الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

حين تشكّين بنفسكِ

قد يأتيكِ يوم تقفين فيه أمام المرآة، فلا ترين نفسكِ كما أراكِ. تمرّ عيناكِ سريعًا على كل ما تحبين تغييره، وتتوقفان طويلًا عند أثر تعب، أو تفصيل صغير، أو ملامح لم تعد تستقبلينها بالرضا نفسه. ترتبين شعركِ أكثر من مرة، تبدّلين ثيابكِ، ثم تجلسين وقد فقدتِ رغبتكِ في الخروج، كأن اليوم يحتاج إلى نسخة أفضل منكِ حتى يسمح لكِ بأن تعيشيه.

في ذلك اليوم، لن أطلب منكِ أن تصدقي مديحي فورًا.
أعرف أن كلمة «جميلة» قد تصطدم أحيانًا بصوت داخلي أمضى ساعات يخبركِ بالعكس. أعرف أنني قد أنظر إليكِ بإعجاب صادق، ومع ذلك لا تصل نظرتي إلى المكان الذي انطفأ فيكِ. فالمشكلة في بعض الأيام لا تكون في غياب من يراكِ جميلة، بل في عجزكِ المؤقت عن رؤية نفسكِ من دون محاكمة.
سأقول إنكِ جميلة، نعم، لكنني لن أجعل الكلمة كل ما أملكه لكِ.
سأجلس قربكِ، وأسألكِ عمّا حدث قبل أن تقفي أمام المرآة. ربما لم يكن الأمر متعلقًا بوجهكِ أصلًا. قد تكون مقارنة عابرة سرقت رضاكِ، أو تعليقًا قيل على سبيل المزاح وبقي فيكِ، أو صورة شاهدتِها طويلًا حتى نسيتِ أن الصور تستطيع إخفاء أكثر مما تُظهر. وربما كنتِ مرهقة فحسب، وحين تتعب الروح تبدأ العين في البحث عن عيب تلقي عليه ثقلها.
أريد أن أعرف السبب، لا أن أغطيه بالمجاملة.
وإذا لم تعرفي، فلا بأس. ليست كل مشاعرنا مرتبة بما يكفي كي نجد لها تفسيرًا عند أول سؤال. أحيانًا نستيقظ ونشعر أننا أقل من المعتاد، من دون حادث واضح أو كلمة نستطيع اتهامها. سأمنحكِ حق هذا الارتباك، من دون أن أحوّله إلى قضية يجب حلها قبل نهاية المساء.
لكنني لن أوافق الصوت القاسي في رأسكِ.
حين تقولين إنكِ فاشلة لأن محاولة لم تنجح، سأذكّركِ بأن الفشل حدث، لا هوية. وحين تصفين نفسكِ بالضعف لأنكِ بكيتِ، سأقول إن الدموع لم تمحُ كل المرات التي وقفتِ فيها. وإذا حكمتِ على حياتكِ من خلال أسبوع سيئ، سأعيد أمامكِ السنوات التي عبرتِها، والقرارات التي اتخذتِها، والأيام التي أكملتِها رغم أن أحدًا لم يعرف مقدار ما تطلّبه ذلك منكِ.
لن أجامل ألمكِ، لكنني سأضعه في حجمه الحقيقي.
فاللحظة القاسية ماهرة في التظاهر بأنها الحقيقة الكاملة. تُقنع الإنسان بأن كل ما كان جميلًا مجرد استثناء، وأن العجز الحالي هو صورته الأصلية. وحين تكونين داخل تلك اللحظة، قد تحتاجين إلى شخص يقف خارجها ويرى الحدود التي لا ترينها.
سأكون ذلك الشخص حين تسمحين لي.
ومع ذلك، لا أريد أن تصبح ثقتكِ بنفسكِ معلقة بصوتي. لا أريدكِ أن تنتظري مديحي كي ترتاحي، أو أن تقيسي قيمتكِ بمقدار الإعجاب الذي أظهره لكِ. محبتي تستطيع أن تسندكِ، لكنها لا يجب أن تحل محل علاقتكِ بنفسكِ. فإذا بنيتُ لكِ مرآة لا تعكس إلا ما أراه أنا، فقد منحتكِ صورة جميلة وسلبتكِ حق النظر بعينيكِ.
أريدكِ أن تعرفي قيمتكِ حتى حين أكون مشغولًا، أو بعيدًا، أو عاجزًا عن اختيار العبارة الصحيحة.
وأريد لنظرتي إليكِ أن تكون نافذة إضافية، لا البيت الوحيد الذي تسكن فيه ثقتكِ.
قد تشكّين في ذكائكِ داخل غرفة يتحدث فيها الجميع بثقة. ربما تملكين الفكرة، لكنكِ تترددين قبل قولها، ثم ينطق بها شخص آخر فيحصل على الاهتمام الذي كان يمكن أن يصل إليكِ. ستعودين إلى البيت غاضبة من صمتكِ، وتعيدين الحوار في رأسكِ بصياغة أفضل ونبرة أكثر ثباتًا.
لن أقول لكِ إن الأمر بسيط.
أعرف أن الصوت حين يُحبس مرات كثيرة يبدأ صاحبه بالشك في حقه بالكلام. لكنني سأذكّركِ أن التردد لا يعني غياب الفكرة، وأن الثقة مهارة يمكن بناؤها، لا صفة وُزعت على الناس عند الولادة وحُرمتِ منها. سنعيد معًا ما أردتِ قوله، لا كي تعيشي داخل الموقف الماضي، بل كي يجد صوتكِ طريقه في المرة المقبلة.
وحين تتكلمين، لن أقاطعكِ لأشرح فكرتكِ عنكِ.
لن أختصر حديثكِ، أو أعيد صياغته أمام الآخرين كأن المعنى لا يكتمل إلا بصوت رجل. سأترك لكِ مساحتكِ، وأنظر إليكِ بالطريقة التي تقول إن كلامكِ يستحق أن يُسمع، من دون أن أحوّل حضوري إلى وصاية.
وقد تشكّين في استحقاقكِ للحب نفسه.
ربما تمرّ بيننا فترة صعبة، فتنظرين إلى أخطائكِ وتقولين إنني سأملّ منكِ يومًا. قد تختبرين اهتمامي بأسئلة متكررة، أو تنسحبين قبل أن أبتعد، أو تفسرين هدوئي على أنه بداية نهاية لم أقلها. أعرف أن الخوف من الفقد لا يظهر دائمًا في صورة خوف؛ أحيانًا يأتي غضبًا، أو شكًا، أو برودًا يسبق الخذلان كي يبدو أقل مفاجأة.
سأطمئنكِ، لكنني لن أطعم الخوف وعودًا مستحيلة.
لن أقول إنني لن أنزعج منكِ أبدًا، أو إن علاقتنا لن تمر بلحظة تهتز فيها. سأقول ما أستطيع الوفاء به: لن أجعلكِ تخمنين موقفي عمدًا، ولن أستخدم الانسحاب لإخافتكِ، وسأتحدث قبل أن يتحول الصمت إلى رواية تكتبها مخاوفكِ وحدها.
وفي المقابل، أريدكِ أن تصدقي أن محبتكِ لا تحتاج إلى امتحان يومي.
لا تفتعلي مسافة كي تتأكدي أنني سألحق بكِ، ولا تجرحي نفسكِ قبل أن تتخيلي أنني قد أفعل. اسأليني مباشرة: «هل نحن بخير؟» وسأجيبكِ بصدق، حتى إذا كان بيننا ما يحتاج إلى إصلاح. الوضوح قد لا يمنحنا دائمًا الإجابة التي نتمناها، لكنه يحمينا من عذاب الإجابات التي نخترعها.
وحين تخطئين، لن أستخدم خطأكِ لإثبات أسوأ ما تظنينه عن نفسكِ.
إذا نسيتِ شيئًا، فأنتِ لستِ مهملة في كل شيء. وإذا غضبتِ بطريقة لم تعجبكِ، فأنتِ لستِ مؤذية بطبيعتكِ. وإذا اخترتِ شخصًا أو طريقًا ثم اكتشفتِ أنكِ أخطأتِ، فهذا لا يعني أن حكمكِ فاسد إلى الأبد. الإنسان أكبر من أسوأ لحظة مرّت به، والنضج ليس سجلًا بلا أخطاء، بل قدرة متنامية على رؤيتها وتحمل مسؤوليتها.
سأحاسب الفعل حين يستحق، لكنني لن أهدمكِ وأنا أناقشه.
أريد أن تستطيعين الاعتذار من دون أن تسحقي نفسكِ، وأن تصلحي ما حدث من دون أن تعاقبي قلبكِ لأسابيع. الشعور بالذنب يفيدنا حين يقود إلى تصحيح، لكنه يصبح قاسيًا حين يتحول إلى غرفة نحبس أنفسنا فيها بعد أن ينتهي الدرس.
اخرجي من الغرفة حين تتعلمين ما كان عليكِ تعلمه.
لستِ مطالبة بالبقاء نسخةً من خطئكِ حتى يرضى عنكِ الماضي.
وقد يأتيكِ الشك على هيئة مقارنة. تنظرين إلى امرأة أخرى فتبدو لكِ أكثر نجاحًا، أو جمالًا، أو حضورًا، أو قدرة على إدارة حياتها. ترين نتيجتها ولا ترين ثمنها، ثم تضعين أكثر أيامكِ ارتباكًا بجانب أجمل لحظاتها المعروضة، وتحكمين على نفسكِ بالخسارة.
لن أطلب منكِ أن تنتقصي منها كي تشعري أنكِ أفضل.
جمال امرأة لا يسرق جمالكِ، ونجاحها لا يثبت تأخركِ. لا نحتاج إلى تحطيم إنسانة أخرى كي نعيد إليكِ مكانكِ. سأحاول بدل ذلك أن أعيدكِ إلى مساركِ أنتِ: أين كنتِ؟ ماذا تعلمتِ؟ وما الخطوة التي تستطيعين اتخاذها الآن؟ فالمقارنة تنظر جانبًا، بينما الحياة الحقيقية تطلب منكِ أن تنظري أمامكِ.
وأعرف أن بعض الأيام لن تستجيبي لكل هذا الكلام.
قد تسمعينني وتبقين حزينة. قد أذكّركِ بما أحب فيكِ فتبتسمين من أجلي فقط، بينما يظل داخلكِ مثقلًا. لن أغضب لأنني لم أستطع إصلاح شعوركِ بسرعة، ولن أجعل عدم تحسنكِ دليلًا على أنكِ لا تقدّرين اهتمامي.
أنا لا أساندكِ كي أحصل على نتيجة فورية.
سأبقى قريبًا، وأدع اليوم يمر من دون مطالبتكِ بالعودة السريعة إلى النسخة المرحة التي أعرفها. قد تحتاج الثقة إلى نوم جيد، أو حديث أطول، أو مسافة من الشيء الذي أرهقكِ، أو مساعدة متخصصة إذا أصبح الصوت القاسي أقوى من قدرتكِ على مواجهته. وفي طلب المساعدة لا توجد هزيمة؛ أحيانًا تكون أشجع طريقة لاستعادة النفس.
سأشجعكِ على العناية بنفسكِ من غير أن أحولها إلى مشروع أتولى إدارته.
لن أراقب خطواتكِ كأنني أعرفكِ أكثر منكِ، ولن أشخص كل حزن، أو أفسر كل صمت. سأعرض يدي، وأترك لكِ حق الإمساك بها. وسأتعلم متى تحتاجين إلى كلمة، ومتى تحتاجين إلى سؤال، ومتى يكون أفضل ما أفعله أن أجلس قربكِ من دون أن أملأ المكان بالنصائح.
وفي الأيام الجيدة، سأذكّركِ أيضًا بما فعلتِ.
لا أريد أن يظهر تقديري لكِ فقط عندما تنهارين. سأخبركِ حين ألاحظ قرارًا حكيمًا، أو موقفًا شجاعًا، أو طريقة لطيفة عاملتِ بها شخصًا لا يستطيع رد الجميل. سأسمّي الأشياء وهي تحدث، حتى لا يبدو كلامي محاولة إسعاف مؤقت كلما شككتِ بنفسكِ.
لكنني لن أبالغ في تحويلكِ إلى صورة كاملة.
أنتِ لا تحتاجين إلى قداسة كي تستحقي الحب. فيكِ طباع جميلة، وأخرى ستتعبنا أحيانًا. لديكِ قوة حقيقية، ومخاوف حقيقية أيضًا. قد تكونين واثقة في مكان ومرتبكة في آخر، كريمة في أمر وحذرة أكثر مما ينبغي في أمر مختلف. هذا التناقض لا ينقصكِ؛ إنه يجعلكِ إنسانة، وأنا أريد أن أحب إنسانة حقيقية، لا تمثالًا صنعه الإعجاب ثم خاف من أول شقّ فيه.
حين تشكّين بنفسكِ، سأعيركِ بعضًا من ثقتي بكِ.
خذيها مؤقتًا، استندي إليها، ودعيها تحملكِ عبر اليوم الصعب. لكن حين تستعيدين صوتكِ، أعيديها إليّ واحتفظي بثقتكِ أنتِ؛ فهي التي سترافقكِ في الأماكن التي لا أستطيع دخولها، وفي القرارات التي لا يمكن لأحد اتخاذها نيابةً عنكِ.
أريد أن يأتي يوم تنظرين فيه إلى المرآة، فلا تسألين إن كنتِ مثالية.
يكفي أن تتعرفي إلى المرأة التي أمامكِ، وأن تعرفي مقدار ما عبرته، وأن ترفقي بما لم يلتئم فيها بعد. يكفي أن ترتبي شعركِ لأنكِ تحبين ذلك، لا لأنكِ تحاولين إخفاء سبب وهمي يجعلكِ أقل. وأن تختاري ثيابكِ لتعيشي يومكِ، لا لتجتازي امتحانًا لم يطلبه منكِ أحد.
وإذا عجزتِ في بعض الصباحات عن رؤية كل هذا، التفتِي إليّ.
لن أقول لكِ إنكِ مخطئة في شعوركِ، ولن أطلب منكِ ابتسامة تثبت أن كلماتي نجحت. سأذكّركِ فقط بأن العين المتعبة لا تعطي دائمًا حكمًا عادلًا، وأن اليوم الثقيل لا يملك حق تعريف حياتكِ كلها.
ثم سأقف إلى جواركِ أمام المرآة، لا بينكِ وبينها.
لأنني لا أريد أن تستبدلي صورتكِ بصورتي عنكِ.
أريد فقط أن أبقى قريبًا إلى أن يهدأ الضباب، وتتمكني مرة أخرى من رؤية المرأة التي عرف قلبي قيمتها، والتي أتمنى أن تعرف هي أيضًا—من داخلها، وبصوتها، ومن دون أن تنتظر شهادة أحد—أنها كانت جديرة بالحب حتى في الأيام التي لم تستطع فيها تصديق ذلك.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً