كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين غادرنا الطريق الفرعي ودخلنا الطريق السريع. خلفنا بقيت المدينة بنوافذها المتناثرة، وأمامنا امتد الإسفلت طويلًا، تحرسه أعمدة متباعدة ولوحات خضراء تمرّ سريعًا ثم تغيب. كنتِ في المقعد المجاور ترتبين حزام الأمان فوق معطفكِ، وتحاولين أن تبدين يقظة، مع أن يومكِ كله كان ظاهرًا في عينيكِ. قلتِ إنكِ لن تنامي، وإنكِ ستبقين معي حتى نصل، ثم تثاءبتِ قبل أن تنتهي الجملة فضحكنا معًا.
قاومتِ النعاس كما لو كان خصمًا صغيرًا ينبغي هزيمته. سألتِني عن الطريق، وعن المسافة الباقية، ثم بدأتِ حكاية لم تصلي إلى نهايتها. كان صوتكِ يهبط قليلًا مع كل عبارة، وتتسع المسافات بين كلماتكِ، إلى أن سألتِني سؤالًا ولم تنتظري جوابه. التفتُّ إليكِ لحظة عند إشارة هادئة، فرأيت رأسكِ قد مال نحو النافذة، ويدكِ ما زالت مفتوحة فوق حقيبتكِ، كأن النوم جاء وأقنعكِ، بلطف لا أملكه، أن تتركي كل شيء مكانه.
لم يكن في المشهد ما يصلح للاحتفال أمام الآخرين. لا موسيقى مرتفعة، ولا اعتراف كبير، ولا صورة عرفنا أننا سنحتفظ بها. ومع ذلك شعرتُ يومها أنني تلقيتُ منكِ اعترافًا نادرًا. الإنسان لا ينام حقًا قرب من يخشاه؛ يبقي جزءًا منه واقفًا عند الباب، يراقب نبرة الصوت وحركة اليد وتبدل الطريق. أما أنتِ فقد أغمضتِ عينيكِ وتركتِ لي الساعات التي لا تستطيعين حراستها بنفسكِ. قلتِ لي من غير كلام: أثق أنك ستوصلني وأنا غائبة عن مراقبة العالم.
خفضتُ صوت المذياع، وأدرتُ فتحة الهواء بعيدًا عن وجهكِ، وأمسكتُ المقود بحذر جديد. لم تعد السيارة تحمل شخصين مستيقظين يتقاسمان الطريق؛ صرتُ أحمل نومكِ أيضًا. كل حفرة أمامي بدت مسألة شخصية، وكل انعطاف احتاج مني نعومة أكثر. حتى الشاحن الذي كان يهتز في الحامل أخرجته ووضعته في الحجرة الجانبية كي لا يوقظكِ صوته. كانت تلك عنايتي بكِ في أبسط صورها: أشياء صغيرة فعلتُها من دون أن تعرفي بها، ومن دون أن أحتاج إلى أن تريها كي تصبح حقيقية.
منذ تلك الليلة، وأنا أفكر أن الحب لا يُقاس فقط بما نفعله حين تكون عيون من نحب مفتوحة علينا. قيمته الأصدق تظهر في الجزء الذي لا يشهده أحد: حين نصون راحة الآخر وهو لا يصفق لنا، ونردّ عنه ما نستطيع من الخشونة من غير أن نسجل ذلك في دفتر الامتنان. لا أريد لعنايتي بكِ أن تتحول إلى عرضٍ أنتظر مقابله اعترافًا. أريدها أن تكون مثل الطريق السليم تحت عجلات نائمة؛ لا تنتبهين إليه في كل لحظة، لكن جسدكِ يعرف أنه آمن فيسترخي.
كنتِ نائمة بوجه خالٍ من المجاملة. لم تكوني مضطرة إلى ترتيب تعبيركِ، أو مراقبة الكلمات التي تخرج منكِ، أو إخفاء تعبكِ كي لا يفسد مزاج أحد. رأيتُكِ كما تكونين حين تتوقفين عن أداء أي دور، وشعرتُ بمحبة أهدأ من الانبهار وأعمق منه. أحببتُ أن وجودي قربكِ لم يطلب منكِ يقظة دائمة. وأدركت أنني لا أريد المرأة التي تدهشني فقط؛ أريد أن أكون جديرًا بالمرأة التي تغفو، وتنسى حقيبتها مفتوحة، وتترك نصف حكايتها في الهواء لأنها صدقت أنني سأحفظ مكانها حتى تعود.
أعرف أن الراحة ليست أمرًا بسيطًا بالنسبة إلى قلب تعوّد أن ينتبه لكل شيء. ثمة من يتعلم، من كثرة ما خاب، أن يراجع الأبواب مرتين، وأن يقرأ الوجوه قبل الكلام، وأن يحتفظ بجزء من قوته للطوارئ حتى في أجمل الأيام. لذلك لن أطالبكِ بالثقة كأنها حق يصل إليّ بمجرد أنني قلت إنني أحبكِ. الثقة عندي ليست مفتاحًا تسلمينه مرة واحدة، بل طريق أثبته لكِ كل يوم: بصدق لا يتغير حين يصعب، وبوعد لا أستهين به، وبحدودكِ التي أحترمها حتى عندما لا أفهم خوفكِ كاملًا.
لن أغضب إذا استيقظ فيكِ الحذر أحيانًا. لن أقول إن سؤالكِ إهانة، ولا إن حاجتكِ إلى الوضوح تقلل من محبتكِ. سأجيبكِ من غير أن أجعلكِ مذنبة لأن تجاربكِ القديمة ما زالت تعرف الطريق إلى نبضكِ. وفي الوقت نفسه، سأساعد حاضرنا على أن يصنع ذاكرته الخاصة، لا بصوت مرتفع، بل بتكرار الأمان حتى يصبح مألوفًا. فالقلب لا ينسى الخوف بأمر، لكنه يتعلم الطمأنينة حين يجد السلوك نفسه يعود ولا يخونه.
وأنا أيضًا أريد أن أستريح قربكِ، لا بمعنى أن ألقي عليكِ كل أعبائي وأسمّي ذلك قربًا، بل أن أخلع يقظتي الزائدة قليلًا. أن أقول لكِ إنني لا أعرف، بدل أن أصطنع جوابًا. أن أعترف بأن قرارًا يخيفني، وأن أتراجع عن كلمة حين أكتشف أنها لا تمثلني. أتمنى أن يكون بيننا مكان لا يعاقَب فيه الصدق لأنه جاء مرتبكًا، ولا تتحول فيه لحظة الضعف إلى تعريف دائم. إذا وضعتُ رأسي، مجازًا، إلى جواركِ، فأنا لا أطلب منكِ قيادة حياتي؛ أطلب فقط ألا تهزي الطريق عمدًا كي تختبري احتمالي.
بعد ساعة تقريبًا، تحركتِ في مقعدكِ وفتحتِ عينيكِ نصف فتحة. سألتِ بصوت غارق في النوم: «وصلنا؟» قلتُ إن أمامنا بعض الوقت، فاعتذرتِ لأنكِ تركتِني وحدي. كان اعتذاركِ عفويًا، لكنه آذاني قليلًا؛ ليس لأنكِ نمتِ، بل لأن التعب جعلكِ تظنين أن راحتكِ تقصير بحقي. أخبرتكِ أن تنامي، وأن وجودكِ لا يصبح أقل قيمة حين تصمتين. هززتِ رأسكِ، وشددتِ المعطف حولكِ، ثم عدتِ إلى نومكِ هذه المرة من غير مقاومة.
أريد أن تتذكري ذلك كلما حاول العالم أن يقنعكِ أن عليكِ أن تظلي نافعة كي تستحقي البقاء. لا يلزم أن تسليني حين أملّ، ولا أن تجمعي يومي إذا تبعثر، ولا أن تقدمي نسخة لامعة منكِ في كل لقاء. أحيانًا يكفيني أن أعرف أنكِ هنا، تتنفسين بهدوء إلى جواري، وأن علاقتنا واسعة بما يكفي لتضم ساعات لا يحدث فيها شيء. الحب الذي يحتاج إلى أداء مستمر مرهق، وأنا أريد لكِ معي راحة لا تتطلب منكِ شهادة يومية تثبت أنكِ تستحقينها.
إذا مرضتِ يومًا، أو أثقلكِ حزن لا يملك قصة واضحة، لن أحصي ما تعطل بسببكِ. سأتعامل مع راحتكِ كجزء من حياتنا لا كحادث يعترضها. سأتعلم مواعيد دوائكِ إن احتجتِ، وأغلق الستارة بالقدر الذي يناسب عينيكِ، وأحمي نومكِ من الأسئلة التي يمكنها الانتظار. ولن أجعل هذه الأمور دينًا أسترده عند أول خلاف. ما يُفعل بمحبة لا ينبغي أن يعود في هيئة فاتورة، وما نمنحه في ضعف الآخر يفقد معناه إذا حفظناه سلاحًا للمستقبل.
وفي الأيام العادية أيضًا، سأحترم تعبكِ قبل أن يتحول إلى انهيار. لن أنتظر حتى يعلو صوتكِ كي أصدق أن طاقتكِ نفدت. سأصغي إلى العلامات الهادئة: اختصاركِ للجمل، بطء خطوتكِ، والطريقة التي تظلين بها لحظة إضافية داخل السيارة قبل أن تفتحي الباب. ربما لا أعرف دائمًا ما الذي تحتاجينه، لكنني أستطيع أن أسأل بلا افتراض: هل تريدين أن أحكي، أم تريدين صمتًا يرافقكِ؟ فحتى الحنان يخطئ حين يفرض شكله على صاحبه.
لن أفسر نومكِ عن حديثي كإهمال، ولا صمتكِ كعقوبة، ولا طلبكِ للوقت كتهديد. سأقاوم القصص السريعة التي يصنعها القلق حين تنقصه المعلومات. وبدل أن أبني محاكمة كاملة من حركة صغيرة، سأسألكِ حين تستيقظين، وأقبل جوابكِ كما هو. كم من القسوة تبدأ من تأويل متعجل، وكم من المسافات كان يمكن تفاديها لو منحنا بعضنا حسن الظن إلى أن تتضح الصورة.
لكن الأمان الذي أتمناه لا يعني أن نخفي الحقائق الثقيلة كي يبقى الطريق هادئًا. السائق الذي يحب راكبه لا يطمئنه بكذبة إذا ضاع؛ يعترف، يبطئ، ويبحث عن مخرج آمن. وأنا كذلك سأخبركِ حين أخطئ الاتجاه بيننا. لن أستمر بعناد لأن العودة تحرجني، ولن أحمّلكِ مسؤولية لافتة تجاهلتها. أريد أن نمتلك شجاعة القول: ابتعدنا قليلًا، فلنصحح المسار، من غير أن نحوّل الضياع المؤقت إلى نبوءة عن النهاية.
وقد نختلف على الطريق نفسه. ربما تفضلين نافذة مفتوحة بينما يزعجني الهواء، أو تحتاجين إلى توقف وأنا أريد الوصول سريعًا. لن تكون المحبة في أن تختفي رغباتنا حتى نتطابق، بل في أن تظل رغبتكِ مسموعة حتى حين لا أنفذها كما هي. سنتفاوض من غير استهزاء، ونتنازل من غير منّة، ونميّز بين أمر يمكن تأجيله وحاجة لا يجوز سحقها. ليس القرب أن يجلس أحدنا في مقعد الآخر؛ القرب أن يشعر كل منا أن له مكانًا كاملًا في الرحلة.
أتذكر أن الطريق بعد الثالثة فجرًا صار خاليًا تقريبًا. مررنا بجسر طويل، وكانت المياه السوداء تحته لا تظهر إلا عندما تلمسها أضواء بعيدة. في تلك اللحظة مددتِ يدكِ وأنتِ نائمة، تبحثين عن شيء لا أعرفه، فوضعتُ كفي تحتها للحظة عند توقفنا، فأغلقتِ أصابعكِ عليها ثم تركتِها. ربما لم تعرفي في الصباح أنكِ فعلتِ ذلك. أما أنا فشعرتُ أن جسدكِ اختصر كل ما كنت أفكر فيه: حتى في الغياب المؤقت، عرف طريقه إليّ.
لا أريد أن أبالغ فأحوّل حركة نائمة إلى وعد لا تعرفينه. أحبكِ أكثر من أن أنسب إليكِ ما لم تقصديه. لكنها بقيت عندي كصورة لما أرجوه: أن تصبح يدي مألوفة لقلبكِ، لا قيدًا حوله؛ مكانًا يجد فيه سكينة عابرة ثم يتركه بحرية. لا أريد إمساككِ كي أمنعكِ من الحركة، بل أن أكون حاضرًا عندما تمتد يدكِ، وأن أعرف متى أفتح كفي بدل أن أقبض عليها.
حين اقتربنا من البيت، بدأت السماء تخفّ عند أطرافها، لا شروقًا كاملًا، بل لونًا رماديًا يكشف الحقول وواجهات المحطات المغلقة. لم أوقظكِ فورًا. خففت السرعة، وسلكت الشارع الأخير كمن يحمل كوبًا ممتلئًا حتى الحافة. توقفتُ أمام الباب، وأطفأت المحرك، وبقيت لحظات أسمع انتظام أنفاسكِ. كان الطريق قد انتهى، لكن الأمان الذي وضعتِه بين يدي لم ينتهِ معه. صار مسؤولية جميلة أريد أن أكون على قدرها كلما أخذنا تعب الحياة إلى مكان آخر.
فتحتِ عينيكِ أخيرًا، نظرتِ حولكِ، ثم ابتسمتِ ابتسامة صغيرة مشوشة وسألتِ إن كنتُ متعبًا. لم يكن أول سؤالكِ عن الوقت ولا عن حقيبتكِ؛ كان عني. قلتُ إنني بخير، وهذه المرة لم تكن مجاملة. كنتُ متعب الجسد، نعم، لكن شيئًا داخلي كان مستريحًا لأنكِ وصلتِ بسلام. نزلنا من السيارة، وخطوتِ نحو الباب ببطء، ثم التفتِّ إليّ وكأنكِ تذكرتِ الحكاية التي لم تكمليها. قلتِ: «غدًا أخبرك بالباقي».
وأنا منذ ذلك اليوم أحب كلمة «غدًا» حين تأتي منكِ. لا لأنها تضمن أن الأيام ستكون سهلة، بل لأنها تعني أنكِ ترين لي مكانًا في تتمة الحكاية. أريد غدًا لا نخاف فيه أن ننام بالتناوب حين يطول الطريق؛ يومًا تحملين فيه يقظتنا إذا تعبتُ، وأحملها إذا غلبكِ النعاس، من دون حساب لمن قاد ساعات أكثر. وإذا استيقظ أحدنا خائفًا، يجد الآخر قريبًا، لا ليعده بأن كل الطرق خالية، بل ليقول له بصدق: أنا منتبه، استرح قليلًا، وعندما تفتح عينيكِ سأكون ما زلت هنا.
حين اطمأنّ نومكِ
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً