الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

بيننا بريدٌ بطيء

في صباح الرحلة، كنتِ واقفة إلى جوار حقيبتي على رصيف المحطة، تتظاهرين بأنكِ تتأكدين من إغلاق جيبها الجانبي. لم أفهم لماذا ابتسمتِ حين سألتكِ عمّا تفعلين، ولم أعرف أنكِ دسستِ ظرفًا بلون العاج بين دفتر المواعيد وقميصي المطوي. لم تخبريني به إلا بعد أن تحرك القطار وعبر النهر، حين وصلتني منكِ رسالة قصيرة تقول: «الآن افتح الجيب». أخرجتُ الظرف فوجدتُ ورقة واحدة، عليها سطران بخطكِ، وتحتها أثر خفيف من فنجان القهوة الذي كان قربكِ وأنتِ تكتبين. ضحكتُ وحدي في المقعد، ثم قرأتُ الكلمات مرات كثيرة، لا لأنها كانت معقدة، بل لأنها وصلتني من يدكِ لا من شاشة، وحملت معها دقائق عشتِها قبلي ثم خبأتِها كي أجدها في الطريق.

منذ ذلك اليوم صار بيننا بريد بطيء، مع أننا لم نكن عاجزين عن الكلام السريع. كنا نتبادل الرسائل كل مساء، ونعرف كيف نسمع صوت بعضنا في اللحظة نفسها، لكنكِ اقترحتِ أن نرسل مرة كل أسبوع بطاقة حقيقية. قلتِ إن بعض الكلام يحتاج إلى رحلة أطول من المسافة بين إصبع وزر، وإن العبارة حين تُكتب باليد تضطر صاحبها إلى البقاء معها قليلًا قبل أن يغادرها. أحببتُ فكرتكِ، ثم أحببتُ ما فعلته بنا. صرتُ أنتظر خطكِ على الظرف، والطابع المائل، والزوايا التي تتعب في الطريق، وأشعر أن شيئًا منكِ تحرك بين شوارع ومدن حتى بلغ يدي. لم تعد المسافة فراغًا؛ صار لها ورق يمكن لمسه.

أحب رسائلكِ لأنها لا تحاول أن تكون أدبًا. تكتبين لي أنكِ أضعتِ مفتاحكِ ثم وجدته في جيب المعطف الذي فتشتِه مرتين، وأن الشاي برد لأن مكالمة طويلة قطعت جلستكِ، وأن طفلًا في المتجر أعاد علبة سقطت منكِ ثم انتظر كلمة الشكر بوجه جاد. تتركين أحيانًا كلمة مشطوبة، أو سهمًا يرفع جملة إلى مكانها، أو مساحة بيضاء لأنكِ نسيتِ ما أردتِ قوله ثم رفضتِ أن تملئيها بكلام لا يشبهكِ. وفي هذه العلامات أراكِ أكثر مما أراكِ في الصور المرتبة. أرى سرعتكِ، وترددكِ، وضحكتكِ التي جعلت الخط يصعد قليلًا، واللحظة التي توقفتِ فيها لتختاري كلمة لا تجرح ولا تكذب.

قبل رسائلكِ كنتُ أظن أن الحب يحتاج إلى أجوبة فورية كي يطمئن. إذا تأخر الرد، فتحتُ للصمت أبوابًا كثيرة، وأدخلتُ منه احتمالات لم يرسلها أحد. كنتُ أخلط بين القرب والتوفر الدائم، كأن المحبة ساعة ينبغي أن تظل مضاءة لئلا نشك في وجودها. أنتِ لم تسخري من خوفي، ولم تتركيه يحكمنا أيضًا. قلتِ لي بوضوح إن انشغالكِ ليس انسحابًا، وإنكِ تريدين أن تعودي إلى الحديث حين يكون لكِ حضور حقيقي، لا أن ترسلي جملة مستعجلة لتنجحي في امتحان لم تختاريه. تعلّمتُ معكِ أن التأخر لا يعني البرود، وأن القلب الواثق لا يقيس مكانته بعدد الدقائق بين رسالتين.

لهذا أحب البريد الذي اخترعتِه لنا. كان الظرف يصل بعد أن تكون الحكاية قد انتهت، لكنه لا يبدو قديمًا. أقرأ عن ظهيرة مضت منذ خمسة أيام، فأدخلها متأخرًا من دون أن أفقدها. أعرف أنكِ جلستِ يومها قرب نافذة مكتبة، وأن امرأة مسنة طلبت منكِ الوصول إلى كتاب في الرف الأعلى، وأنكِ بقيتِ تفكرين في الإهداء المكتوب على صفحته الأولى. لا أكون حاضرًا لحظة حدوث الأمر، ومع ذلك تمنحينني مكانًا فيه حين تختارين أن ترويه. وهذا فرق أحببته: أنتِ لا تطلبين مني أن أراقب يومكِ كله كي أكون قريبًا، بل تفتحين لي بابه حين ترغبين، فأدخل ضيفًا يعرف قيمة الدعوة، لا حارسًا يسأل عن كل ساعة.

ومع الوقت بدأت رسائلي إليكِ تتغير. في البداية كنتُ أبحث عن الجمل الجميلة، وأمزق الورقة إذا لم يعجبني مطلعها، كأنني أكتب نصًّا سيُعرض على غرباء. ثم فهمتُ أنكِ لا تنتظرين فصاحتي؛ تنتظرينني أنا. كتبتُ لكِ مرة عن حذاء آذاني طوال يوم عمل، وعن رجل شاركني مظلته عند إشارة المرور، وعن خوفي من قرار لم أحسمه. لم تكن الرسالة مدهشة، لكنها كانت صادقة، وحين أجبتِني لم تمدحي صياغتها، بل سألتِ عن قدمي وعن القرار. عندها عرفتُ أن الورق لا يحتاج إلى الزينة كي يحمل القلب، وأنكِ لا تحبين النسخة التي تُحسن التعبير مني أكثر من النسخة التي تحاول.

لا أريد أن أجعل المسافة بطلة حبنا. الغياب ليس جميلًا لمجرد أننا عرفنا كيف نكتب عنه، والانتظار قد يرهقكِ كما يرهقني. أتذكر الأسبوع الذي تأخرت فيه بطاقتكِ، وكيف حاولتُ أن أتصرف كأن الأمر بسيط، ثم اعترفتُ لكِ بأنني كنتُ أفتح الصندوق كل مساء. لم تضحكي، بل أرسلتِ صورة لإيصال البريد وقلتِ إنكِ قلقة أيضًا. بعد يومين وصل الظرف وقد ابتلت إحدى زواياه، وكانت الكلمات في السطر الأخير قد تمددت قليلًا. احتفظتُ به كما هو، لأن الطريق ترك عليه أثره. لكنني أحببتُ أكثر أننا لم نحوّل التأخير إلى اختبار: اتصلنا، وقلنا ما نشعر به، ولم نطلب من ورقة ضائعة أن تتكلم نيابة عنا.

هذا ما أريده بيننا دائمًا: أن يبقى الرمز جميلًا من دون أن يصبح بديلًا عن الحقيقة. أستطيع أن أحب ظرفًا أخفيتِه في حقيبتي، لكنني لا أريدكِ أن تضطري إلى اختراع مفاجأة كلما احتجتُ إلى الطمأنينة. أستطيع أن أنتظر بطاقتكِ، لكنني لن أطالبكِ بالكتابة حين تكون يدكِ متعبة أو يومكِ مزدحمًا أو قلبكِ لا يريد الكلام. حبّي لكِ لا ينبغي أن يحوّل عفويتكِ إلى واجب أسبوعي. وإذا بقي صندوق البريد فارغًا، سأعرف أن مكانتي عندكِ لا تسكن فيه. الأشياء التي تصنعينها بمحبة تظل هدايا فقط ما دمتِ حرة في ألا تصنعيها.

ومع ذلك، لكل رسالة تصل منكِ حياة صغيرة في غرفتي. أضع الأظرف في علبة معدنية زرقاء كانت مخصصة للشاي، وأرتبها بحسب التاريخ، ثم أفسد الترتيب كلما عدتُ إلى واحدة قديمة. في بعضها ورقة شجر رقيقة، وفي بعضها تذكرة حافلة، وفي إحداها دائرة رسمتِها حول بقعة حبر وكتبتِ أنها تشبه جزيرة لم يكتشفها أحد. لا أعرف إن كانت هذه الأشياء ستعني لغيري شيئًا. قيمتها ليست في ندرتها، بل في أنكِ لمستِها واخترتِ أن تعبر إليّ. إنها أجزاء من أيامكِ لم تطلبي مني امتلاكها؛ سمحتِ لي فقط أن أحفظ أثرها.

أفكر أحيانًا في عدد الكلمات التي لا تصل إلى أحد. خواطر تمر في الطريق إلى العمل، وأسئلة تظهر قبل النوم، وذكريات يوقظها عطر عابر ثم تعود إلى مكانها. نحن لا نستطيع أن نقول كل شيء، ولا ينبغي لنا ذلك. لكنكِ جعلتِني أقدّر فعل الاختيار: من بين يوم كامل، جلستِ وانتقيتِ لحظة، ومن بين احتمالات كثيرة للكلام، كتبتِ هذه الجملة، ومن بين كل الجهات التي كان يمكن أن ترسلي إليها صوتكِ، جعلتِ اسمي وجهته. ليست المحبة أن أعرف كل ما يدور فيكِ؛ إنها أن أتلقى ما تمنحينني إياه بانتباه، وألا أتعامل معه كحق مضمون.

وأريدكِ أن تعرفي أنني سأحفظ رسائلكِ من دون أن أجعلها قفصًا لنسخكِ القديمة. إذا كتبتِ اليوم أنكِ تحبين مدينة، ثم ضقتِ بها بعد عام، فلن أرفع الورقة في وجهكِ كدليل ضدكِ. وإذا وعدتِ نفسكِ بشيء ثم اكتشفتِ أنكِ تريدين طريقًا آخر، فلن أتهم قلبكِ بالتناقض. الورق يثبت اللحظة، لكنه لا يملك المستقبل. أنتِ أكبر من كل ما كتبته يداكِ، ومن حقكِ أن تتبدلي من دون أن تطارِدكِ جملة صادقة انتهى زمنها. سأقرأ رسائلكِ بوصفها نوافذ على من كنتِ في تلك الأيام، لا عقودًا تُلزم من ستصبحينها.

وحين تعودين، لن أطلب من البريد أن يتقاعد. قد نجلس إلى الطاولة نفسها، وبيننا مسافة ذراع واحدة، ثم تكتبين لي ورقة وتدسينها تحت فنجاني لأن هناك كلامًا يحب هدوء الحبر. وقد أترك لكِ بطاقة في كتابكِ، فتجدينها بعد أيام، لا لأنني عجزتُ عن قول ما فيها، بل لأنني أردتُ للكلمات أن تنتظركِ في مكان لا تتوقعينه. القرب لا يلغي الحاجة إلى أثر يبقى بعد انتهاء الصوت. بعض العبارات نسمعها فنفرح، ثم تذوب في حركة اليوم؛ أما الورقة فتعيدها إلينا حين نحتاجها من جديد.

أتخيل لحظة لقائنا في المحطة بعد غياب طويل. سيصل القطار، وسأبحث عنكِ بين الوجوه، ثم أراكِ قبل أن تَرَيْني. ربما تحملين حقيبة أثقل مما ينبغي، وربما يتطاير شعركِ حول عينيكِ، وربما تنسين كل الجمل التي أعددتِها في الطريق. لن نحتاج إلى مشهد كامل. يكفيني أن تتقدمي نحوي بالخطوات التي أعرفها، وأن يسقط من جيب حقيبتكِ طرف ظرف جديد لم تجدي وقتًا لإرساله. سأحمله عنكِ، لكنني لن أفتحه في الحال. سأنتظر حتى نجلس، وحتى تقولين لي إن الوقت صار مناسبًا، كما فعلتِ في الرحلة الأولى.

ربما كانت أجمل هدية منحتِني إياها أنكِ فصلتِ بين البطء والفتور. علمتِني أن شيئًا يمكن أن يتأخر ويظل صادقًا، وأن المسافة لا تهدد ما نختار رعايته، وأن الحضور ليس اقتحامًا مستمرًّا لأيام بعضنا. معكِ صرتُ أقل خوفًا من المساحات البيضاء، لأنها لم تعد تعني نهاية الكلام؛ قد تكون فقط موضعًا لجملة لم تنضج بعد. وصرتُ أفهم أن المحبة لا تثبت نفسها بالضجيج، بل بالطريقة التي نعود بها، وبالوضوح حين نقلق، وبالأمانة التي تمنعنا من اختراع أعذار جميلة بدل قول الحقيقة.

لهذا سأظل أفرح حين أجد خطكِ على ظرف، وسأظل أقلب الورقة لأرى إن تركتِ شيئًا في الخلف، وسأقرأ الكلمة المشطوبة بفضول ثم أحترم اختياركِ للكلمة التي بعدها. لكنني سأفرح بكِ أكثر من كل ما يصل منكِ. فالرسائل ليست أنتِ؛ إنها الطرق الصغيرة التي تمشيها محبتكِ حين لا تستطيع يدكِ أن تبلغ يدي. وحين تكونين هنا، سأترك العلبة الزرقاء مغلقة، وأصغي إليكِ وأنتِ تروين الحكاية بصوتكِ، بتوقفاتكِ وتفاصيلكِ الجديدة. أما إذا ابتعد الطريق مرة أخرى، فلن أخاف من امتداده. سأعرف أن بيننا بريدًا بطيئًا، وأن قيمته لا تُقاس بسرعة وصوله، بل بصدق الجهة التي يمضي إليها.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً