إذا فقدتِ يومًا شخصًا تحبينه، فلن أطلب منكِ أن تكوني قوية من أجلي.
لن أراقب وجهكِ منتظرًا اللحظة التي تجف فيها دموعكِ، ولن أقيس تعافيكِ بعدد الأيام التي مرّت منذ الخبر. سأعرف أن الحزن لا يعمل وفق تقويم، وأن الإنسان قد يبدو بخير صباحًا، ثم تهزمه في المساء رائحة عابرة، أو أغنية قديمة، أو رقم محفوظ في الهاتف يعرف أنه لن يجيبه أحد.
سأبقى إلى جواركِ من دون أن أفرض على وجعكِ شكلًا يناسبني.
ربما تبكين كثيرًا، وربما تعجزين عن البكاء تمامًا. قد تتحدثين عن الشخص الذي رحل لساعات، ثم لا تحتملين سماع اسمه في اليوم التالي. ربما تشعرين بالغضب، أو الذنب، أو الإنكار، أو بشيء يشبه الخدر يجعلكِ تتحركين بين الناس وكأن الخبر حدث لامرأة أخرى.
لن أقول إن طريقتكِ في الحزن خاطئة.
فالفقد لا يمنح الإنسان دليلًا واضحًا لما ينبغي أن يفعله بعده. يضعه فجأة أمام حياة ما زالت تتحرك، بينما توقف شيء أساسي في داخله. تستمر السيارات في الشارع، تصل الرسائل، تُفتح المتاجر، ويختلف الناس حول أمور صغيرة، فتبدو مواصلة العالم ليومه نوعًا من القسوة.
سأفهم لماذا يزعجكِ أن يبقى كل شيء طبيعيًا.
ولن أقدم لكِ جملة جاهزة كلما صمتِّ.
هناك عبارات صحيحة، لكنها تفقد معناها حين تُقال بدل الإصغاء. لن أستخدم الإيمان كي أمنعكِ من الحزن، ولن أتعامل مع دموعكِ كأنها اعتراض على قدر الله. تستطيعين الرضا بما لا تستطيعين تغييره، وفي الوقت نفسه تشتاقين وتتألمين وتسألين لماذا كان الرحيل بهذه السرعة.
القلب المؤمن ليس قلبًا لا يحزن.
والصبر لا يعني أن تمشي في العزاء بوجه ثابت، أو أن تطمئني الجميع بينما أنتِ التي تحتاجين إلى الطمأنينة. قد يكون الصبر أحيانًا أن تنهضي من السرير، أو تشربي الماء، أو تسمحي لأحد بأن يجلس قربكِ من دون أن تطلبي منه الرحيل.
سأحاول أن أساعدكِ في الأشياء التي لا تجد اللغة مكانًا داخلها.
سأتذكر أن الطعام قد يبقى أمامكِ من دون أن تمدّي يدكِ إليه، وأن جسدكِ يحتاج إلى العناية حتى حين يفقد كل شيء طعمه. سأضع كوب الماء قربكِ، وأجيب عن مكالمة لا تستطيعين احتمالها، وأرتّب ما يمكن ترتيبه، وأمنحكِ وقتًا لا تضطرين فيه إلى شرح حالكِ لكل شخص يسأل.
لن أجلس قربكِ كضيف ينتظر منكِ حسن الاستقبال.
إذا كان البيت ممتلئًا بالناس، سألاحظ تعبكِ وسط الزحام. وإذا انصرف الجميع وحلّ ذلك الصمت الثقيل الذي يأتي بعدهم، لن أفترض أن انتهاء العزاء يعني انتهاء الحاجة إلى المساندة.
فالأيام الأولى مزدحمة.
يأتي الناس، يحملون كلماتهم وطعامهم وأسئلتهم، ثم يعود كل منهم إلى حياته. أما أنتِ، فتبقين أمام المكان الذي كان يشغله الراحل، وأمام التفاصيل التي لم ينتبه إليها أحد سواكِ: مقعده، كوبه، طريقته في النداء، والموعد الذي كان من المفترض أن يأتي فيه.
أعرف أن الحزن الحقيقي قد يبدأ بعد انصراف المعزّين.
حينها لن أقول: «أما زلتِ حزينة؟»
لن أتصرف كأن الوقت أدى مهمته لمجرد أن أسابيع مرّت. بعض الغياب لا يصغر، بل يتغير شكله فقط. في البداية يكون صدمة تملأ الغرفة كلها، ثم يتراجع قليلًا حتى تستطيعين الحركة، لكنه يبقى هناك؛ يظهر في المناسبات، وفي الأخبار التي كنتِ ستخبرينه بها، وفي اللحظة التي ترفعين فيها الهاتف قبل أن تتذكري.
سأترك لكِ حق الحديث عنه.
لا تخشي أن تفسدي مزاجي بذكره، ولا تغيّري الموضوع لأنكِ رأيتِ الآخرين يصمتون فجأة. أخبريني عن أيامه الجيدة والسيئة، عن عاداته التي كانت تزعجكِ ثم أصبحتِ تشتاقين إليها، وعن الجملة التي كان يكررها حتى حفظتموها جميعًا.
سأسمع الحكايات، حتى تلك التي سبق أن سمعتها.
فالتكرار في الحزن ليس نقصًا في الكلام، بل محاولة لحماية الذاكرة من أن تتآكل. أحيانًا يعيد الإنسان القصة لأنه يريد أن يتأكد أن صاحبها كان هنا فعلًا، وأن حياته لم تتحول إلى اسم يُقال بصوت منخفض ثم يُطوى.
ولن أحاول أن أجعل الراحل مثاليًا كي أواسيكِ.
قد تكون علاقتكِ به معقدة. ربما أحببتِه، لكن بينكما كلام لم يُحسم. قد تكون هناك مكالمة لم تجيبي عنها، أو اعتذار تأخر، أو خلاف ظننتِ أن أمامكما وقتًا لإصلاحه. وحين ينتهي الوقت فجأة، تصبح الأشياء التي لم تُقل أثقل من الأشياء التي قيلت.
إذا شعرتِ بالذنب، لن أكتفي بالقول إنكِ لم تخطئي.
سأدعكِ تخبرينني بما يؤلمكِ. سننظر إلى الأمر برفق وصدق، من دون أن نحاكم المرأة التي كنتِها قبل أن تعرف أن الفرصة الأخيرة كانت أخيرة فعلًا. فالإنسان يتصرف كل يوم على أساس أن هناك غدًا، ولا يستطيع أن يودع من يحب في نهاية كل لقاء كما لو أنه النهاية.
قد تكونين أخطأتِ، كما يخطئ كل من يعيش علاقة حقيقية.
لكن خطأً واحدًا لا يلغي المحبة التي سبقته، وكلمة قاسية لا تمحو سنوات من الحضور. ليس من العدل أن تعيدي كتابة علاقتكما كلها بحبر اللحظة التي تؤلمكِ الآن.
وإذا احتجتِ إلى اعتذار لم يعد قادرًا على سماعه، فقولي ما في قلبكِ.
اكتبيه، أو اقرئيه بصوت مسموع، أو احتفظي به بينكِ وبين الله. لا يغيّر ذلك ما حدث، لكنه قد يفتح نافذة في غرفة مغلقة داخلكِ. بعض الكلام لا يصل إلى صاحبه، لكنه ينقذ من بقي حيًا من حمله إلى الأبد.
ولن أغار من مكان الراحل في قلبكِ.
محبتكِ له لا تنتقص من محبتكِ لي، واشتياقكِ إليه ليس بابًا مغلقًا في وجهي. القلوب لا تعمل كغرف محدودة يجب إخلاء واحدة منها كي يسكنها شخص جديد. تستطيعين أن تحملي ذكرى إنسان غاب، وأن تحبي من بقي، من دون خيانة لأي منهما.
لن أطلب منكِ أن تتوقفي عن ذكره كي أشعر أن دوري أكبر.
إذا كان أحد والديكِ، فسأفهم أن جزءًا من طفولتكِ رحل معه. وإذا كان أخًا أو أختًا، فسأعرف أن شاهدًا على بداياتكِ اختفى من العالم. وإذا كان صديقًا، فلن أقلل من الفقد لأن الدم لم يجمعكما؛ فبعض الناس تختارهم الروح، ويصبح غيابهم جرحًا لا تفهمه سجلات العائلة.
لكل علاقة موتها الخاص.
ولكل غياب موضع لا يستطيع شخص آخر ملأه.
لن أقول لكِ إنني سأعوّضكِ عنه، لأنني لا أستطيع، ولأن المحبة لا تعوّض البشر كأنهم أدوار قابلة للاستبدال. سأكون أنا، حاضرًا بما أستطيعه، وسأحترم المساحة التي ستبقى باسمه.
وقد تمرّ عليكِ لحظة تضحكين فيها، ثم تشعرين بالذنب لأنكِ ضحكتِ.
سأذكّركِ أن عودة ابتسامتكِ ليست خيانة للحزن. لا يحتاج الراحل إلى أن تتعطّل حياتكِ كي يثبت أنكِ أحببتِه. يمكنكِ أن تفرحي في يوم، ثم تبكي في اليوم التالي. تستطيعين الاستمتاع بوجبة، أو رحلة، أو أغنية، من دون أن يعني ذلك أنكِ نسيتِ.
الوفاء لا يُقاس بمقدار ما نعاقب أنفسنا بعد الرحيل.
وإذا جاء أول عيد من دونه، أو مرّ تاريخ ميلاده، أو حلّت ذكرى اليوم الذي فقدتِه فيه، فلن أتعجب من تبدّل مزاجكِ. قد لا تنتبهين أنتِ إلى اقتراب التاريخ، لكن جسدكِ يتذكر أحيانًا قبل الذاكرة. تشعرين بثقل لا تعرفين مصدره، ثم تنظرين إلى التقويم فتفهمين.
سأحاول أن أتذكر معكِ.
لن أترككِ تواجهين تلك الأيام كأنها تواريخ عادية. يمكننا أن نفعل شيئًا يحفظ أثره: نطعم شخصًا محتاجًا، أو نزور مكانًا أحبه، أو نقرأ له دعاءً، أو نجلس فقط ونستعيد حكاية جميلة عنه.
لكنني لن أفرض عليكِ طقسًا لا تريدينه.
ربما تفضلين الصمت، أو النوم، أو الابتعاد عن الجميع. سأحترم ذلك، وأبقى قريبًا بما يكفي كي تعرفي أنكِ لستِ وحدكِ، وبعيدًا بما يكفي كيلا يتحول حضوري إلى عبء جديد.
وفي بعض الليالي، قد تستيقظين من حلم بدا حقيقيًا.
ربما رأيتِه يدخل من الباب، أو سمعتِ صوته، أو أكملتِ معه حديثًا انقطع منذ زمن. ثم تفتحين عينيكِ، ويحدث الفقد مرة أخرى في ثوانٍ؛ يعود الخبر جديدًا كأنه وصل للتو.
إذا أيقظتِني، لن أقول إن الأمر مجرد حلم.
سأعرف أن قلبكِ عاد للحظة إلى عالم كان فيه الشخص حيًا، وأن الاستيقاظ نزعه منكِ مرة أخرى. سأجلس معكِ حتى يهدأ تنفسكِ، من دون أن أبحث عن تفسير، ومن دون أن أطلب منكِ النوم سريعًا لأن الغد مزدحم.
الغد يستطيع الانتظار قليلًا.
وقد يأتي يوم تشعرين فيه أن الآخرين ملّوا حزنكِ. ستبدئين باختصار الإجابات، وتقولين إنكِ بخير حتى لا تثقلي على أحد. ستتعلمين أن تبكي وحدكِ، وأن تمسحي أثر الدموع قبل الخروج، وأن تغيّري الموضوع عندما يقترب من الموضع الحساس.
معي، لا تحتاجين إلى هذا الأداء.
لكنني لن أجعل علاقتنا تتحول إلى غرفة للحزن وحده. سأساعدكِ على تذكّر أن حياتكِ ما زالت تحتوي على أشياء أخرى، لا بإجباركِ على تجاوز الفقد، بل بفتح النوافذ التي أغلقها الألم. سنمشي، ونأكل، ونخطط، ونضحك حين يأتي الضحك من تلقاء نفسه.
لن أجرّكِ إلى الحياة.
سأمشي بمحاذاتكِ حتى تجد قدماكِ إيقاعهما من جديد.
وإذا أصبح الحزن أثقل من قدرتنا، وإذا انقطعتِ طويلًا عن النوم أو الطعام أو العمل، فلن أتعامل مع طلب المساعدة المتخصصة كأنه ضعف فيكِ أو تقصير مني. هناك أوجاع تحتاج إلى يد تعرف كيف ترافقها، ومحبتي لكِ لا تجعلني خبيرًا بكل ما يمر داخلكِ.
سأشجعكِ على طلب العون، وأبقى معكِ خلاله.
لن أقول: «أنا موجود، فلماذا تحتاجين إلى غيري؟» لأن وجودي ليس منافسة مع العلاج، ولا مع الأصدقاء، ولا مع العائلة. ما يهمني أن تصلي إلى ما يساعدكِ، لا أن أكون أنا المصدر الوحيد له.
ومع مرور الوقت، ستتغير علاقتكِ بالغياب.
لن يختفي، لكنه قد يتوقف عن قطع أنفاسكِ كلما ظهر. ستتمكنين من ذكر الاسم من دون أن تنهار الجملة، والنظر إلى صورة من دون أن يتحول اليوم كله إلى بكاء. ستبقى هناك وخزة، لكنها ستعيش إلى جوار الامتنان لأنكِ عرفتِ ذلك الإنسان أصلًا.
وحين تصلين إلى هذه المرحلة، لن أقول إنكِ تجاوزتِه.
الناس لا يتجاوزون من أحبوا حقًا؛ إنهم يتعلمون حملهم بطريقة لا تمنعهم من استعمال أيديهم للحياة. يتحول الشخص من وجود تفتقدينه خارجكِ إلى أثر يسكن لغتكِ، وعاداتكِ، وطريقتكِ في رؤية العالم.
ربما تستخدمين عبارة كان يقولها من دون أن تنتبهي.
ربما تطبخين طبقًا كما كان يحبه، أو تختارين هدية لأن ذوقه ما زال يمر عبركِ، أو تمنحين شخصًا غريبًا لطفًا تعلمتِه منه. عندها يكون شيء منه قد بقي، لا بالصورة التي تمنيتِها، لكن بالصورة الوحيدة التي لا يستطيع الموت انتزاعها.
وإذا رأيتكِ في يوم بعيدة الذهن، لن أسأل بغيرة: «أين ذهبتِ؟»
قد تكونين عدتِ إلى ذكرى لا أعيش فيها، وإلى مكان سبقني في حياتكِ. سأنتظر عودتكِ، وإن أردتِ أن تأخذيني معكِ، فاحكي لي.
أخبريني عنه كما كان.
عن ضحكته، وعن عيوبه، وعن طريقته في الغضب والمصالحة، وعن الأشياء الصغيرة التي لا يعرفها من حضروا جنازته ولم يعيشوا أيامه. سأحفظ ما تقولين، ليس كي أحتل مكانه، بل كي يصبح الاسم الذي تحبينه مألوفًا في بيتنا، لا ضيفًا نخشى ذكره.
وإذا لم تستطيعي الكلام، فسأفهم.
سأجلس قربكِ، وأترك للصمت حقه. ليست كل مواساة جملة، وليست كل محبة قادرة على إصلاح ما انكسر. أحيانًا يكون أصدق ما يقدمه إنسان لآخر أن يعترف بعجزه، ثم لا يغادر.
وهذا ما أعدكِ به:
لن أدّعي أنني أستطيع إزالة حزنكِ.
لن أقول إن الأيام ستعيد كل شيء كما كان.
ولن أطلب منكِ العودة إلى المرأة التي كنتِها قبل الفقد، لأن بعض الرحيل يغيّرنا فعلًا، ومن القسوة أن نعامل التغيير كأنه عطل يجب إصلاحه.
سأتعرف إلى المرأة التي صرتِ إليها بعده.
سأحترم هدوءها الجديد، وخوفها المفاجئ على من تحب، وطريقتها المختلفة في تقدير الوقت. سأفهم لماذا أصبحت بعض الوداعات أطول، ولماذا تقلقكِ المكالمات المتأخرة، ولماذا تصرين أحيانًا على قول ما تشعرين به قبل انتهاء اللقاء.
وسأحب فيكِ هذا الإدراك، حتى حين يكون مؤلمًا.
فمن يعرف هشاشة الوقت يتعلم ألا يؤجل الحنان كثيرًا.
إذا ثقُل عليكِ الغياب، ضعي بعضه عندي.
لن أحمله عنكِ كاملًا، فلا أحد يستطيع، لكنني أستطيع أن أمنعكِ من حمله وحدكِ. أستطيع أن أكون اليد التي تمسك يدكِ حين ترتجف، والصوت الذي يجيب حين يخلو الليل، والوجه الذي لا يطلب منكِ أن تتظاهري بأنكِ تعافيتِ.
ابكي حين يأتي البكاء.
اصمتي حين تعجز اللغة.
واضحكي حين تفاجئكِ الحياة بلحظة جميلة، من دون أن تعتذري لمن رحل أو لمن بقي.
سأعرف أنكِ لم تنسي.
وسأعرف أن استمراركِ في الحياة ليس تخليًا عنه، بل شهادة على أن المحبة التي تركها داخلكِ كانت قادرة، رغم الألم، على أن تدفعكِ خطوة أخرى نحو الضوء.
حين يثقل الغياب
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً