إذا مرّت الشهور ولم يأتِ الطفل الذي تخيّلناه، فلا تنظري إليّ كأنكِ تنتظرين حكمًا. لن يكون جسدكِ قفصًا للاتهام، ولن أجلس قبالتكِ أفتش في ملامحكِ عن اعتذار لم تطلبيه من الحياة. قد نحزن، وقد نخاف، وقد نسأل أسئلة لا نعرف أجوبتها، لكنني لن أسمح لهذا الانتظار بأن يحوّلكِ في عينيّ من امرأة أحبها إلى نتيجة فحص. أنتِ لستِ طريقًا إلى طفل. أنتِ شريكتي أولًا؛ المرأة التي اخترت أن أبني معها حياتي، لا الوعاء الذي علّقت عليه صورة المستقبل. ربما كنا قد اخترنا له اسمًا قبل أن يوجد. ربما اختلفنا ضاحكين حول لون غرفته، وتخيّلنا أيّنا سيحمل عنه ملامحه وأيّنا سيمنحه طباعه. قد نكون مررنا قرب متجر صغير، فتوقفتِ أمام ثوب بحجم كفّيكِ، ثم ابتسمتِ ومضيتِ من دون أن تشتريه. وحين يتأخر ذلك الحلم، ستصبح بعض التفاصيل أكثر قسوة مما ينبغي. سؤال عابر في مناسبة عائلية قد يفسد عليكِ ليلة كاملة. خبر حمل امرأة قريبة منكِ قد يجعلكِ تفرحين لها بصدق، ثم تبكين وحدكِ لأن فرحتها لامست موضعًا موجوعًا فيكِ. وقد تشعرين بالذنب لأن الحزن مرّ بقلبكِ في لحظة كان يفترض أن تكون خالصة لغيركِ. لن أتهمكِ بالحسد. يمكن للقلب أن يحمل شعورين متناقضين من دون أن يكون سيئًا. تستطيعين محبة صديقتكِ والفرح لها، وفي الوقت نفسه تتألمين لأن ما وصل إليها ما زال بعيدًا عنكِ. ألمكِ لا يسرق رزقها، وفرحتها لا تلغي حقكِ في الحزن. وإذا بدأ الناس تقديم نصائحهم، فلن أترككِ وحدكِ أمامهم. هناك من سيقترح طبيبًا من دون أن يُسأل، ومن سيحكي قصة امرأة حملت بعد سنوات كأنه يسلّمكِ ضمانًا، ومن سيطلب منكِ ألّا تفكري في الأمر كثيرًا، كأن الرغبة تستطيع أن تغادر رأسكِ لمجرد أن أحدهم أمرها بذلك. وقد يأتي من يتجاوز كل الحدود، فيسأل عن الفحوص والمواعيد والأسباب وكأنه يملك حق الدخول إلى أكثر أجزاء حياتنا خصوصية. حينها سأتكلم. سأقول بوضوح إن هذا الأمر يخصنا، وإن صمتكِ ليس دعوةً للمزيد من الأسئلة. لن أجعلكِ تبدين قاسية لأنكِ رفضتِ الإجابة، ولن أبتسم مجاملةً بينما تُدفعين إلى زاوية مؤلمة كي يشعر الآخرون أن فضولهم محترم. ومن يسألني: «ما المشكلة عندها؟» سأصحح السؤال قبل أن أجيب. لا توجد محكمة متهمتها المرأة تلقائيًا. نحن الاثنان داخل هذه الرحلة، والفحوص مسؤوليتنا معًا، والاحتمالات لا تحمل اسمكِ وحدكِ. وإذا كان السبب في جسدي أنا، فلن أخفيه خلفكِ كي أحمي صورة رجولتي أمام الناس. فالرجولة التي تحتاج إلى ظلم امرأة حتى تبقى واقفة ليست رجولة. لن أجعلكِ تتحملين همّ الانتظار وهمّ حمايتي من الحقيقة معًا. سأدخل العيادة معكِ، وأجلس أمام الطبيب بصفتي طرفًا كاملًا، لا مرافقًا جاء ليتأكد أن العطل ليس فيه. وقد تكون النتائج غير واضحة. ربما يقول الطبيب إن كل شيء يبدو طبيعيًا، ومع ذلك لا يحدث ما ننتظره. قد نخرج بمزيد من الأسئلة بدل الأجوبة، ونكتشف أن الطب، على دقته، لا يستطيع دائمًا أن يمنحنا سببًا نضعه أمامنا ونفهمه. في تلك الأيام، لن أملأ الفراغ باللوم. لن أفتش في كوب قهوة شربتِه، أو يوم كنتِ فيه مرهقة، أو قرار قديم، ثم أقول إن هذا هو السبب. وحين تبحثين أنتِ في ذاكرتكِ عن خطأ تعاقبين نفسكِ عليه، سأذكّركِ بأن الإنسان لا يستطيع تفسير كل ما يحدث له عبر محاكمة نفسه. سنأخذ المعلومة من أهلها، ونترك الخرافات عند أبواب أصحابها. وإذا بدأ العلاج، فلن أتعامل مع جسدكِ كأنه مشروع يجب أن ينجح مهما بلغت كلفته. قد تكون هناك أدوية تغيّر مزاجكِ، ومواعيد تقتحم يومكِ، وفحوص تجعلكِ تشعرين أن خصوصيتكِ أصبحت مفتوحة للغرباء. قد تتعبين من الإبر، ومن الانتظار، ومن الكلمات الطبية التي تدخل فجأة في علاقتنا حتى تكاد تبتلع لغتنا القديمة. سأكون منتبهًا إلى الثمن الذي تدفعينه، لا إلى النتيجة وحدها. لن أصفكِ بالمستسلمة إذا قلتِ إنكِ تحتاجين إلى استراحة. ولن أستخدم رغبتكِ القديمة في الأمومة لأدفعكِ نحو إجراء لم تعودي قادرةً عليه. الرغبة في الطفل لا تلغي حقكِ في حماية جسدكِ ونفسكِ. سنتحدث عن قدرتنا الحقيقية؛ الصحية، والنفسية، والمالية. قد نجرب طريقًا ثم نتوقف. وقد نحتاج إلى رأي آخر، أو إلى وقت نعيش فيه بعيدًا عن المواعيد والتحاليل. لن نتخذ قراراتنا كي نُثبت لأحد أننا فعلنا كل شيء، فليس مطلوبًا منا أن نحترق حتى يقتنع الناس بأن أمنيتنا كانت صادقة. وسأحاول ألا تتحول علاقتنا كلها إلى تقويم. لا أريد للقرب بيننا أن يصبح واجبًا تؤديه الأجساد في ساعة محددة، بينما يقف القلق عند طرف السرير يراقب النتيجة. أنتِ لستِ موعدًا طبيًا، ولمستي لكِ ليست خطوة في خطة علاج. سأحمي المساحة التي نعود فيها حبيبين، لا مريضين ينتظران تقريرًا. قد نحتاج إلى أن نمسك يدي بعضنا من دون حديث عن طفل. أن نخرج لأننا اشتقنا، لا لأن الطبيب نصحنا بتخفيف التوتر. أن نضحك من دون أن نسأل إن كان الفرح سيؤثر في الاحتمالات. فالعلاقة التي لا يبقى فيها سوى الانتظار تبدأ بفقد الأشياء التي كانت تستحق أن يأتي الطفل إليها. ولا أريد أن يحدث ذلك لنا. أريد بيتًا يجد فيه الطفل، إن جاء، أبوين ما زالا يعرفان لماذا اختار أحدهما الآخر. لا رجلًا وامرأة استهلكهما الطريق حتى وصلا إليه غريبين. وقد يأتي يوم نحصل فيه على الخبر الذي انتظرناه. سترتجف يداكِ، وربما تخافين من الفرح نفسه. قد ترفضين شراء أي شيء، أو إخبار أحد، لأنكِ تعلمين أن بعض الأخبار الجميلة تحتاج إلى وقت قبل أن يصدقها القلب. لن أطالبكِ بالطمأنينة. سأفهم لماذا تعدين الأيام بحذر، ولماذا يقلقكِ كل ألم صغير، ولماذا لا تريدين سماع عبارة «كل شيء سيكون بخير». سأفرح معكِ، لكنني لن أجبر فرحتكِ على رفع صوتها قبل أن تشعر بالأمان. وإذا جاء الفقد بعد ذلك، فلن أختصر ما حدث بقول إننا نستطيع المحاولة مرة أخرى. فالطفل الذي انتظرناه لا يتحول إلى رقم لمجرد أن وجوده كان قصيرًا. والحزن عليه لا يحتاج إلى شهادة ميلاد كي يصبح حقيقيًا. قد يكون الآخرون قد عرفوا بالخبر أيامًا، أما نحن فقد نكون عشنا معه مستقبلًا كاملًا في رؤوسنا. سأحزن أنا أيضًا، لكنني لن أجعلكِ مسؤولة عن مواساتي وأنتِ تتألمين في جسدكِ وقلبكِ. لن أسألكِ متى سنحاول مجددًا قبل أن تستطيعي النظر إلى الغد. ولن أتعامل مع حزنكِ بوصفه خوفًا يجب تجاوزه سريعًا كي نعود إلى الخطة. سنمنح الغياب اسمه ووقته. وإذا لم يأتِ الطفل بالطريقة التي تخيلناها، فسننظر إلى الطرق الأخرى بوعي، لا بذعر. قد نفكر في خيارات مختلفة، وقد نكتشف أن بعضها يناسبنا وبعضها لا يشبه قدرتنا أو رغبتنا. لن نحول أي طفل إلى علاج لجرحنا، ولن ندخل حياة إنسان ونحن نطالبه سرًا بأن يعوضنا عن صورة فقدناها. الطفل، أيًّا كانت الطريقة التي يصل بها إلى بيتنا، ليس بديلًا عن أحد. إنه حياة كاملة تستحق أن تُستقبل لذاتها، لا كي تصلح ما انكسر فينا أو تثبت أمام المجتمع أننا أصبحنا عائلة مكتملة. وربما، بعد كل الطرق، لا يأتي طفل. هذه الجملة مؤلمة، وأعرف أن قولها لا يشبه احتمالها. قد نحتاج وقتًا طويلًا كي نحزن على الأعوام التي رسمناها ولم تحدث، وعلى الأسماء التي ستبقى بلا أصحاب، وعلى الغرفة التي تخيلناها ولم نفتح بابها. لكنني لن أنظر إليكِ يومًا فأراكِ نصف امرأة. الأمومة احتمال عظيم في حياة المرأة، لكنها ليست الشهادة التي تمنحها قيمتها. جسدكِ لا يفقد كرامته لأن وظيفةً تمنيناها لم تحدث، وقلبكِ لا يصبح أقل حنانًا لأن طفلًا لم ينادكِ «أمي». ولن أرى نفسي نصف رجل لأنني لم أصبح أبًا. نحن لا نحتاج إلى إنسان ثالث كي يثبت أن العلاقة بيننا حقيقية. الطفل، إن جاء، سيضاف إلى حبنا؛ لن يكون الدليل الوحيد عليه. سيبقى لنا بيتنا، وأيامنا، والمائدة التي نجلس إليها، والمشروعات التي نبنيها، والأماكن التي نزورها، والناس الذين يجدون في قربنا رحمة. قد يكون في حياتنا أبناء إخوة وأصدقاء وأطفال نمنحهم وقتًا ومعرفةً وحنانًا من دون أن نحاول امتلاك أدوار ليست لنا. وستكون هناك أيضًا حياة تخصنا نحن. صباحات هادئة، وأسفار مؤجلة، وكتب لم نقرأها، وأعمال نستطيع أن نترك بها أثرًا. لن تكون هذه الأشياء تعويضات صغيرة نضعها فوق فراغ كبير، بل حياتنا الحقيقية التي تستحق أن تُعاش، حتى إن اختلفت عن الصورة الأولى. أعرف أن الوصول إلى هذا الرضا ليس قرارًا نتخذه في مساء واحد. قد تتصالحين أيامًا ثم يعيدكِ سؤال أو مشهد إلى الحزن. ربما تسمعين طفلًا ينادي أمه في مكان عام، فتشعرين بشيء ينقبض داخلكِ. لن أقول إنكِ تناقضتِ، أو إنكِ لم تتجاوزي الأمر بعد. بعض الأحلام لا نتوقف عن محبتها، حتى حين نتعلم العيش من دونها. سأترك لكِ حق الاشتياق إلى حياة لم تحدث، من دون أن أسمح لذلك الاشتياق بأن يقنعكِ أن حياتنا الحالية بلا معنى. وأرجو أن تتركي لي حق الحزن أيضًا. قد أصمت لأنني لا أعرف كيف أتكلم، لا لأن الأمر لا يؤلمني. ربما أحاول أن أبدو ثابتًا كي أساندكِ، ثم يتحول ثباتي إلى جدار يفصلني عنكِ. حينها ذكّريني أنني لست مطالبًا بأداء دور الرجل الذي لا يتأثر. نحن الاثنان خسرنا احتمالًا أحببناه. فلنحزن قريبين، لا كل واحد في غرفة مغلقة يحاول حماية الآخر بالكتمان. وإذا بدأتِ يومًا تتساءلين إن كنتُ سأندم على بقائي، انظري إليّ واسألي بدل أن تتركي الخوف يجيب عني. أنا لم أختر طفلًا ثم بحثتُ عن امرأة تأتي به. اخترتكِ أنتِ، ثم أحببت فكرة أن نصبح والدين معًا. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين الحب والصفقة. قد يتغير حلمنا، لكن هذا لا يجعل اختياري لكِ خطأ. لن أبحث في الخارج عن حياة أظن أنكِ حرمتِني منها، ولن أستخدم إخلاصي مِنّةً أضعها فوق رأسكِ. البقاء معكِ ليس تضحيةً أحتاج إلى التصفيق عليها؛ إنه القرار الذي أتخذه لأن حياتكِ ليست هامشًا حول رغبة واحدة. أنتِ بيتي قبل أن أعرف عدد الغرف التي سيمتلئ بها. أنتِ عائلتي قبل أن يضيف أحد اسمه إلى اسمينا. وإذا جاء طفلنا يومًا، فسأحبه من قلب يعرف مقدار الانتظار، لكنني لن أسمح له بأن يمحو المرأة التي عبرت الطريق معي. سأظل أراكِ أنتِ، لا أمّه فقط؛ تعبكِ، وأحلامكِ، وحاجتكِ إلى وقت يخصكِ، وحقكِ في أن تبقي امرأةً لها اسمها خارج كل الأدوار. وإذا لم يأتِ، فسأظل أراكِ بالطريقة نفسها. لن يصبح البيت فارغًا ما دمنا نعرف كيف نملأه بالحضور. ولن نكون نصف عائلة لأن صورتنا لم تطابق الصور المعلقة في بيوت الآخرين. نحن عائلة منذ اللحظة التي صرنا فيها مسؤولين عن قلبين تحت سقف واحد. قد ينقصنا حلم، وقد يؤلمنا نقصه، لكنكِ لن تنقصي في عينيّ. لهذا، حين يثقل الانتظار، لا تعتذري لي. اقتربي. سنحمل السؤال معًا، ونستقبل جوابه معًا، أيًّا كان. فالطفل أمنية أحبها معكِ. أما أنتِ، فلستِ أمنية مؤجلة. أنتِ الحب الذي وصل.
لسنا نصف عائلة
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً