الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

المقعد الذي ينتظركِ

كان المطبخ مزدحمًا تلك الليلة؛ أطباق تتنقل بين الأيدي، وأحاديث متقاطعة، وضحكات تصل متأخرة لأن أحدهم لم يسمع النكتة من بدايتها. امتلأت الكراسي كلها تقريبًا، وبقي مقعد واحد إلى جواري دفعتُه تحت الطاولة كي لا يعيق المرور. عندما ظهرتِ عند الباب، بعد يوم أعرف أنه استنزفكِ، لم تدخلي فورًا. وقفتِ لحظة كأنكِ تدرسين المشهد وتسألين في سرّكِ إن كان في هذا الازدحام موضع لا يطالبكِ بشيء. رفعتِ عينيكِ نحوي، فمددتُ قدمي وسحبتُ المقعد بهدوء. لم أقل تعالي؛ كان مكانكِ هو الذي قالها.

رأيتُ التعب يلين قليلًا في وجهكِ قبل أن تخطي نحونا. لم يختفِ، ولم تتحولي فجأة إلى امرأة سعيدة كما تفعل الشخصيات في الحكايات المستعجلة، لكنه فقد شيئًا من وحدته. وضعتِ حقيبتكِ قرب الحائط وجلستِ، ثم أخرجتِ زفرة طويلة حاولتِ تغطيتها بابتسامة. لم أسألكِ أمام الجميع ما الذي جرى، ولم أضغط على يدكِ لأنتزع جوابًا. قرّبتُ إليكِ طبقًا لم تمسه الأيدي بعد، وملأتُ كأسكِ بالماء، وتركتُ لكِ حق أن تصلي إلى نفسكِ قبل أن تصلي إلى الحديث.

منذ تلك اللحظة وأنا أفكر في أن المحبة ربما تبدأ من فنّ إفساح المكان. ليست دائمًا اقترابًا شديدًا، ولا كلمات كثيرة، ولا رغبة في معرفة كل ما يدور داخل الآخر في اللحظة نفسها. أحيانًا تكون أن تنتبه إلى أن من تحب تقف عند عتبة مزدحمة، فتزيح شيئًا من ضجيجك، وتترك لها مقعدًا واضحًا لا تضطر إلى طلبه. أريد أن يكون وجودي في حياتكِ بهذه البساطة العميقة: مساحة تعرفين أنها لكِ، حتى إذا تأخرتِ، حتى إذا جئتِ متعبة، وحتى إذا لم تحملي معكِ حكاية جميلة.

لن أجعل قربكِ جائزة تنالينها حين تكونين في أفضل حالاتكِ. لا أريدكِ أن تدخلي أيامي وأنتِ تصلحين ملامحكِ عند الباب، وتخبئين ارتباككِ في الحقيبة، وتختارين الكلمات التي لا تثقل عليّ. تعالي كما انتهى بكِ النهار، لا كما كان ينبغي له أن ينتهي. إن كنتِ غاضبة، فلغضبكِ مكان لا يحوله إلى تهمة. وإن كنتِ حائرة، فلستِ مطالبة بصناعة يقين سريع كي أرتاح. وإن لم تعرفي سبب ضيقكِ، لن أطالب الحزن ببطاقة تعريف قبل أن أسمح له بالجلوس معنا.

أعرف أن بعض الأماكن تعلّم الإنسان أن يصغر كي يتسع له المجلس. أن يضم كتفيه، ويختصر رأيه، ويبتلع اعتراضه، ويضحك في الموضع الذي يؤلمه، خوفًا من أن يُقال إنه كثير. وأنا لا أريدكِ قليلة كي تناسبيني. لا أريد نسخة مهذبة منكِ تمشي بحذر حول هشاشتي، ولا صوتًا منخفضًا يطلب الإذن قبل كل حقيقة. إذا احتاجت حياتي إلى أن أقتطع منكِ أجزاء حتى تستقري فيها، فالمشكلة ليست في اتساعكِ؛ المشكلة في المكان الذي لم أتعلم بعد كيف أعيد ترتيبه.

لهذا سأراقب الأشياء التي تحتل بيننا مساحة لا تستحقها: كبريائي حين يمنعني من الاعتذار، وانشغالي حين يتحول من ظرف إلى عادة، وتوقعي أن تتفهمي دائمًا من غير أن أشرح، وخوفي الذي قد يتنكر في هيئة سيطرة. لن أطلب منكِ الوقوف طويلًا لأن هذه الأشياء جلست قبلكِ. سأزيحها كلما رأيتها تتمدد، وأتذكر أن العلاقة لا تضيق فجأة؛ تضيق حين نترك ما يؤذينا يتكاثر فوق الطاولة، ثم نستغرب لماذا لم يعد في وسع قلبين أن يضعا أيديهما عليها.

في تلك الليلة دار الحديث حول موضوع كنتِ تعرفين عنه الكثير. بدأتِ جملة، فقاطعكِ شخص متحمس وأكمل الفكرة بطريقته. سكتِّ، ورفعتِ كأس الماء إلى فمكِ كأن الأمر لا يعنيكِ. انتظرتُ حتى هدأ صوته، ثم التفتُّ إليكِ وقلتُ: كنتِ تقولين؟ رأيتُ دهشة صغيرة تمر في عينيكِ، كأن استعادة الجملة أمر لم تتوقعيه. أكملتِ كلامكِ بهدوء، وما كان يهمني يومها ليس أن أثبت للآخرين أنني منصت، بل أن تعرفي أنتِ أن كلامكِ لا يسقط من ذاكرتي لمجرد أن صوتًا أعلى مرّ فوقه.

أعدكِ أنني سأحاول ألا أحب صوتكِ في السر ثم أتركه وحيدًا في العلن. لن أمدح ذكاءكِ بيننا وأصمت حين تُنسب فكرتكِ إلى غيركِ، ولن أطلب رأيكِ ثم أعاقبكِ إذا خالف رأيي. ولكنني أيضًا لن أتكلم نيابة عنكِ كلما ظننت أنني أحميكِ؛ فالحماية التي تصادر صوتكِ قفص حسن النية. سأرد إليكِ المساحة، ثم أترك لكِ أن تختاري كيف تستخدمينها. أنتِ لستِ قصة أرويها بإتقان، بل إنسانة كاملة لها حق أن تقول نفسها بالطريقة التي تشبهها.

وقد تحتاجين أحيانًا إلى مقعد بعيد قليلًا عني. هذا لن يخيفني كما كان يمكن أن يخيفني من قبل. سأتعلم أن حاجتكِ إلى العزلة ليست إعلانًا عن نهاية الحب، وأن الباب الذي تغلقينه ساعة قد يحمي حديثًا كان سيفسد لو بدأناه ونحن مثقلان. لن أطاردكِ بالأسئلة حتى يتحول القرب إلى مطاردة، ولن أستخدم قلقي حجة لإلغاء حدودكِ. سأبقى قريبًا بالقدر الذي يطمئنكِ، وبعيدًا بالقدر الذي يعيد إليكِ نفسكِ، ثم أستقبلكِ من غير تحقيق عندما تعودين.

وأرجو أن تفعلي بي الأمر نفسه. حين أحتاج إلى صمت، لا تملئيه فورًا بأسوأ الاحتمالات. ذكّريني فقط أن مكانكِ موجود، ثم دعيني أرتب الفوضى التي لا أجيد شرحها وهي ساخنة. سأقاوم بدوري إغراء الاختفاء، وسأقول لكِ بوضوح إنني أحتاج إلى بعض الوقت، لا أن أترككِ معلقة في فراغ صنعته ولم أسمّه. فالمسافة الرحيمة لها باب وموعد تقريبي للعودة؛ أما الغياب الذي يعاقب الآخر، فليس مساحة، بل إقصاء لا أريد أن نتعلمه.

بعد قليل، مال أحدهم ليأخذ شيئًا من خلفكِ، فتحرك مقعدكِ وضاق موضعكِ عند الحافة. من دون أن تنتبهي، أعدتُ الكرسي إلى مكانه بإشارة صغيرة من يدي. بدت الحركة عابرة، لكنها كشفت لي معنى أوسع: المكان الذي نمنحه لمن نحب لا يكفي أن نقدمه مرة ثم نفترض أنه سيبقى آمنًا إلى الأبد. الحياة تزحزحه قليلًا كل يوم؛ عمل يلتهم الوقت، وعائلة لها مطالبها، وشاشة تسرق النظر، وإرهاق يجعلنا أقل لطفًا. لذلك يحتاج القرب إلى من يعيده إلى موضعه، لا بخطبة كبيرة، بل بانتباه متكرر.

سأعيدكِ إلى موضعكِ في يومي حين تتكاثر الالتزامات. ليس بأن أجعلكِ مركز الكون وأحمّلكِ عبء أن تكوني كل شيء، بل بألا تصبحي البند الذي يؤجل دائمًا لأنه متسامح. سأحفظ لنا وقتًا لا يأكله ما يبدو عاجلًا، وأضع هاتفي بعيدًا عندما تحكين لي أمرًا ظل معكِ طوال النهار. وإذا قصّرتُ، لن أستعين بتاريخ محبتي كي أنكر حاضر إهمالي. المشاعر القديمة لا تعفي السلوك الجديد من الحساب؛ ومن يحب مكانًا يعود لتنظيفه، وترميمه، وسؤال من يسكنه إن كان ما يزال مريحًا.

ولا أريد أن يكون مقعدكِ نسخة من مقعدي. قد ترين العالم من زاوية لا أراها، وتصل إليكِ الإضاءة بطريقة مختلفة، ويزعجكِ ما لا أنتبه إليه. لن أصر على أن الراحة لها شكل واحد لأنني ارتحتُ إليه. سأصدقكِ عندما تقولين إن كلمة عادية عندي تركت فيكِ خدشًا، وسأفهم أن اختلاف إحساسنا لا يجعل أحدنا كاذبًا. ليس مطلوبًا مني أن أشعر بألمكِ بالطريقة نفسها كي أعترف به؛ يكفي أن أحبكِ بما يمنعني من تحويل تجربتكِ إلى مناظرة أريد الفوز فيها.

وحين نختلف، لن أهدد مكانكِ. لن ألمّح إلى الرحيل كي أربح جولة، ولن أسحب الحنان حتى تقدمي التنازل الذي أريده، ولن أجعل الأمان قابلًا للمصادرة عند كل غضب. يمكنني أن أرفض رأيكِ من دون أن أرفضكِ، وأن أطلب تغيير سلوك من دون أن أشوه شخصكِ، وأن أتوقف عن الحوار من غير أن أهدم البيت فوق رؤوسنا. أريد خلافًا يبقي المقعد قائمًا، حتى إذا تعبنا من الكلام عرف كل منا أن عودته إلى الطاولة لا تحتاج إلى إذلال أو امتحان.

أعرف كذلك أن الحب لا يمنحني حق حجز حياتكِ كلها. هناك مقاعد أخرى تخص صداقاتكِ، وعائلتكِ، وعملكِ، وشغفكِ، والوقت الذي تجلسين فيه وحدكِ من غير دور تؤدينه لأحد. لن أنافسها كطفل يظن أن المحبة كمية إذا ذهبت إلى غيره نقصت منه. سأفرح بالمساحات التي تعيدكِ إليّ أكثر حياة، وأحترم العلاقات التي صنعت أجزاء منكِ قبل أن أعرفكِ. أريد أن أكون إضافة واسعة إلى عالمكِ، لا جدارًا جديدًا يختصره حتى لا يبقى فيه سواي.

وفي المقابل، سأحافظ على عالمي أيضًا، لأنني لا أريد أن أجلس قربكِ فارغًا وأطالبكِ بأن تكوني مصدر كل معنى. سأحمل إليكِ يومًا عشته، وفكرة تعلمتها، وصداقات تصون توازني، ثم أشارككِ ذلك لا لأبتعد، بل كي يظل بيننا ما يُروى. الحب الذي يبتلع صاحبيه يتركهما جائعين بعد حين؛ أما الحب الذي يسمح لكل واحد أن ينمو، فيجعل اللقاء بينهما متجددًا، كأنهما يعودان إلى الطاولة نفسها وفي أيديهما خبز مختلف كل مساء.

عندما بدأ الناس يغادرون، بقيتِ أنتِ تجمعين الأكواب رغم أنني رأيتُ ثقل يومكِ منذ دخولكِ. أخذتُ الكأسين من يديكِ وقلتُ: اتركيهما. حاولتِ الاعتراض بحجة أنكِ لم تساعدي في شيء، فعرفتُ أن التعب ما زال يفاوضكِ على استحقاقكِ للمكان. أعدتُ الكأسين إلى الطاولة وقلتُ إن جلوسكِ لم يكن دينًا. نظرتِ إليّ لحظة طويلة، ثم تركتِ ما في يدكِ وجلستِ من جديد. كان في استسلامكِ للراحة شجاعة خفية؛ فالإنسان الذي اعتاد كسب مكانه بالخدمة يحتاج وقتًا كي يصدق أن المحبة لا تطلب إيصال دفع.

أتمنى أن يصبح هذا التصديق عادة بيننا. أن تدخلي أيامي ولا تسألي أولًا: ماذا ينبغي أن أفعل كي أبقى؟ وأن أدخل أيامكِ من غير أن أحوّل عطائي إلى عقد ملكية. سنخدم بعضنا بمحبة، نعم، لكن لا ليشتري أحدنا حقه في الآخر. سنطبخ، ونرتب، وننتظر، ونسند، ثم نترك لهذه الأفعال جمالها الحر، فلا نستدعيها شهودًا عند الخصام. قيمتكِ عندي تسبق فائدتكِ، ووجودكِ ليس وظيفة شاغرة أخشى أن أجد لها بديلًا إذا تعبتِ.

وقبل أن نطفئ النور، عدتِ إلى المطبخ لتأخذي حقيبتكِ. كان المكان قد اتسع فجأة بعد رحيل الجميع، والكراسي مبعثرة حول الطاولة. وقفتِ قرب المقعد الذي جلستِ عليه، ومررتِ أصابعكِ فوق ظهره الخشبي، ثم قلتِ بصوت خافت: كنتُ أحتاج هذا اليوم إلى مكان لا أشرح فيه نفسي. لم أجب بسرعة، لأن بعض الجمل تفسد إذا وضعنا فوقها كلامًا كثيرًا. اقتربتُ فقط، ووقفتُ إلى جواركِ، وشعرتُ أن ما منحته لكِ لم يكن كرسيًا، بل إعفاءً مؤقتًا من الدفاع عن حقكِ في أن تكوني هنا.

ومنذ ذلك المساء، صار لي وعد صغير أراجعه كلما ازدحمت الحياة: أن أترك لكِ مكانًا لا يملؤه أحد بالنيابة عنكِ. مكانًا لصوتكِ إذا قوطع، ولتعبكِ إذا لم يجد تفسيرًا، ولتغيركِ إذا صرتِ امرأة تختلف عمن عرفتها أول مرة. وإذا أبعدت الأيام مقعدكِ عني قليلًا، لن ألومكِ من الطرف الآخر؛ سأقوم، وأعبر المسافة، وأعيده برفق إلى جواري. وحين ترفعين عينيكِ عند الباب، لن أطلب منكِ أن تثبتي أنكِ ما زلتِ تحبينني. يكفيني أن تري المساحة التي حفظتها لكِ، وأن تعرفي، قبل أن أقول أي شيء: لم يكتمل هذا المكان من دونكِ، ولم يكن عليكِ يومًا أن تقفي.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً