. أتخيلكِ معي في مساء كهذا، تجلسين على الأرض لأن الكراسي ما تزال مفككة، وتأكلين من علبة ورقية فوق صندوق كتب، ثم تضحكين حين تكتشفين أن الملاعق في صندوق لا نعرف أين وضعناه. لا يبدو المشهد عظيمًا لمن يراه من الخارج، لكنه يشبه نوع الحياة الذي أتمناه معكِ: حياة لا تنتظر اكتمال الظروف كي تبدأ، ولا تخجل من فوضاها المؤقتة، ولا تقيس دفئها بثمن الأثاث. يكفيني فيها أن تنظري حولكِ وتطمئني إلى أن هذا المكان، مهما كان غريبًا في ليلته الأولى، لن يطلب منكِ أن تكوني شخصًا آخر حتى تستحقي البقاء فيه.
أنا لا أحبكِ لأنكِ قادرة على تحويل كل مكان إلى جنة، ولا أريد أن أضع على كتفيكِ ذلك العبء المغلف بعبارة جميلة. لستِ مسؤولة عن صناعة البهجة وحدكِ، ولا عن إنقاذ الأيام كلما ثقلت، ولا عن جعل البيت مرتبًا والنفوس هادئة والطعام حاضرًا والوجوه راضية. أحبكِ إن دخلتِ المساء متعبة وتركتِ حقيبتكِ عند الباب، وإن قلتِ إنكِ لا تملكين طاقة للكلام، وإن تمددتِ بين الصناديق وتركتِ العالم ناقصًا إلى الغد. أريد أن يكون وجودي معكِ إعفاءً من بعض ما تحملين، لا مهمة إضافية تتقنينها. وإذا كان لنا بيت يومًا، فلن يكون بيتكِ لأنكِ تنظفينه أو تزينينه أو تتذكرين تفاصيله؛ سيكون بيتكِ لأن لكِ فيه حق الفوضى مثلما لكِ حق النظام، وحق الصمت مثلما لكِ حق الغناء، وحق أن تمري بيوم سيئ من دون أن تخافي أن يقل حبكِ في عيني.
ربما لهذا لا أتخيل وطننا المشترك في عنوان ثابت. العناوين تتغير؛ قد نغادر شقة أحببنا نافذتها لأن الإيجار ارتفع، أو ننتقل إلى مدينة لا نحفظ طرقها، أو نضطر إلى البدء من غرفة أصغر مما خططنا. قد نتجادل عند حمل الصناديق، وقد أنسى أن أكتب على أحدها ما يحتويه، فتقضين ساعة تبحثين عن إبريقكِ المفضل وتغضبين مني بحق. وقد نصل متأخرين، فلا نجد إلا متجرًا صغيرًا نشتري منه خبزًا وجبنًا، ثم نكتشف أن الثلاجة لا تعمل. لا أريد حبًّا ينهار أمام هذه التفاصيل لأنه بُني على صورة مثالية. أريد حبًّا يعرف كيف يفتح النافذة حين تفوح رائحة الطلاء، وكيف يضحك بعد الخصام، وكيف يتقاسم قطعة الخبز الأخيرة، ثم يتصل في الصباح بمن يصلح الثلاجة بدل أن يحوّل العطل إلى نبوءة عن فشل الحياة كلها.
الوطن الذي أريده معكِ ليس جدرانًا تحبسنا، بل طريقة نعود بها إلى بعضنا. قد يكون كوب الماء الذي أضعه قربكِ حين تنامين، والبطانية التي تسحبين نصفها من غير قصد، والرسالة القصيرة التي تقولين فيها إنكِ وصلتِ، وانتظاري كي تخبريني عن يومكِ من دون أن أسرق الحكاية بنصيحة لم تطلبيها. قد يكون أن نعرف مواضع تعب بعضنا: أنتِ تعرفين أن صمتي أحيانًا ليس ابتعادًا، وأنا أتعلم أن قولكِ «لا بأس» قد يحتاج إلى سؤال أهدأ، لا إلى تصديق سريع. الوطن بيننا لن يكون مكانًا لا تحدث فيه المشكلات؛ سيكون مكانًا لا يضطر أحدنا فيه إلى إخفاء المشكلة كي يحافظ على محبة الآخر.
أعرف أن فكرة المشاركة تبدو سهلة حين تُكتب، لكنها في الواقع مصنوعة من أمور صغيرة لا يصفق لها أحد. من ينهض حين يرن الهاتف في وقت مزعج؟ من ينتبه إلى أن مسحوق الغسيل أوشك على النفاد؟ من يحمل القلق المالي من دون أن يحوله إلى سلطة؟ من يعتذر أولًا حين يكون كل واحد مقتنعًا بأنه المجروح؟ أريد أن أتعلم معكِ عدل هذه الأشياء، لا أن أفترض أنكِ ستعرفينها بالفطرة لأنكِ امرأة. أريد أن أرى العمل الخفي الذي يجعل الحياة ممكنة، وأن أضع يدي فيه. لن أقول لكِ إنني «أساعدكِ» في بيتنا، فكلمة المساعدة توحي بأن الأصل مسؤوليتكِ وأنني ضيف كريم. أريد أن تكون المسؤولية لنا، وكذلك الراحة، وأن نتبادل الأدوار بحسب القدرة لا بحسب عادة قديمة دخلت معنا من بيوت الآخرين.
وحين نتغير، كما لا بد أن نفعل، أريد للبيت أن يتغير معنا. ربما تحبين في عام لونًا ثم تضيقين به، أو تتركين عملًا ظنه الجميع مناسبًا لكِ، أو تستيقظ فيكِ رغبة قديمة في التعلم والسفر والبداية. لن أحتفظ بنسخة سابقة منكِ وأطالبكِ بالعودة إليها لأنها كانت أسهل لي. أنتِ لستِ قطعة أثاث نختار موضعها في اليوم الأول ثم نغضب إن تحركت. أنتِ حياة كاملة، والحياة تنمو وتميل وتبدل اتجاهها. سأحتاج أحيانًا إلى وقت لأفهم تحولكِ، وقد أخاف مما لا أعرفه، لكنني أريد أن أقول خوفي بصدق من دون أن أجعله قيدًا حولكِ. الحب عندي ليس أن تتوقفي كي أطمئن؛ هو أن نتعلم كيف نسير ونحن نعترف بأن الطريق يغيرنا.
وأنا أيضًا لن أبقى الرجل نفسه إلى الأبد. قد أتعب بطريقة لا أعرف الآن كيف أشرحها، وقد أفشل في أمر وثقت به، وقد أفقد يقيني وأحتاج إلى أن أبدأ من جديد. لا أطلب منكِ أن تحملي صورتي القديمة فوق ظهركِ، ولا أن تذكّريني كل يوم بمن وعدت أن أكونه. أطلب فقط أن تنظري إليّ كما أنظر إليكِ: إنسانًا مسؤولًا عن أفعاله، لكنه ليس محكومًا بأسوأ لحظاته. إذا أخطأت، أريد أن أصلح الخطأ لا أن أتوارى خلف الحب. وإذا خذلتكِ، فلا أريد منكِ أن تصمتي كي يبقى البيت هادئًا؛ فالهدوء الذي يُشترى من كرامتكِ ضجيج مؤجل. قولي ما يؤلمكِ، واتركي لي واجب الإصغاء والتغيير. لا معنى لوطن يفتح بابه لعودتي ويغلق نافذته على صوتكِ.
أتخيل في زاوية ذلك البيت نبتة ريحان صغيرة نشتريها في الأسبوع الأول. قد نضعها على حافة نافذة لا تصلها الشمس جيدًا، فتصفر بعض أوراقها. ستقترحين نقلها إلى المطبخ، وسأقول إن الضوء هناك أقل، ثم نجرب موضعين وثلاثة حتى نجد ما يلائمها. أحب هذا المشهد لأنه لا يتحدث عن إنقاذ خارق، بل عن انتباه يتكرر. العلاقات أيضًا لا تعيش بالنيات وحدها. تحتاج إلى أن نلاحظ الورقة التي انحنت، وأن نغير موضعنا قبل أن تذبل الأشياء بصمت. لن تكفي عبارة «أنا أحبكِ» إذا كانت أفعالي تضعكِ كل يوم في زاوية لا يصلها الضوء. أريد أن يكون حبي قابلًا للرؤية في طريقة حديثي، وفي حدود غضبي، وفي القرارات التي تمسك حياتنا معًا، وفي المساحة التي أتركها لكِ كي تتنفسي من دون أن تبتعدي عني.
قد تسألينني أين الرومانسية في الحديث عن الصناديق والفواتير والثلاجة المعطلة وتقاسم الأعمال. أراها في كل ذلك. أراها في أن أحبكِ داخل اليوم الحقيقي، لا في المناسبات التي نرتب لها صورًا جميلة فقط. أراها حين أشتري المصباح الذي يريح عينيكِ، وحين تتركين لي آخر رشفة قهوة لأنكِ تعرفين أن رأسي يؤلمني، وحين نختلف على اتجاه السرير ثم نجد وضعًا يسمح لكل منا برؤية جزء من السماء. أراها في أن نكون قادرين على قول الحقيقة ونحن واثقان من أن الصدق لن يهدم السقف. القبلة جميلة، والورد جميل، والكلمات التي تسرع لها دقات القلب جميلة؛ لكن أجملها عندي أن تشعري، في أكثر أيامكِ عادية، بأنكِ مختارة لا مستخدمة، ومحبوبة لا مُطالبة بإثبات قيمتكِ.
أريد أن أعرف صوت خطواتكِ في الممر، لا لأراقب حضوركِ وغيابكِ، بل لأن الجسد يحفظ من يحب من التفاصيل التي لا ينتبه إليها العقل. أريد أن أعرف كيف تغلقين الخزانة حين تكونين مستعجلة، وكيف ترتبين أكوابكِ، وأي جهة من النافذة تختارين حين تمطر. ومع ذلك، لا أريد للألفة أن تجعلني أتوقف عن رؤيتكِ. أخاف من ذلك الاعتياد الذي يحول الإنسان القريب إلى جزء من الخلفية، فيصير الآخرون أكثر تهذيبًا معه منا، وتذهب كلمات الشكر كلها إلى خارج البيت. سأحاول أن أبقى منتبهًا: أن أشكركِ على ما تفعلين، وأن ألاحظ تعبكِ قبل أن يتحول إلى غضب، وأن أسألكِ عن رأيكِ حتى في الأمور التي اعتدنا حسمها بسرعة. أنتِ لستِ تفصيلًا مضمونًا في يومي؛ أنتِ شخص يختار البقاء، وهذا الاختيار يستحق أن يُقابل بالوعي كل يوم.
لهذا، حين أقول إنني أريد بيتًا معكِ، لا أقدم لكِ وعدًا بمستقبل خالٍ من الإيجارات والانتقالات والقلق والأعطال. أقدم معنى أصغر وأصدق: لن أجعلكِ تواجهين وحدكِ ما يفترض أن نواجهه معًا. لن أختبئ خلف الصمت حين يلزم القرار، ولن أترك لكِ عبء تلطيف كل حقيقة قاسية. سأجلس معكِ على الأرض إذا لم تكن لدينا كراسٍ، وسأفتح الصناديق واحدًا واحدًا، وسأعترف إن ضيعت الملاعق. وإذا تشاجرنا في الليلة الأولى، فلن أعد الخصام دليلًا على أننا أخطأنا الطريق؛ سأعده فرصة لنتعلم كيف نبقى محترمين حتى حين تضيق نفوسنا.
أراكِ في ذلك المساء المتخيل تضعين علبة الطعام جانبًا، ثم تنهضين نحو النافذة. المطر يخط خطوطًا طويلة على الزجاج، والمدينة الجديدة لا تعرف اسمينا. تجدين بين الأغراض كوبين غير متشابهين، وتملئينهما بالماء لأن آلة القهوة لم تُركب بعد. أفرش معطفي على الأرض كي نجلس قرب النافذة، فتضحكين لأن الحركة لا تجعل الأرض أكثر راحة، لكنكِ تجلسين. بيننا مصباح صغير، وخلفنا صناديق كثيرة، وعلى الحافة نبتة ريحان تميل أوراقها نحو الضوء. لا شيء مكتمل، ومع ذلك لا أشعر أننا في انتظار الحياة. تكون الحياة قد بدأت بالفعل: في تعبنا، وفي ضحكتكِ، وفي الكوبين المختلفين، وفي يدي التي تجد يدكِ وسط مكان لم يحفظنا بعد.
وحين تسألينني بعد سنوات أين كان بيتنا الأول، قد أنسى اسم الشارع أو رقم الباب، لكنني لن أنسى أنكِ جلستِ بقربي في غرفة فارغة وجعلتِ الفراغ قابلًا للسكن. ولن أقول إنكِ كنتِ الوطن، لأنني لا أريد أن أحملكِ مسؤولية إنقاذي من كل تيه. سأقول إن الوطن كان ما صنعناه بيننا: مساحة لا يملك أحدنا فيها الآخر، ولا يخاف فيها من التغير، ولا يُترك وحيدًا أمام العبء. مساحة حملناها معنا كلما تبدلت العناوين. لهذا لا يقلقني كثيرًا أين ستأخذنا الأيام. ما دمتِ تمشين إلى جواري بإرادتكِ، وما دمتُ أحفظ لكِ حقكِ في أن تكوني نفسكِ كاملة، فسيتعلم المكان الجديد أصواتنا. وسنجد، بين صندوق لم يُفتح ومصباح وحيد ونبتة تبحث عن الشمس، أن لنا وطنًا لا يبقى خلفنا حين نرحل؛ وطنًا ينهض بهدوء، ويحمل قلبه، ويتبع خطاكِ.
وطنٌ يتبع خطاكِ
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً