الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

مكانكِ بلا مقابل

أريد أن أقول لكِ شيئًا قد يبدو بسيطًا، لكنه في نظري من أثقل الحقائق وأحنّها: مكانكِ عندي لا يرتبط بما تقدمينه. لا يحتاج إلى فنجان قهوة تعدينَه، ولا إلى كلمة مناسبة تنقذين بها مساءً مرتبكًا، ولا إلى قدرتكِ على إصلاح ما يفسده الآخرون. أنتِ لا تسكنين قلبي لأنكِ نافعة، ولا لأنكِ تعرفين كيف تجعلين الأيام أقل خشونة. تسكنينه لأنكِ أنتِ، حتى حين تكون يداكِ فارغتين، وصوتكِ متعبًا، ولا تملكين لي سوى حضوركِ الصامت.

أعرف أنكِ اعتدتِ أن تعبّري عن محبتكِ بالفعل. تلاحظين الأشياء الصغيرة قبل أن يطلبها أحد، تحفظين ما ينساه الناس عن أنفسهم، وتنتبهين إلى النبرة التي تتغير في منتصف الجملة. ربما لهذا يظن من حولكِ أنكِ قوية على الدوام، وأن قلبكِ غرفة واسعة يستطيع الجميع أن يضعوا فيها أعباءهم. لكنني أراكِ في اللحظة التي تغلقين فيها الباب بعد رحيلهم، حين تهبط كتفاكِ قليلًا، وحين تنظرين إلى هاتفكِ ولا تريدين أن تجيبي أحدًا. أراكِ عندما ينتهي دور المرأة التي ترتب الفوضى، وتبقين أنتِ، بتعبكِ الحقيقي واحتياجكِ الذي لا تعلنينه بسهولة.

ولا أريدكِ معي أن تؤدي هذا الدور.

لا أريد أن يصبح حبي لكِ مهمة أخرى في جدولكِ؛ شيئًا يلزمكِ أن تنجحي فيه، أو مسؤولية تخافين التقصير فيها. لا أريدكِ أن تستيقظي قلقة لأنكِ لم تسألي عني بما يكفي، أو أن تعتذري لأن يومًا ثقيلًا جعلكِ أقل كلامًا. إذا مرّ عليكِ صباح لا تستطيعين فيه إلا النجاة من ساعاته، فلا تقتطعي من قوتكِ القليلة شيئًا لتطمئنيني. قولي لي إنكِ متعبة، أو لا تقولي شيئًا. سأفهم أن الصمت ليس انسحابًا، وأن الإنسان لا يتوقف عن الحب حين تنفد منه الطاقة اللازمة لإظهاره.

أحب كرمكِ، نعم، لكنني لا أريد أن أستفيد منه حتى أنسى صاحبة اليد. أحب اهتمامكِ، لكنني لا أريد أن أقيس قربكِ بعدد المرات التي سبقتِ فيها سؤالي. وأحب طريقتكِ في جمع التفاصيل، إلا أنني لا أريد لذاكرتكِ أن تتحول إلى امتحان يومي تثبتين به أنكِ جديرة بالبقاء. لو نسيتِ موعدًا، أو أخطأتِ في فهمي، أو احتجتِ إلى أن أكرر كلامي، فلن يتغير موضعكِ. الحب الذي يسقط عند أول تقصير لم يكن حبًا؛ كان عقد خدمة مكتوبًا بلغة عاطفية.

ربما مررتِ بأيام تعلّمتِ فيها أن تكوني مطلوبة كي تشعري أنكِ مرغوبة. وربما مدحكِ الناس أكثر حين كنتِ تحملين عنهم ما يستطيعون حمله بأنفسهم. مع الوقت يصبح العطاء عادة دفاعية؛ نعطي قبل أن يسألونا، لأننا نخاف أن يكتشفوا أننا، من دون ما نقدمه، عاديون وقابلون للاستبدال. لكنكِ لستِ مطالبة بأن تكسبي مكانكِ كل صباح. وأنا لا أريد النسخة التي تنهض مسرعة لتبرهن أنها تستحق الحب؛ أريد المرأة التي تستطيع أن تجلس مطمئنة إلى أن الكرسي لن يُسحب من تحتها إذا استراحت.

لهذا، حين تقولين لي: «لا أستطيع اليوم»، لن أسمعها «لا أريدك». وحين تطلبين وقتًا لنفسكِ، لن أحوله إلى اتهام لي. وحين يكون مزاجكِ ضيقًا، لن أفتش فيه عن دليل على أن مشاعركِ نقصت. سأحاول أن أتعلم لغتكِ كما هي، لا كما تخدمني؛ أن أعرف الفرق بين صمتكِ الذي يحتاج إلى قرب، وصمتكِ الذي يحتاج إلى مساحة، من دون أن أدّعي إصابة الاختيار دائمًا. وقد أخطئ، فأقترب حين تريدين الهدوء أو أبتعد حين تحتاجين يدًا، لكنني سأسمح لكِ بتصحيحي من غير أن أجعل صدقكِ مخاطرة.

أريد لعلاقتنا أن تكون المكان الذي تستطيعين فيه إسقاط الحقائب، لا المكان الذي ترتبين فيه حقيبة جديدة. تخيلي أن تأتي إليّ بعد يوم طويل فلا يكون عليكِ أن تحكيه بطريقة ممتعة، ولا أن تخفي الأجزاء التي تظنينها ثقيلة. يمكنكِ أن تبدئي من منتصف الحكاية، أن تتوقفي، أن تغيري رأيكِ، أن تقولي إنكِ لا تعرفين لماذا أنتِ منزعجة. ليس مطلوبًا أن تحولي شعوركِ إلى قضية منطقية كي أصدقه. بعض التعب لا يملك حجة، وبعض الحزن يصل بلا عنوان، وأنا لا أريد منكِ ملفًا كاملًا قبل أن أفتح له الباب.

تعرفين ما الذي أتمناه حقًا؟ أن أراكِ في يوم لا تنجزين فيه شيئًا، ثم لا تعتذرين. أن تجلسي قرب النافذة بثياب البيت، وشعركِ كما تركه النوم، وتتركي الوقت يمر من دون شعور بأن عليكِ تبرير وجودكِ فيه. أن تأكلي لأنكِ جائعة لا بعد أن ينتهي الجميع، وأن تنامي لأن جسدكِ طلب الرحمة لا لأن قائمة الأعمال سمحت بذلك. أريد أن يصبح ارتياحكِ خبرًا يفرحني، لا خدمة تؤجلينها حتى تفرغي من إسعاد الآخرين.

ولن أزعم أنني خارج هذا العالم الذي حمّلكِ تلك الفكرة. ربما اعتمدتُ أنا أيضًا على انتباهكِ أكثر مما ينبغي. ربما فرحتُ حين سبقتِ احتياجي ولم أسأل كم كلفكِ ذلك. الإنسان قد يحب بصدق، ثم يتكاسل داخل عناية من يحب، كمن يستمتع بدفء البيت وينسى أن أحدًا ظل يضيف الحطب. لذلك لا أكتب لكِ كي أمنح نفسي صورة الرجل المتفهم. أكتب لأنني أريد أن أراقب أفعالي، وأن أتوقف كلما وجدتني أحول طيبتكِ إلى مورد دائم.

سأسأل نفسي: هل أترك لكِ مساحة لتكوني الطرف الذي يُعتنى به؟ هل أسمع طلبكِ قبل أن يتحول إلى انهيار؟ هل أشكركِ من غير أن أجعل الامتنان وسيلة لطلب المزيد؟ وهل أشارككِ العبء أم أمدح قوتكِ وأنا أضع عبئي فوقها؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابات نهائية. ستحتاج مني يقظة تتكرر، واعتذارًا حين أقصر، وتغييرًا يمكن رؤيته لا كلامًا جميلًا يذوب بعد الرسالة.

أريدكِ أن تعرفي أيضًا أن احتياجكِ لا يقلل منكِ في عيني. حين تطلبين المساندة، لا أراكِ ضعيفة؛ أراكِ واثقة بما يكفي لتفتحي الباب. وحين تبكين، لا أشعر أن الصورة الجميلة اهتزت، لأنني لم أحب صورة معلقة على جدار. أحببت إنسانة حقيقية يتعبها الانتظار، وتربكها بعض الكلمات، وتخاف أحيانًا من أشياء تعرف أنها لن تحدث. ليس دوري أن أصحح كل شعور فيكِ أو أشرح لكِ لماذا لا ينبغي أن تحسيه. أحيانًا يكفي أن أجلس إلى جواركِ حتى يمر الشعور من دون أن يضطر إلى الدفاع عن نفسه.

ليس معنى هذا أن العطاء لن يكون بيننا. أنا أريد تفاصيلكِ كلها: رسائلكِ المفاجئة، أسئلتكِ، الأشياء الصغيرة التي تتذكرينها، والطريقة التي تضعين بها حنانكِ في أفعال لا ينتبه إليها سواي. لكنني أريدها هدايا، لا ضرائب إقامة. أريدكِ أن تعطيني لأن قلبكِ اتسع في تلك اللحظة، لا لأنكِ تخشين أن أغادر إن أغلقتِ يدكِ. وحين لا تعطين، أريدكِ أن تري أنني ما زلت هنا؛ لا أحصي ما فات، ولا أطرق الطاولة منتظرًا حصتي.

وأنا أيضًا أريد أن أجيئكِ بلا استعراض. لا أريد أن أجعل نفسي بطلًا في حياتكِ، ولا أن أقدم كل مساعدة كأنها دين سيعود إليّ طاعة أو إعجابًا. سأحاول أن أعطيكِ بالطريقة التي تحفظ حريتكِ: أعرض ولا أفرض، أسأل ولا أقرر عنكِ، وأتراجع حين تقولين إنكِ قادرة. أريد أن يكون اعتمادي عليكِ اختيارًا متبادلًا، لا فخًا ناعمًا يجعلكِ مسؤولة عن استقراري كله. أنا مسؤول عن نفسي أيضًا، وعن مزاجي، وعن إصلاح ما أفسده، وعن أن آتيكِ شريكًا لا مشروع إنقاذ.

قد تسألين: وما الذي يبقى إذن إذا نزعنا كل ما نفعله لبعضنا؟ يبقى ما لا أستطيع وضعه في قائمة. تبقى الطريقة التي يتغير بها انتباهي حين تدخلين المكان. تبقى راحتي وأنا أعرف أنكِ لستِ مطالبة بالكلام كي أشعر بقربكِ. يبقى فضولي تجاه ما تفكرين فيه، حتى حين يخالفني. تبقى رغبتي في معرفة المرأة التي تتغير كل عام، بدل أن أحبسها في نسخة أحببتها أول مرة. ويبقى اختياري لكِ حين لا يوجد مشهد كبير، ولا أزمة تجعل وجودنا ضروريًا، ولا جمهور يرى كم نحن جيدان معًا.

أفكر أحيانًا في الحب كخشبة مسرح. نرتدي أجمل ما لدينا، نحفظ الجمل المناسبة، ونحاول ألا ننسى دورنا أمام الضوء. لكنني لا أريد أن أحبكِ في أثناء العرض وحده. أريد ما بعد انطفاء المصابيح، حين يغادر الجمهور وتخلعين التعبير الذي حافظتِ عليه طويلًا. أريد أن أجلس إلى جانبكِ على حافة الخشبة، وقد انتهت كل الأدوار، فلا تكونين المنقذة ولا القوية ولا المرأة التي تعرف الجواب. تكونين أنتِ فقط، وأكون أنا رجلًا لا ينتظر منكِ أداءً كي يبقى.

إذا كان في داخلكِ جزء لا يصدق هذا الكلام سريعًا، فلا تلوميه. ربما سمع وعودًا جميلة من قبل، ثم وجد الشروط مكتوبة في التفاصيل. دعيه يراقبني. دعيه يختبر الأيام العادية، وساعات تعبكِ، والمرة التي تقولين فيها «لا»، والموقف الذي تختارين فيه نفسكِ قبلي. الثقة لا تُطلب من رسالة، بل تتكون من سلوك يتكرر حتى يهدأ الجسد. وأنا لا أستعجل هدوءكِ، ولا أعتبر حذركِ إهانة. سأحاول أن أكون واضحًا بما يكفي كي لا تضطري إلى قراءة الخطر بين كلماتي.

وإذا جاء يوم شعرتِ فيه أنكِ لا تملكين شيئًا تمنحينه، تعالي كما أنتِ. لا تبحثي في طريقكِ إليّ عن ابتسامة مناسبة، ولا تجمعي شتاتكِ قبل أن أصل. أحضري التعب، والارتباك، واليوم الذي لم ينجح، والصمت الذي لا تعرفين كيف تفسرينه. اجلسي بقربي واتركي يديكِ فارغتين. سأعرف أن فراغهما ليس نقصًا، بل ثقة؛ لأنكِ جئتِ من دون هدية، مؤمنة بأن حضوركِ وحده لن يُرد.

وسأتعلم أن ألاحظ راحتكِ كما لاحظتِ راحتي طويلًا. سأضع الماء قربكِ من غير أن أذكّركِ بما فعلت، وأغلق الستارة حين يؤلمكِ الضوء، وأحرس ساعة نومكِ من الضوضاء التي يمكن تأجيلها. لن تكون هذه الأعمال بطولة، بل نصيبي الطبيعي من الحياة التي نصنعها. وإذا عجزتُ يومًا، سأقول ذلك بوضوح بدل أن أترككِ تخمنين، لأن الصراحة أيضًا نوع من العناية. هكذا أريد أيامنا: لا أحد يحمل البيت وحده، ولا أحد يظل قويًا حتى ينهار، ولا محبة تُقاس بمن تعب أكثر. نتبادل الحمل حين نستطيع، ونضعه معًا حين يثقل علينا، ثم نجلس بلا خجل حتى نستعيد أنفاسنا.

أنا أحب ما تفعلينه، لكنني أحبكِ قبل الفعل وبعده. أحبكِ حين تمنحين، وحين تحتاجين، وحين لا تستطيعين إلا أن تحمي ما بقي منكِ. ولا أريد منكِ مقابلًا لهذه الجملة، ولا جوابًا يساويها جمالًا. أريد فقط أن تعيشيها معي يومًا بعد يوم، حتى يصبح بقاؤكِ مطمئنًا لا مهمة، وحتى تعرفي، من دون أن ترفعي يدًا واحدة، أن مكانكِ ما زال هنا.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً