إلى ياسمين…
في يوم ميلادكِ، لا أبحث عن كلماتٍ جميلة فحسب؛ لأن الكلمات الجميلة كثيرة، وأنتِ لستِ واحدةً من الأشياء الكثيرة. أبحث عن كلامٍ يشبهكِ وحدكِ، يولد مرةً واحدة كما وُلدتِ أنتِ، ويحمل من الدفء ما يجعل قلبكِ يشعر بأن هذا اليوم ليس تاريخًا عابرًا في التقويم، بل اليوم الذي صار فيه العالم أوسع قليلًا، وألطف قليلًا، وأكثر قابليةً للحب. أريد أن أكتب لكِ رسالةً لا تمرّ على عينيكِ ثم تنتهي، بل تسكن فيكِ، وتبقى كلما احتجتِ إلى أن تتذكّري كم أنتِ غالية، وكم أن وجودكِ لم يكن يومًا تفصيلًا صغيرًا في حياتي.
عيد ميلادكِ ليس مناسبةً أقول فيها: كل عام وأنتِ بخير، ثم أمضي. إنّه اليوم الذي أريد أن أتوقّف عنده طويلًا، كأنني أقف أمام معجزةٍ هادئة لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى. ففي هذا اليوم جاءت ياسمين إلى الدنيا، وجاء معها وجهٌ سيعلّمني لاحقًا أن بعض الوجوه لا تُرى بالعين فقط، بل يشعر بها القلب من النظرة الأولى. جاءت ابتسامةٌ لم أكن أعرف أنني سأحتاج إليها بهذا القدر، وصوتٌ يستطيع أن يغيّر مزاج يومٍ كامل، وقلبٌ طيّب يجعلني أستغرب كيف استطاعت الحياة، بكل قسوتها، أن تترك فيه كل هذا النقاء.
اسمكِ وحده حكاية. ياسمين… كأن الذين اختاروه لكِ عرفوا منذ البداية أنكِ ستشبهينه؛ رقيقة من غير ضعف، جميلة من غير تكلّف، وحاضرة بعطرٍ لا يحتاج إلى إعلان نفسه. لكنّ الياسمين الذي أعرفه يزهر في مواسم محددة، أمّا أنتِ فتزهرين في قلبي كلما مرّ اسمكِ في خاطري. يكفي أن أسمعه حتى يتغيّر شيءٌ خفيّ في داخلي، كأن نافذةً فُتحت في غرفةٍ مكتومة، أو كأن هواءً ناعمًا عبر روحي ومسح عنها تعب النهار. اسمكِ ليس مجموعة حروف، بل مكانٌ أعود إليه كلما أثقلني العالم.
وأنا حين أتغزّل بكِ لا أعرف من أين أبدأ. أأبدأ من وجهكِ الذي يبدو كأن الهدوء تعلّم ملامحه منكِ؟ أم من عينيكِ اللتين لا أستطيع أن أراهما نظرةً عابرة؟ في عينيكِ شيءٌ لا يُشرَح بسهولة؛ مزيجٌ من الحنان والذكاء والعمق، شيءٌ يجعلني أشعر بأنهما تعرفان الكلام الذي أخفيه حتى حين أصمت. وحين تنظرين إليّ، لا أشعر أنني أمام عينين جميلتين وحسب، بل أمام وطنٍ صغير يمكن للمرء أن يضع فيه خوفه وتعبه، ثم يخرج منه أخفّ قلبًا وأكثر طمأنينة.
أحب عينيكِ لأنهما لا تتشابهان مع أي جمالٍ مألوف. فيهما ذلك البريق الذي لا تصنعه الإضاءة ولا تجيده الصور؛ بريقٌ يأتي من روحكِ نفسها. حين تفرحين، تسبقان ضحكتكِ وتفضحانها، وحين تحزنين، تحاولان التماسك كأنهما لا تريدان إزعاج أحد. حتى شرودكِ جميل؛ حين تذهبين بفكركِ بعيدًا وتبقين أمامي بجسدكِ، أتمنى لو أستطيع الدخول إلى أفكاركِ لأعرف ما الذي يشغل قلبكِ، وأزيح عنه كل ما يؤلمه. ولو سألوني عن أكثر الأماكن التي أحب أن أتوه فيها، لما اخترت مدينةً ولا طريقًا؛ سأختار تلك المسافة الهادئة بين نظرةٍ منكِ ونظرة.
وأحب ابتسامتكِ، لا لأنها جميلة فقط، بل لأنها تغيّر شكل العالم من حولها. ابتسامتكِ لا تظهر على شفتيكِ وحدهما؛ إنها تمتدّ إلى وجهكِ كله، وتصل إليّ كأنها رسالة سرية تقول إن الحياة ما زالت بخير. عندما تبتسمين، أشعر أن الأشياء القاسية تفقد حدّتها، وأن اليوم مهما كان متعبًا يمكن إصلاحه. لا تعرفين كم مرةً أنقذتني ابتسامةٌ منكِ من مزاجٍ ثقيل، وكم مرة بقيت صورتها في ذهني بعد أن انتهى اللقاء، كضوءٍ صغير يرفض أن ينطفئ.
أما ضحكتكِ، فلها مكانٌ آخر في قلبي. أحب اللحظة التي تسبقها، حين تحاولين مقاومتها فلا تنجحين، ثم تخرج منكِ عفويةً وصافية. أحب كيف يتغيّر صوتكِ معها، وكيف يصبح وجهكِ أكثر حياةً، وكيف أنسى كل شيء وأنا أسمعها. لو كان لي أن أختار موسيقى ترافق أيامي، لاخترت ضحكتكِ؛ لأنها لا تحتاج إلى لحن، ولأنها تصل إلى روحي من أقصر طريق. أتمنى في عامكِ الجديد أن تضحكي كثيرًا، لا مجاملةً لأحد، بل من قلبكِ، حتى تشعري أن الفرح يليق بكِ كما تليق بكِ الأشياء النادرة.
وأحب صوتكِ؛ ذلك الصوت الذي يجعل أبسط الكلمات مختلفة حين تقولينها. اسمي بصوتكِ ليس هو اسمي حين ينطقه الآخرون. سؤالكِ العادي يحمل اهتمامًا لا أجده في خطبٍ طويلة، وطمأنتكِ القصيرة تستطيع أن تهدّئ في داخلي فوضى لا تعرفين عنها شيئًا. أحيانًا لا يهمّني موضوع الحديث بقدر ما يهمّني أن يستمر صوتكِ، أن تبقي قريبةً ولو من خلال كلمة، وأن أعرف أنكِ في الجهة الأخرى من هذا العالم. لصوتكِ أثرٌ يشبه يدًا رقيقة توضع على القلب وتقول له: اهدأ، أنا هنا.
وشَعركِ… كيف يمكن للغزل أن يمرّ من جواره ولا يتوقّف؟ أحب هيئته حين يحيط بوجهكِ، وحين تغيّره حركةٌ عفوية من يدكِ، وحين ينسدل فيبدو كأن الليل اختار أن يكون ناعمًا هذه المرة. حتى التفاصيل التي قد لا تنتبهين إليها تأسرني: خصلةٌ تخرج عن ترتيبها، حركةٌ صغيرة وأنتِ تعيدينها إلى مكانها، والطريقة التي تمنح بها ملامحكِ كل مرةٍ صورةً جديدة. أنتِ لا تحتاجين إلى استعدادٍ طويل كي تكوني جميلة؛ فجمالكِ يظهر في عفويتكِ، في اللحظات التي لا تحاولين فيها أن تبهري أحدًا، فتفعلين ذلك من دون قصد.
ملامحكِ ليست جميلة لأنها متناسقة وحسب، بل لأنها تحملكِ أنتِ. في وجهكِ أرى رقتكِ، وعنَادكِ الجميل، وحياءكِ، وقوتكِ التي لا تتباهى بنفسها. أحب تغيّر تعابيركِ حين تتحدثين عن شيءٍ تحبينه، وأحب التركيز الذي يسكنكِ عندما تنصتين، وأحب تلك الملامح الصغيرة التي تمرّ سريعًا ولا يلتقطها إلا شخصٌ يراقبكِ بمحبة. ربما لا تعرفين مقدار ما تحفظه ذاكرتي منكِ؛ حركة حاجبيكِ حين تتفاجئين، نظرتكِ حين لا يعجبكِ أمر، ابتسامتكِ الخفيفة حين تخجلين، وصمتكِ حين يكون في قلبكِ كلامٌ أكثر مما تريدين قوله.
وحضوركِ يا ياسمين لا يشبه الحضور العادي. بعض الناس يدخلون المكان فيشغلون مساحةً منه، أما أنتِ فتدخلينه فيصبح للمكان إحساس. يتبدّل الهواء، وتلين الأحاديث، وينتبه قلبي إليكِ قبل أن أراكِ. لا أعرف كيف يحدث ذلك، لكنني أشعر بوجودكِ كما يشعر المرء بنور الصباح من خلف ستارةٍ مغلقة. لستِ بحاجة إلى رفع صوتكِ أو لفت الأنظار؛ ففيكِ جاذبيةٌ هادئة تجعل الانتباه يذهب إليكِ من تلقاء نفسه، وكأن الجمال حين يكون واثقًا لا يحتاج أن يشرح نفسه.
ومع ذلك، فإن أجمل ما فيكِ ليس ما تراه العين، على الرغم من أن العين أمامكِ تملك أسبابًا كثيرة للانبهار. أجمل ما فيكِ هو قلبكِ؛ هذا القلب الذي يعطي أكثر مما يتحدّث عن عطائه، ويخاف على الآخرين حتى وهو متعب، ويشعر بالتفاصيل التي يمرّ بها كثيرون بلا انتباه. طيبتكِ ليست مجاملةً اجتماعية ولا صورةً تحاولين الظهور بها؛ إنها طبيعتكِ. تظهر في سؤالكِ، وفي خوفكِ، وفي الطريقة التي تتذكرين بها ما ينساه الجميع، وفي حزنكِ الصادق عندما يتألم شخصٌ تحبينه.
أحب فيكِ أنكِ لا تعرفين القسوة حتى حين تملكين أسبابها. قد تغضبين، وقد تنسحبين، وقد تختارين الصمت، لكن قلبكِ يبقى نقيًا لا يجيد الأذى المتعمّد. وهذا النقاء ليس أمرًا بسيطًا في زمنٍ يتعلم فيه كثيرون كيف ينجون على حساب مشاعر غيرهم. أما أنتِ، فما زلتِ تحافظين على الجزء اللطيف فيكِ، على الرغم من كل ما مرّ بكِ. ولهذا لا أرى طيبتكِ ضعفًا، بل أراها نوعًا نادرًا من الشجاعة؛ أن تعرفي قسوة العالم، ثم تختاري ألا تصبحي نسخةً منها.
أحب اهتمامكِ الصغير الذي قد تظنين أنه لا يُلاحظ. حين تسألين إن كنت بخير، وحين تتذكرين كلمةً قلتها منذ مدة، وحين تشعرين بتغيّر نبرتي قبل أن أشرح لكِ شيئًا. أحب فيكِ تلك القدرة العجيبة على الاقتراب من قلبي من غير استئذان، وعلى فهم ما أعجز أحيانًا عن صياغته. أنتِ لا تمنحينني شعور الحب وحده، بل تمنحينني شعور أنني مرئيّ، أن هناك إنسانةً تلاحظني حقًا، لا الصورة التي أبدو عليها فقط. وهذا عندي أثمن من ألف عبارة غزل.
وحين أقول إنني أحبكِ، فأنا لا أقصد اللحظات الجميلة وحدها. أحبكِ حين تكونين سعيدةً وخفيفة، وأحبكِ حين يثقل قلبكِ ولا تعرفين كيف تعبّرين عما فيه. أحبكِ في قوتكِ، وفي تعبكِ الذي تحاولين إخفاءه، وفي الأيام التي تشعرين فيها أنكِ لستِ بأفضل حال. أحبكِ من دون أن أطلب منكِ أن تكوني مثالية، لأنكِ بالنسبة إليّ أجمل من فكرة الكمال نفسها. الكمال جامدٌ وبارد، أما أنتِ فحقيقية؛ تتعبين وتفرحين، تخطئين وتصيبين، تقلقين وتطمئنين، وفي كل حالةٍ منكِ سببٌ جديد يجعلني أتمسّك بكِ أكثر.
أحب حساسيتكِ حتى عندما ترهقكِ، لأنها دليل على أن قلبكِ حيّ. أحب خوفكِ على من تحبين، وحرصكِ على ألّا تجرحي أحدًا، ومحاولاتكِ الدائمة لأن تتركي أثرًا طيبًا. وأتمنى لو ترين نفسكِ كما أراكِ؛ عندها لن تقفي طويلًا أمام عيوبٍ صغيرة يضخّمها القلق، ولن تقارني جمالكِ بأحد، ولن تشكّي لحظةً في قيمتكِ. لو رأيتِ نفسكِ بعيني، لعرفتِ أنكِ امرأةٌ لا تُقارن، لأن المقارنة تحتاج إلى شبيه، وأنا لا أجد لكِ شبيهًا.
أنتِ جميلة حين تهتمين بتفاصيلكِ، وجميلة حين تأخذكِ العفوية فلا تفكرين في شكلكِ. جميلة في هدوئكِ وفي حماسكِ، في الكلام وفي السكوت، في قربكِ وحتى في ذلك الغياب القصير الذي يجعلني أدرك مقدار المساحة التي تشغلينها في يومي. جمالكِ ليس هيئةً واحدة تحفظها صورة؛ إنه يتحرّك معكِ، يتبدّل ويتجدّد. كل مرةٍ أراكِ فيها أكتشف تفصيلًا لم أنتبه إليه من قبل، فأشعر أنني أعرفكِ منذ زمن، وفي الوقت ذاته ما زلت أبدأ اكتشافكِ الآن.
ولكِ في قلبي مكانٌ لا يشبه أي مكان. ليس زاويةً يمكن أن يملأها انشغال، ولا ذكرىً يخفّ أثرها مع الأيام. مكانكِ جزءٌ من ترتيب روحي. أنتِ في الأشياء التي أتمنى حدوثها، وفي الخطط التي أرسمها من دون أن أشعر، وفي الدعوات التي أخفيها بيني وبين الله. عندما أفكر في يومٍ جميل، أجدكِ فيه. وعندما أتخيّل راحةً حقيقية، تكونين قريبة. وحين يسألني قلبي عمّا يريد الاحتفاظ به مهما تغيّرت الحياة، يأتي اسمكِ أولًا، واضحًا، بلا تردد.
لا أحبكِ لأنكِ تجعلين أيامي سعيدةً فحسب؛ أحبكِ لأنكِ جعلتِني أرى نفسي بطريقةٍ ألطف. قربكِ يعلّمني أن أكون أكثر صبرًا، وأن أنتبه للكلمات قبل أن أقولها، وأن أحافظ على الأشياء الثمينة بدل أن أتعامل معها كأنها مضمونة. معكِ فهمت أن الحب ليس اندفاعًا جميلًا فقط، بل مسؤولية قلبٍ تجاه قلب؛ أن أخاف على راحتكِ، وأحترم حزنكِ، وأفرح لنجاحكِ كأنه نجاحي، وأبقى صادقًا حتى في التفاصيل التي لا يراها أحد.
في يوم ميلادكِ، أريد أن أشكركِ لأنكِ أنتِ. شكرًا لعينيكِ اللتين أعادتا إلى نظرات العالم معناها. شكرًا لابتسامتكِ التي جاءتني في أوقاتٍ كنت أحتاجها من دون أن أطلبها. شكرًا لصوتكِ، لاهتمامكِ، لصبركِ، وللقلب الذي منحني من طيبته أكثر مما أستطيع وصفه. شكرًا لكل لحظةٍ كنتِ فيها قريبة، ولكل كلمةٍ تركتِها في داخلي ثم مضيتِ من غير أن تعرفي أنها بقيت. وشكرًا حتى للتفاصيل التي تظنينها عادية؛ لأن ما يصدر منكِ لا يصلني عاديًا أبدًا.
أتمنى في عامكِ الجديد ألّا تُثقلكِ الأشياء التي لا تستحق قلبكِ، وألّا تمنحي حزنكِ لمن لا يعرف قيمة دمعتكِ. أتمنى أن تكون أيامكِ واسعةً بما يكفي لأحلامكِ، وأن تأتيكِ المفاجآت الجميلة من الجهات التي لم تتوقعيها. أتمنى أن تنامي مطمئنة، وتستيقظي بقلبٍ خفيف، وأن تجدي في كل طريقٍ تسلكينه سببًا يجعلكِ فخورةً بنفسكِ. أتمنى ألّا تضطري إلى التظاهر بالقوة دائمًا، وأن تجدي يدًا صادقةً تمسك بكِ عندما تتعبين، وقلبًا لا يجعلكِ تخافين من أن تكوني على حقيقتكِ.
أتمنى أن يعوّضكِ هذا العام عن كل لحظةٍ شعرتِ فيها أنكِ وحدكِ، وعن كل انتظارٍ طال، وعن كل كلمةٍ مؤذية خبّأتها ابتسامتكِ. أتمنى أن تأتيكِ الأيام معتذرةً عمّا مضى، محمّلةً بما يليق بكِ من سلامٍ وفرح. وإذا كان للعمر الجديد باب، فأتمنى أن تدخليه ولا يحمل قلبكِ من الأعوام السابقة إلا الحكمة والذكريات التي تستحق البقاء. أما التعب، فدعيه خلفكِ؛ لقد أخذ من عينيكِ ما يكفي، وحان لهما أن تلمعا من الفرح وحده.
أريد لهذا العام أن يحبكِ كما أحبكِ: أن ينتبه إلى التفاصيل الصغيرة فيكِ، وأن يحفظ قلبكِ من الخذلان، وأن يفاجئكِ بما تتمنين قبل أن تنطقي به. أريده أن يكون رفيقًا بكِ، لا يختبر صبركِ أكثر مما ينبغي، ولا يضع في طريقكِ أبوابًا مغلقة. أريده عامًا يليق باسمكِ؛ مليئًا بالنور والعطر والحياة. عامًا تنظرين إليه في نهايته وتقولين إنكِ عشتِ فيه حقًا، وضحكتِ من أعماقكِ، واقتربتِ من أحلامكِ، وأحببتِ نفسكِ بالطريقة التي تستحقينها.
وأنا لا أعدكِ بأن الحياة لن تحزننا، فالحب الصادق لا يبيع الوعود المستحيلة. لكنني أتمنى أن أكون قربكِ حين تحزن، وأن أجعل ثقلها أخفّ على قلبكِ. أتمنى أن أكون الشخص الذي تستطيعين أن تأتيه من دون أن ترتّبي كلامكِ أو تخفي ضعفكِ، وأن تعرفي أنكِ لستِ مضطرةً إلى شرح كل شيء كي أفهم أنكِ تحتاجين إلى الاحتواء. أريد أن أكون أمانًا لا سؤالًا، وراحةً لا عبئًا، وصدقًا لا يترككِ حائرةً في مكانكِ عندي.
مكانكِ عندي واضح يا ياسمين. أنتِ لستِ احتمالًا بين احتمالات، ولا اسمًا جميلًا في قائمة الأسماء. أنتِ الاستثناء الذي علّمني لماذا لا تمتلئ بعض الأماكن مهما مرّ بها أشخاص، ثم يأتي شخصٌ واحد فيملؤها كلها. أنتِ التي جعلتِ للانتظار معنى، وللرسائل نبضًا، وللتفاصيل قيمة. منذ عرفتكِ، صار يومي يعرف الفرق بين وجودكِ وغيابكِ، وصار قلبي أكثر انتباهًا لكل ما يتصل بكِ. حتى الوقت معكِ يتصرّف بطريقةٍ غريبة؛ يركض حين تكونين قريبة، ويتثاقل حين أشتاق إليكِ.
أشتاق إليكِ أحيانًا وأنتِ أمامي؛ لأنني أريد قربًا أكبر من المسافة التي تسمح بها الأماكن. أشتاق إلى حديثٍ لم نبدأه بعد، وإلى ضحكةٍ قادمة، وإلى يومٍ لم نعشه. كأن قلبي لا يكتفي منكِ بما حدث، فيحبّكِ في الحاضر ويشتاق في الوقت نفسه إلى كل ما سيأتي. وهذا أجمل ما فعلتِه بي: جعلتِ المستقبل يبدو مكانًا يستحق الوصول، لأن احتمال وجودكِ فيه يجعلني أتطلّع إليه بدل أن أخشاه.
ولو طلبوا مني أن أصفكِ بكلمة، لظلمتكِ كل الكلمات. كيف يمكن لكلمةٍ واحدة أن تحمل عينيكِ وضحكتكِ وصوتكِ وقلبكِ وحضوركِ معًا؟ وكيف أختصر امرأةً صنعت في داخلي كل هذا الاتساع؟ أنتِ لستِ «جميلة» فقط؛ فالجمال جزءٌ منكِ، لكنه لا يحيط بكِ. ولستِ «طيبة» فقط؛ لأن طيبتكِ لها ألف صورة. أنتِ مزيجٌ لا يتكرر من الرقة والقوة، من الحياء والوضوح، من الطفولة التي تظهر في فرحكِ، والنضج الذي يظهر في مواقفكِ.
فيكِ شيءٌ يجعلني أريد حماية ابتسامتكِ من كل ما قد يطفئها. ليس لأنكِ عاجزة عن حماية نفسكِ، فأنا أعرف قوتكِ جيدًا، بل لأن الأشياء الغالية توقظ فينا رغبةً صادقة في رعايتها. أريد أن تبقى روحكِ كما هي؛ نقيةً، حيّة، قادرةً على الدهشة. لا أريد للعالم أن يقنعكِ بأن القسوة نضج، ولا أن يجعلكِ تخجلين من رقتكِ. رقتكِ ليست ثغرةً فيكِ، بل هي أجمل انتصارٍ حققتِه على كل ما حاول تغييركِ.
يا صاحبة الاسم الذي كلما نطقته شعرت أنني أقول كلمة حب، في عيد ميلادكِ أريدكِ أن تعرفي أن وجودكِ لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد القلوب التي جعلتها أكثر دفئًا. وأنا أعرف قلبًا واحدًا على الأقل تغيّر كثيرًا لأنكِ مررتِ به: قلبي. لقد تركتِ فيه أثرًا لا يشبه الجروح ولا الذكريات العابرة؛ تركتِ نافذةً مفتوحة على النور، وصرتِ أنتِ الجهة التي يأتي منها.
كل عامٍ وأنتِ الوجه الذي لا يملّه النظر، والصوت الذي لا يملّه السمع، والحديث الذي لا يملّه القلب. كل عامٍ وأنتِ جميلةٌ كما أنتِ، لا كما يريدكِ الآخرون أن تكوني. كل عامٍ وعيناكِ أبعد عن الحزن، وضحكتكِ أقرب إلى قلبكِ، وأمنياتكِ أقرب إلى يديكِ. كل عامٍ وأنتِ مدلّلة الأيام، محفوظة الروح، محاطةٌ بمن يعرفون قيمتكِ ولا يستهينون بقلبكِ.
كل عامٍ وأنتِ ياسمين التي لا تشبه إلا نفسها؛ الياسمين الذي لا يذبل، ولا ينتظر فصلًا كي يزهر، ولا يحتاج إلى حديقة كي ينشر عطره. كل عامٍ وأنتِ الحب حين يصبح إنسانة، والحنان حين يجد له ملامح، والجمال حين يتخلّى عن غروره ويصير بسيطًا وقريبًا. كل عامٍ وأنا أجد فيكِ سببًا جديدًا لأحبكِ أكثر، على الرغم من أنني في كل مرة أظن أن قلبي بلغ آخر قدرته على الحب.
وأعرف أن رسالتي، مهما طالت، ستبقى أقصر من شعوري تجاهكِ. فهناك أشياء لا تسعها اللغة، وهناك محبةٌ لا تستطيع الكلمات إلا أن تقف على بابها. يمكنني أن أكتب عن عينيكِ حتى تنتهي دفاتري، وعن قلبكِ حتى تتعب الحروف، وعن اسمكِ حتى يصير كل الكلام ياسمينًا، ومع ذلك سأشعر أن أجمل ما فيكِ ما زال خارج النص. أنتِ أكبر من الوصف؛ لأن الوصف يحدّد الأشياء، وأنتِ في داخلي بلا حدود.
في عيد ميلادكِ، لا أتمنى لكِ عمرًا طويلًا فقط، بل عمرًا مليئًا بما تحبين. فما قيمة السنوات إن لم تحمل إليكِ الفرح الذي تستحقينه؟ أتمنى لكِ أيامًا لا تضطرين فيها إلى إخفاء دمعتكِ، وليالي لا يسرق القلق نومكِ، وصباحات تبدأ بخبرٍ جميل. أتمنى أن تحقّقي أمنياتكِ واحدةً تلو الأخرى، وأن تظلي كلما حققتِ حلمًا قادرةً على اختراع حلمٍ أجمل. أتمنى أن تصادفكِ الحياة بوجهها الحنون، وأن تمنحكِ أكثر مما طلبتِ، لأن قلبكِ أعطى أكثر مما كان مطالبًا به.
وإن كان لي دعاءٌ خاص في هذا اليوم، فهو أن يحفظكِ الله من كل شيء لا أستطيع الوصول إليه قبلكِ؛ من حزنٍ مباغت، ومن خيبةٍ صامتة، ومن طريقٍ لا يناسب قلبكِ. أن يضع الطمأنينة في صدركِ حيث لا يراها أحد، وأن يرزقكِ فرحًا لا تخافين زواله، وأن يجبر خاطركِ جبرًا يجعلكِ تنسين شكل الألم. وأن تبقي كما أنتِ: قلبًا إذا اقترب منه الإنسان شعر بأنه عاد إلى الجزء الطيب من نفسه.
أحبكِ يا ياسمين، لا لأن اليوم عيد ميلادكِ، بل لأن عيد ميلادكِ منحني سببًا لأقول بصوتٍ أوضح ما أشعر به كل يوم. أحب اسمكِ، وشكلكِ، وعينيكِ، وابتسامتكِ، وصوتكِ، وضحكتكِ، وطريقتكِ في الكلام، وتفاصيلكِ الصغيرة التي لا يعرفها سواي. أحب طيبة قلبكِ التي تجعلني أخاف عليه من العالم، وأحب قوتكِ التي تطمئنني أنكِ قادرةٌ على العبور. أحبكِ حين تكونين بقربي، وحين تفصل بيننا المسافات، وحين نتحدث، وحين يبقى بيننا صمتٌ يفهمه قلبانا.
أحبكِ محبةً لا تحتاج إلى مناسبة كي تعيش، لكنها في عيد ميلادكِ ترتدي أجمل ما لديها وتأتي إليكِ محمّلةً بالكلام. أحبكِ لأنكِ أنتِ، وهذه وحدها عندي أسباب الدنيا كلها. ولو عاد بي الوقت إلى اللحظة التي عرفتكِ فيها، لاخترت الطريق نفسه، واللحظة نفسها، وكل التفاصيل التي قادتني إليكِ، حتى لو عرفت مسبقًا مقدار ما سيصبح لكِ من سلطانٍ على قلبي. فبعض الأقدار لا نريد النجاة منها؛ نريد فقط أن تستمر.
عيد ميلاد سعيد يا أجمل مصادفةٍ رتّبتها الحياة بعناية، ويا أمنيةً لم أعرف كيف أطلبها فجاءتني باسم ياسمين. اليوم لا تكبرين عامًا في عيني؛ بل يكبر حبكِ في داخلي عامًا كاملًا دفعةً واحدة. واليوم لا أحتفل بتاريخ ولادتكِ وحده، بل أحتفل بكل لحظةٍ جعلها وجودكِ أكثر جمالًا، وبكل شعورٍ وُلد في قلبي منذ عرفكِ.
ابقَي بخير، لأن في خيركِ راحتي. ابقَي قريبة، لأن قربكِ أجمل ما يحدث لأيامي. ابقَي مبتسمة، لأن العالم يبدو أقل قسوةً حين تبتسمين. وابقَي ياسمين كما أحببتكِ: امرأةً لا يمرّ اسمها في قلبي إلا وترك فيه عطرًا، ولا تحضر في ذاكرتي إلا وأضاءت شيئًا، ولا يأتي عيد ميلادها إلا وأشعر أن الهدية الحقيقية لم تكن ما سأقدّمه لها، بل أنها وُجدت في هذا العالم، ثم سمحت لقلبي أن يعرفها.
كل عامٍ وأنتِ حبيبتي التي يستحق ميلادها أن يحتفل به قلبي قبل الجميع.
وكل عامٍ وأنتِ أجمل أعوامي كلّها.
حين ابتكرَكِ الجمال
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً