حين تعودين إليّ وفي عينيكِ تعب لا يريد الكلام، لن أستقبلكِ بسؤالٍ يطالبكِ بأن تشرحي نفسكِ قبل أن تلتقطي أنفاسكِ.
لن أقول فورًا: ما بكِ؟
فأنا أعرف أن هذا السؤال، على بساطته، قد يصبح ثقيلًا حين يكون الرأس مزدحمًا إلى درجة لا تسمح له بترتيب جواب واحد. وربما لا يكون قد حدث شيء محدد أصلًا؛ قد يكون يومًا طويلًا تراكمت فيه المواقف الصغيرة حتى صارت كتلةً واحدة تستقر فوق صدركِ.
سأترك لكِ مكانًا إلى جواري.
يمكنكِ أن تجلسي من دون أن تبدئي حكاية، وأن تضعي هاتفكِ بعيدًا، وأن تحدّقي في نقطة لا أعرفها. لن أملأ الصمت بافتراضاتي، ولن أتعامل مع هدوئكِ كأنه لغز عليّ حله كي أطمئن إلى مكانتي في قلبكِ.
فليست كل مسافة ابتعادًا.
أحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن يعود إلى نفسه قبل أن يستطيع العودة إلى أي شخص آخر.
ربما قضيتِ يومكِ كلّه تجيبين، وتفسرين، وتتخذين قرارات، وتبتسمين في أوقات لم تكوني راغبة فيها بالابتسام. ربما استمع إليكِ الجميع وهم ينتظرون دورهم في الكلام، ولم يسألكِ أحد إن كانت طاقتكِ تسمح بمزيد من الحضور.
وحين تصلين إليّ، قد لا تحتاجين إلى نصيحة.
قد تحتاجين فقط إلى بيت لا يطلب منكِ أداءً جديدًا.
أريد أن يكون وجودي قربكِ راحةً، لا مهمةً أخرى في جدولكِ. لذلك لن أطالبكِ بأن تكوني خفيفة الروح كلما التقينا، ولا أن ترتبي ملامحكِ كي لا أقلق. يمكنكِ أن تأتيني كما ترككِ النهار؛ متعبةً، مشوشةً، قليلة الكلام، وغير قادرة على تحديد ما تحتاجينه.
سأحترم النسخة التي لا تملك شيئًا تمنحه.
ولن أقيس حبكِ بعدد الكلمات التي تقولينها في المساء.
فبعض الناس يتكلمون كثيرًا كي يخفوا ابتعادهم، وبعضهم يصمتون وهم أكثر حضورًا من أي وقت. وأنا لا أريد أن أخدع نفسي بالشكل. ما يهمني أن يبقى بيننا صدق يسمح لكِ بأن تقولي: «لا أستطيع الحديث الآن»، من دون أن تخافي أن أحول الجملة إلى اتهام.
لن أسألكِ: هل مللتِ مني؟
لن أجعلكِ تطمئنين قلقي كلما احتجتِ إلى ساعة هادئة. ولن ألاحق صمتكِ برسائل متتابعة، كأن تأخركِ في الجواب دليل يحتاج إلى تحقيق. أعرف أن للحب صوتًا، لكنني أعرف أيضًا أن له قدرةً على الانتظار من دون أن يصنع كارثةً من كل هدوء.
سأثق بما بنيناه في الأيام الواضحة.
فالعلاقة التي تنهار لأن أحد طرفيها احتاج إلى الصمت لم تكن مطمئنةً بما يكفي منذ البداية. والقرب الذي لا يسمح بمساحة صغيرة للتنفس يتحول، ببطء، إلى غرفة جميلة بلا نافذة.
أنا لا أريد أن أمتلك كل دقيقة منكِ.
أريدكِ حين تأتين، لا الوقت الذي انتزعته منكِ بالخوف أو العتاب.
وإذا قلتِ إنكِ تريدين البقاء وحدكِ، فلن أضع نفسي في مواجهة حاجتكِ. لن أقول إن المحب لا يبتعد، أو إن وجودي ينبغي أن يكون كافيًا لعلاج كل ما يؤلمكِ. أنا أحب أن تلجئي إليّ، لكنني لا أريد أن أحرمكِ من اللجوء إلى نفسكِ.
هناك أشياء لا تُفهم وسط الكلام.
تحتاج إلى مشي منفرد، أو نافذة مفتوحة، أو غرفة مرتبة على مهل، أو كوب تشربين منه من دون أن يسألكِ أحد لماذا تغير وجهكِ. وقد تحتاجين إلى النوم قبل أن تقرري إن كان الأمر يستحق الحزن أصلًا.
خذي هذا الوقت.
لن أعتبر قدرتكِ على تهدئة نفسكِ إهانةً لدوري. أنا شريككِ، لا العلاج الوحيد المسموح لكِ به. ويمكنني أن أكون مهمًا في حياتكِ من دون أن أكون حاضرًا داخل كل فكرة وكل لحظة وكل محاولة لفهم ذاتكِ.
لكنني أرجو ألا تجعلي الصمت جدارًا دائمًا بيننا.
هناك فرق بين مساحة تستعيدين فيها توازنكِ، وغياب تتركينني داخله بلا تفسير. لا أحتاج إلى التفاصيل كلها، ولا إلى تقرير يبرر كل شعور، لكنني أحتاج إلى إشارة صغيرة تمنع قلبي من الوقوف أمام باب مغلق لا يعرف إن كان مسموحًا له بالانتظار.
قولي لي: «أنا متعبة، ولستُ غاضبةً منك».
أو: «أحتاج إلى بعض الوقت، وسأتحدث حين أستطيع».
جملة واحدة قد تحمي ساعات طويلة من سوء الفهم. لا لأنها تمنحني حق مراقبتكِ، بل لأنها تجعل المسافة بيننا واضحةً وآمنة، لا عقوبةً مجهولة السبب.
وإذا كان صمتكِ بسببي، فأرجو أن تقولي ذلك حين تصبحين قادرة.
لا تحميني من الحقيقة حتى تتراكم داخلكِ وتتحول إلى نفور. ولا تنتظري مني أن أفهم خطئي من تغير نبرة صوتكِ وحدها. قد أعرفكِ جيدًا، لكنني لن أعرف دائمًا أي كلمة آلمتكِ، أو أي موقف جعلكِ تشعرين بأنني لم أركِ كما ينبغي.
حدثيني عندما يهدأ غضبكِ بما يكفي ليصبح كلامًا.
وسأحاول أن أسمعكِ من دون أن أحول اعترافكِ إلى محكمة أدافع فيها عن نفسي. لن ألتقط تفصيلًا صغيرًا في حديثكِ لأهرب من المعنى الأكبر، ولن أطالبكِ بصياغة مثالية كي أعترف بأنكِ تأذيتِ.
فالمشاعر لا تصل دائمًا مرتبة.
قد تتلعثمين، أو تتراجعين عن كلمة، أو تقولين إنكِ لا تعرفين كيف تشرحين. سأساعدكِ بالصبر، لا بالضغط. وسأسأل كي أفهم، لا كي أثبت أن تفسيركِ للأمر خاطئ.
وفي المقابل، لن أقبل أن يصبح الصمت وسيلةً لمعاقبتي.
لا تتركي رسائلي معلقةً أيامًا لتجعلي قلقي يؤدي المهمة التي عجز الغضب عن أدائها. لا تستخدمي معرفتكِ بخوفي من الفقد كي تدفعيني إلى الاعتذار عن شيء لا أعرفه. العقاب بالصمت لا يصلح ما انكسر؛ إنه يضيف إلى المشكلة خوفًا جديدًا ويجعل الطرف الآخر مستعدًا لقول أي شيء، لا لأنه فهم، بل لأنه يريد انتهاء العذاب.
يمكننا أن نتوقف عن النقاش.
يمكنكِ أن تقولي إنكِ تحتاجين إلى ليلة هادئة قبل أن نكمل.
لكن ليبقَ بيننا خيط واضح: نحن مختلفان الآن، لا منتهيان.
هذه الطمأنينة لا تلغي حقكِ في الغضب، بل تحمي علاقتنا من أن يتحول كل خلاف إلى تهديد بالرحيل. وأنا أعدكِ بأن أفعل الأمر نفسه؛ إذا احتجتُ إلى الصمت، فلن أترككِ تتساءلين إن كنتُ أعاقبكِ أو أفكر في التخلي عنكِ.
سأقول ما أستطيعه بوضوح.
فالحب الناضج لا يطالب الإنسان بالكلام قبل أن ينضج كلامه، لكنه لا يترك الآخر تائهًا في ظلام التوقعات أيضًا.
وقد يأتي يوم لا تريدين فيه الكلام لأنكِ لا تعرفين نفسكِ جيدًا.
ربما تتغير رغبة قديمة داخلكِ، أو تفقدين حماسكِ لشيء كنتِ تؤمنين به. قد تستيقظين وأنتِ غير راضية عن حياتكِ، مع أنكِ لا تستطيعين الإشارة إلى الجزء الذي يحتاج إلى التغيير. هذه الحيرة لا تخيفني.
لن أستعجل منكِ جوابًا كي أستعيد إحساسي بالنظام.
يمكنكِ أن تكوني غير متأكدة. ويمكن لعقلكِ أن يغيّر رأيه أكثر من مرة قبل أن يستقر. لن أسخر من تناقضكِ، ولن أحتفظ بجملكِ القديمة كي أستخدمها ضدكِ، كأن الإنسان ملزم بأن يبقى مطابقًا لنفسه طوال العمر.
سأمنح أسئلتكِ وقتها.
وقد لا أملك الحل حين تقررين الكلام. ربما أسمعكِ ولا أعرف ماذا أقول، فأضع يدي قرب يدكِ وأعترف بأنني لا أملك جوابًا جاهزًا. أحيانًا تكون هذه الصراحة أرحم من نصيحة سريعة تجعل ألمكِ يبدو بسيطًا.
لستُ مطالبًا بإصلاحكِ؛ لأنكِ لستِ شيئًا معطلًا.
ولستِ مطالبةً بأن تحولي كل تعب إلى درس جميل كي يصبح مقبولًا في عينيّ. بعض الأيام سيئة وحسب. تمر من دون حكمة كبيرة، وتتركنا محتاجين إلى النوم وإلى قليل من الرحمة.
وحين يكون هذا كل ما تحتاجينه، سأعرف كيف أحبكِ بهدوء.
سأضع لكِ شيئًا تأكلينه من دون أن أسأل إن كنتِ جائعة. سأخفض صوت التلفاز. سأترك الضوء الذي ترتاح له عيناكِ، وأمضي في شؤوني قريبًا منكِ، بحيث تعرفين أنني موجود من دون أن تشعري بأن وجودي يراقبكِ.
وإذا مددتِ يدكِ نحوي، سأفهم.
لن أطالبكِ بخطاب كامل بعدما اخترتِ لمسةً واحدة. فقد تكون اليد التي تبحث عن يدي أكثر صدقًا من مئة جملة مصنوعة لإرضائي.
وحين يعود صوتكِ، سأستقبله من دون عتاب.
لن أقول: «أخيرًا قررتِ الكلام»، ولن أجعلكِ تدفعين ثمن الساعات التي احتجتِها. سأدعكِ تبدأين من المكان الذي تستطيعين البدء منه، حتى لو كان حديثكِ عن أمر عادي لا علاقة له بما أثقلكِ.
ربما تكون عودتكِ إلى الكلام تدريجية.
سؤال عن العشاء. تعليق على شيء رأيتِه. ضحكة قصيرة تفاجئكِ قبل أن تكتمل. سأحترم هذه البدايات الصغيرة، ولن أفسدها بالمطالبة بأن نفتح كل الملفات في اللحظة نفسها.
سأعرف أنكِ عدتِ حين أشعر أنكِ لم تعودي مضطرةً إلى حماية صمتكِ مني.
وهذا ما أريده لكِ معي:
ألا تخافي من الكلام، وألا تخافي من غيابه.
أن تعرفي أن صوتكِ مسموع حين يظهر، وأن مكانكِ محفوظ حين يختبئ قليلًا. أن تستطيعي الاقتراب من دون تمثيل، والابتعاد خطوةً من دون أن تجدي حبنا قد أغلق الباب خلفكِ.
أنا لا أحبكِ لأنكِ تعرفين دائمًا ماذا تقولين.
أحبكِ أيضًا في تلك اللحظات التي تتشابك فيها الكلمات داخلكِ، وتعجزين عن تقديم نفسكِ بصورة مفهومة. أحبكِ حين تكونين واضحة، وحين تحتاجين إلى وقت حتى تفهمي ما يحدث فيكِ.
لذلك، إذا جلستِ إلى جواري يومًا ولم تقولي شيئًا، فلن أرتبك من هدوئكِ.
سأترك بيننا مساحةً تكفي لأنفاسكِ، وأبقى قريبًا بما يكفي كي تجدي يدي حين تبحثين عنها.
فصمتكِ ليس بابًا مغلقًا في وجهي دائمًا.
قد يكون مجرد مقعد صغير داخل روحكِ، تجلسين عليه قليلًا حتى تقدري على مواصلة الطريق.
اجلسي ما تحتاجين.
وحين تنهضين، ستجدينني إلى جواركِ؛ لا أسألكِ لماذا تأخرتِ، بل أفسح لكِ مكانًا في الكلام، كما أفسحتُ لكِ مكانًا في الصمت.
صمتكِ ليس رحيلًا
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً