الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

أنت هدوئي النادر

إليكِ أنتِ،

لا أكتب إليكِ اليوم لأن بيننا مناسبة تستدعي الكلام، ولا لأنني أبحث عن عبارة جميلة أتركها في ذاكرتكِ ثم أمضي. أكتب لأنني، منذ عرفتكِ، صرت أشعر أن بعض المشاعر يثقلها الصمت مهما كان صمتًا مطمئنًا، وأن الحب حين يكون صادقًا يحتاج بين وقت وآخر إلى أن يقف أمام صاحبه بلا زينة، ويقول ببساطة: أنا هنا، وما زلت أختاركِ.

أحبكِ بطريقة لا أعرف كيف أختصرها في جملة واحدة. أحبكِ في حضوركِ، لكنني أحبكِ أيضًا في الأثر الذي تتركينه بعد أن ينتهي حديثنا. في الهدوء الذي يعقب صوتكِ، وفي ابتسامتي التي تأتي متأخرة حين أتذكر كلمة قلتِها بعفوية ولم تكوني تعرفين أنها سترافقني بقية اليوم. أحبكِ في تلك التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها أحد: في نبرة صوتكِ حين تحاولين إخفاء تعبكِ، وفي صمتكِ حين يزدحم داخلكِ بالكلام، وفي طريقتكِ الخاصة في السؤال عني كأنكِ لا تسألين عن يومي فقط، بل تتحققين من أن قلبي ما زال بخير.

قبل أن أعرفكِ، كنت أظن أن الحب شعور صاخب، وأنه لا يثبت وجوده إلا بالمفاجآت الكبيرة والوعود التي تُقال تحت تأثير اللحظة. ثم جئتِ أنتِ، وعلّمتِني أن أصدق أنواع الحب هو ذلك الذي يتسلل إلى العادات اليومية حتى يصبح جزءًا منها. أن أتذكر شيئًا تحبينه وأنا أعبر متجرًا، أن أقرأ جملة فأفكر في رأيكِ، أن يحدث معي أمر صغير فأرغب في إخباركِ قبل الجميع. صار وجودكِ حاضرًا في اختيارات لا تعرفين عنها شيئًا، كأنكِ تسكنين زاوية هادئة من تفكيري وتشاهدين العالم معي.

لا أحبكِ لأنكِ كاملة؛ فأنا لا أبحث عن إنسانة بلا عيوب، ولا أريد نسخة مصقولة تخشى أن تظهر أمامي على حقيقتها. أحبكِ لأنكِ صادقة. لأن فيكِ قوة لا تتظاهر بأنها لا تتعب، ورقة لا تعني الضعف، وكبرياءً لا يمنعكِ من الاعتذار حين تشعرين أنكِ أخطأتِ. أحب تلك التناقضات الصغيرة التي تجعلكِ بشرًا حقيقيًا: أن تكوني شجاعة في أمر، ثم تخيفكِ فكرة بسيطة؛ أن تمنحي الآخرين نصائح حكيمة، ثم تحتاجي أحيانًا إلى من يذكّركِ بالنصيحة نفسها؛ أن تقفي إلى جانب الجميع، ثم تترددي في طلب كتف حين يحين دوركِ في التعب.

وأريدكِ أن تعرفي أنني لا أحب النسخة المبتسمة منكِ وحدها. لا أريدكِ أن ترتبي مشاعركِ قبل أن تأتي إليّ، ولا أن تخفي فوضاكِ كي تبقي جميلة في عيني. تعالي كما أنتِ؛ متعبة، غاضبة، صامتة، حائرة، أو حتى عاجزة عن تفسير ما تشعرين به. لستِ مطالبة بأن تكوني خفيفة طوال الوقت حتى أحب وجودكِ. هناك أيام يصبح فيها القلب أثقل من أن يحمله صاحبه بمفرده، وأنا لا أعدكِ بأن أملك الحل دائمًا، لكنني أعدكِ ألا أجعلكِ تشعرين بأن تعبكِ عبء يجب الاعتذار عنه.

قد لا أجد الكلمة الصحيحة في كل مرة، وقد أفهم صمتكِ على نحو خاطئ، وربما أحتاج إلى وقت حتى أرى الأمر من زاويتكِ. أنا لا أقدم لكِ نفسي بصفة الرجل الذي يعرف دائمًا ماذا يفعل، بل بصفة رجل مستعد لأن يتعلمكِ كل يوم. مستعد لأن يسأل بدل أن يفترض، وأن يستمع بدل أن يجهز دفاعه، وأن يعترف بخطئه قبل أن يتحول الخطأ إلى جدار. أريد للحب بيننا أن يكون مكانًا نستطيع فيه أن نكون صادقين، لا مسرحًا يبذل كل واحد منا فوقه جهده ليبدو بلا نقص.

حين أقول إنني أريدكِ في حياتي، فأنا لا أقصد اللحظات الجميلة وحدها. أريدكِ في الأيام العادية التي لا يحدث فيها شيء يستحق الحكاية. أريد صباحاتنا المستعجلة، وقهوتنا التي تبرد لأن الحديث طال، واختلافنا على أشياء تافهة ثم ضحكنا من جدّيتنا. أريد أن أعرف كيف يبدو وجهكِ حين تستيقظين غاضبة من المنبه، وما الطعام الذي تطلبينه عندما لا تملكين طاقة للاختيار، وكيف تمضين مساءً شعرتِ فيه بأن العالم استهلككِ أكثر مما ينبغي.

أريد الحياة الحقيقية معكِ، لا صورتها التي يعرضها الناس. حياة فيها فواتير ومواعيد مؤجلة، وأيام يتغلب فيها التعب على الرومانسية، وخطط تضطرنا الظروف إلى تغييرها. أريد أن نظل في وسط ذلك كله قادرين على تذكّر أننا لسنا خصمين، وأن المشكلة مهما كبرت لا ينبغي لها أن تجعلنا نقف في جهتين متقابلتين. يكفيني أن أعرف أننا سنضعها أمامنا وننظر إليها معًا، بدل أن نضعها بيننا ونتركها تباعد بين قلبينا.

لن أعدكِ بأنني لن أغضب، أو أن صوتي لن يحمل يومًا شيئًا من الضيق، أو أنني لن أحتاج إلى العزلة أحيانًا. لكنني أعدكِ ألا أستخدم محبتكِ ضدكِ، وألا أعاقبكِ بالغياب، وألا أجعل الصمت سكينًا معلقة فوق قلبكِ. أعدكِ أن أعود إلى الحديث بعد أن أهدأ، وأن أشرح لكِ ما آلمني دون أن أتعمد إيلامكِ، وأن أتذكر في أشد خلافاتنا أنني أتحدث إلى الإنسانة التي أحبها، لا إلى شخص يجب أن أهزمه.

وأنا لا أريد أن أمتلككِ. لا أريد لحبنا أن يضيّق عالمكِ أو يجعل أحلامكِ أصغر. أريدكِ أن تكبري وأنتِ إلى جانبي، وأن تذهبي نحو الأشياء التي تشبهكِ، حتى إن تطلب بعضها مساحة لا أكون في مركزها. أحب استقلالكِ كما أحب قربكِ، وأحب أن يكون لكِ رأي لا يطابق رأيي، وأصدقاء واهتمامات ووقت خاص لا تحتاجين إلى تبريره. لا أريد امرأة تتخلى عن نفسها كي تثبت أنها تحبني؛ أريدكِ أنتِ، كاملة بحياتكِ وفضولكِ وطموحكِ وكل ما يجعلكِ الشخص الذي وقعتُ في حبه.

وإذا جاء يوم شعرتِ فيه بالخوف من تغيري، فلا تحبسي السؤال في صدركِ. اسأليني. وإذا ضايقكِ شيء فعلته، فلا تخشي أن تهزي الصورة الجميلة التي أحملها عنكِ؛ فصراحتكِ لا تجعلني أحبكِ أقل. الحب الذي لا يحتمل الحقيقة ليس أمانًا، بل هدنة مؤقتة. وأنا أريد ما هو أبقى من الهدن: أريد ثقة تعرف كيف تنجو من الأسئلة الصعبة، وقربًا لا يحتاج إلى التمثيل، وعلاقة نستطيع داخلها أن نقول: «هذا آلمني» من دون أن نخاف أن تكون الجملة بداية النهاية.

أعرف أن لكِ ماضيًا ترك فيكِ آثارًا لا أراها كلها. أعرف أن بعض الكلمات قد تفتح جرحًا لم أصنعه، وأن تأخري في الرد قد يوقظ قلقًا سببه شخص آخر، وأن قلبكِ ربما تعلم الحذر قبل أن يلقاني. لن ألومكِ على الطرق التي حاولتِ بها حماية نفسكِ، ولن أطالبكِ بالشفاء وفق الوقت الذي يناسبني. سأكون صبورًا، لكنني سأكون صادقًا أيضًا؛ لن أعدكِ بأن أمحو كل خوف، فبعض المعارك لا يستطيع الحب خوضها نيابة عنا، لكنه يستطيع أن يبقى قريبًا بينما نخوضها.

وأنا بدوري لست خاليًا من الندوب. أحمل أخطاءً أخجل منها، وخيبات جعلتني أكثر حذرًا مما أريد، وأوقاتًا لم أكن فيها الشخص الذي تمنيت أن أكونه. لا أريد أن أخفي ذلك عنكِ كي أبدو جديرًا بحبكِ. أريد أن تعرفيني على مهل، بنقاط قوتي ومناطقي المرتبكة، بما أصلحته في نفسي وبما لا يزال يحتاج إلى عمل. وإذا اخترتِ البقاء، فأريدكِ أن تبقي لأنكِ رأيتِ الحقيقة ووجدتِ فيها ما يستحق، لا لأنني قدمت لكِ نسخة محسوبة مني ثم فاجأتكِ بعد فوات الأوان.

أحبكِ لأن قربكِ لا يجعلني أرغب في الظهور بأفضل صورة فحسب، بل يدفعني إلى أن أصبح أفضل فعلًا. معكِ أراجع كلماتي، لا خوفًا منكِ، بل احترامًا لقلبكِ. أتعلم أن اللطف لا ينتقص من الرجولة، وأن الاعتذار لا يُسقط الهيبة، وأن الإنسان لا يخسر نفسه حين يلين لمن يحب. جعلتِني أفهم أن القوة ليست في أن أبقى مغلقًا، بل في أن أملك الشجاعة لأقول: اشتقت إليكِ، أحتاجكِ، خفت أن أخسركِ، وقد أخطأت.

أحب أنكِ لا تمرين في حياتي مرورًا عابرًا. كل حديث معكِ يترك شيئًا: سؤالًا جديدًا، فكرة مختلفة، أو شعورًا لم أكن أعرف كيف أسمّيه. أحيانًا تجعلينني أرى نفسي بوضوح لا يريحني، لكنني أحتاج إليه. وأحيانًا يكفي أن تقولي جملة بسيطة حتى يهدأ ضجيج يوم كامل. لستِ حلًا سحريًا لمشكلاتي، ولا أريد أن أحمّلكِ هذا الدور القاسي؛ لكنكِ الإنسانة التي يصبح وجودها إلى جواري سببًا يجعل مواجهة تلك المشكلات أقل وحدة.

لو سألتِني ماذا أريد منكِ، فلن أطلب أكثر من الحقيقة. أخبريني حين تفرحين، وحين تحزنين، وحين يتغير شيء في قلبكِ. لا تجامليني في الأمور التي تمسنا، ولا تمنحيني موافقة لا تشبهكِ خوفًا من إغضابي. اختاريني بحرية كل يوم، ودعيني أختاركِ بالطريقة نفسها. فأجمل ما في الحب ليس أن يعجز أحدنا عن الرحيل، بل أن يملك القدرة عليه ثم يجد في البقاء معنى يستحقه.

أريد أن أكون الرجل الذي تستطيعين الاتصال به حين يحدث معكِ خبر جميل، لا لأنكِ مطالبة بذلك، بل لأن فرحتكِ تبحث عني تلقائيًا. والرجل الذي تلجئين إليه حين تضيق بكِ الحياة، من دون أن ترتبي كلماتكِ أو تخشي أن تبدين ضعيفة. أريد أن أتعلم متى تحتاجين إلى نصيحة، ومتى تحتاجين فقط إلى من يستمع. وأن أفهم أن قولكِ «أنا بخير» لا يعني دائمًا أنكِ بخير، لكن من دون أن أقتحم صمتكِ أو أتعامل معكِ كأنكِ عاجزة عن معرفة ما تحتاجينه.

سأفرح بنجاحاتكِ حتى إن تجاوزت نجاحاتي، وسأفتخر بكِ دون أن أنسب تعبكِ إليّ. سأذكّركِ بما صنعتِه حين تنسين، وأقف قربكِ حين تبدأين من جديد. وحين أخاف أنا أو أفشل، أتمنى ألا تريني أقل قيمة، بل إنسانًا تعثر ويحتاج إلى أن يستعيد توازنه. لا أبحث عن علاقة يحمل فيها شخص الآخر طوال الطريق؛ أبحث عن رفيقة نتبادل معها الحمل، وحين يتعب أحدنا أكثر، يتقدم الآخر خطوة من دون أن يحوّل مساعدته إلى دين.

أحيانًا أفكر في السنوات المقبلة، فلا أرى مشهدًا مثاليًا ولا بيتًا لا يدخله الحزن. أرى عمرًا يتغير فيه شكلنا، وتختلف اهتماماتنا، وتزورنا خسارات لم نحسب لها حسابًا. ومع ذلك، أتمنى أن نحافظ وسط تغيرنا على عادة واحدة: أن نعود إلى بعضنا. أن يبقى بيننا طريق مفتوح مهما ابتعدنا داخل انشغالاتنا، وأن نعرف كيف نجلس بعد يوم قاسٍ ونقول ما حدث لنا بلا اختصار. فالناس لا تفترق دائمًا لأن الحب انتهى؛ أحيانًا تفترق لأن كل واحد منهما عاش طويلًا في عالم لم يعد يدعو الآخر إليه.

لهذا سأدعوكِ إلى عالمي دائمًا. سأخبركِ بما يشغلني، وبالأفكار التي تؤرق نومي، وبالأحلام التي تبدو أكبر من قدرتي. وسأطرق عالمكِ باحترام، لا لأفتشه، بل لأعرفكِ أكثر. أريد ألا نصبح يومًا شخصين يتشاركان المكان ولا يتشاركان الحياة. أريد أن تبقى دهشتنا ببعضنا حية، وأن نستمر في السؤال حتى بعد أن نظن أننا حفظنا الإجابات؛ فالإنسان يتغير، والحب اليقظ هو الذي يلاحظ تغيره ولا يظل متعلقًا بنسخة قديمة منه.

يا حبيبتي، لستِ تفصيلًا جميلًا أضيفه إلى حياتي، بل حضور غيّر الطريقة التي أعيش بها تفاصيلها. معكِ لم يعد الحب فكرة أكتب عنها أو أتخيلها، بل مسؤولية أقبلها بوعي، وفرحًا أحرص عليه، وصدقًا أعود إليه كلما حاول الخوف أن يدفعني إلى الاختباء. أحبكِ بمحبة لا تريد أن تستهلككِ، بل أن تحفظ المساحة التي تتنفسين فيها. محبة لا تسألكِ أن تثبتيها كل يوم، بل تمنحكِ من الطمأنينة ما يجعلكِ غير مضطرة إلى الإثبات.

وإذا ضعفت كلماتي يومًا، فتذكري أفعالي الصغيرة: انتظاري لصوتكِ، انتباهي لما لا تقولينه، محاولتي أن أكون حاضرًا حين يسهل الغياب، وحرصي على ألا تمر أحزانكِ من أمامي كأنها لا تخصني. قد لا أجيد دائمًا التعبير عن كل ما في قلبي، لكن قلبي، حين يتعلق الأمر بكِ، لا يعيش في منطقة رمادية. هو يعرفكِ، ويرتاح إليكِ، ويختاركِ بوضوح.

أنا لا أحبكِ لأنني أخشى الوحدة، بل لأن الحياة، حتى وهي ممتلئة، تبدو أكثر صدقًا حين أشاركها معكِ. ولا أريدكِ لتملئي نقصًا في داخلي؛ أريدكِ لأنكِ تضيفين إلى اكتمالي معنى لم أكن أعرفه. أنتِ لستِ نصفًا يبحث عنه نصف آخر، بل إنسانة كاملة أحب أن أمشي إلى جوارها، وأن نصنع معًا شيئًا لا يستطيع أي منا صنعه منفردًا.

وفي نهاية هذه الرسالة، لا أملك وعدًا أكبر من هذا: سأحاول كل يوم ألا أتعامل مع وجودكِ كأمر مضمون. سأراكِ، وأسمعكِ، وأتذكر أن قلبكِ الذي اختارني يستطيع أن يتعب، وأن المحبة لا تُصان بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالاهتمام والصدق والاحترام. سأحبكِ في الأيام التي يسهل فيها الحب، وسأحمي ما بيننا في الأيام التي يحتاج فيها الحب إلى قرار.

أحبكِ كما أنتِ الآن، وأحترم الإنسانة التي ستصبحينها غدًا. وإن منحتنا الحياة عمرًا طويلًا معًا، فأمنيتي ألا نصل إلى نهايته ونحن نقول إننا اعتدنا بعضنا؛ بل أن ننظر إلى كل ما عبرناه، ونعرف أننا واصلنا اختيار بعضنا، مرة بعد مرة، بقلبين حرّين.

هذا كل ما أريد قوله، وكل ما سأظل أحاول إثباته:

أنتِ هدوئي النادر في عالم لا يكف عن الضجيج، والإنسانة التي لا أريد منها أن تنقذني، بل أن تمسك يدي ونحن ننقذ أيامنا معًا.

أحبكِ، لا بوصفكِ حلمًا بعيدًا، بل بوصفكِ الحقيقة التي أرغب في العيش داخلها ما استطعت.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً