لم أكن أعرف أن العتمة تستطيع أن تكشف شيئًا، حتى انطفأت الكهرباء في تلك الليلة وبقي البيت فجأة بلا أصواته المعتادة. توقفت الثلاجة عن الطنين، وسكت جهاز التدفئة، واختفت الأرقام المضيئة من الفرن. صار المكان الذي نعرفه كل يوم غريبًا لثوانٍ، كأن الجدران تراجعت خطوة وتركتنا وحدنا أمام صمت لم نخطط له. بحثتُ عن هاتفي لأضيء الطريق، بينما كنتِ أنتِ تضحكين لأنني اصطدمت بحافة الكرسي الذي أعرف موقعه جيدًا.
قلتِ لي: لا تتحرك، سأجد المصباح. وسمعتُ خطواتكِ تتنقل بين الغرف بهدوء، ثم صوت درج يُفتح وآخر يُغلق. بعد قليل عدتِ تحملين مصباحًا صغيرًا يعمل بالبطارية، وكان ضوؤه أضعف من أن يهزم العتمة كلها، لكنه كان كافيًا ليصنع دائرة دافئة حولنا. وضعتِه على أرض المطبخ، وجلستِ بجواره كما لو أنكِ اخترتِ للعالم مركزًا جديدًا، ثم أشرتِ إليّ أن أجلس.
كان بوسعنا أن نقضي الوقت متذمرين من الانقطاع، أو نراقب شاشة الهاتف منتظرين رسالة من شركة الكهرباء، لكنكِ فتحتِ الخزانة وأخرجتِ برتقالتين. قلتِ إن الفاكهة لا تحتاج إلى كهرباء، وكأنكِ أعلنتِ انتصارًا بسيطًا على الليل. جلستُ قبالتكِ فوق البلاط البارد، وبدأنا نقشر البرتقال على ضوء المصباح. امتلأ المطبخ برائحته، واضحة وحادة، حتى خُيّل إليّ أن الضوء نفسه صار برتقاليًا.
لا أعرف لماذا بقيت تلك الساعة في ذاكرتي أكثر من أيام كاملة كانت فيها الأشياء على ما يرام. ربما لأننا، حين خسرنا وسائل التشتيت كلها، رأيتكِ كما لو أنني أراكِ للمرة الأولى من دون ضوضاء تحيط بكِ. لم يكن وجهكِ مضاءً بالكامل؛ نصفه قريب من المصباح، ونصفه يذوب في الظل. ومع ذلك بدوتِ لي أوضح من أي وقت مضى. كنتِ حاضرة حقًا، لا تنتظرين أن تعود الحياة إلى وضعها الطبيعي كي تبدئي عيشها.
هذه واحدة من أجمل خصالكِ: لا تنكرين ما ينقص، لكنكِ لا تسمحين له أن يبتلع ما بقي. حين يفسد جزء من اليوم، لا تحكمين على اليوم كله بالفشل. تبحثين عن الشيء الصغير الذي ما زال ممكنًا؛ كوب يمكن إعداده، نافذة يمكن فتحها، أو برتقالة يمكن تقسيمها في مطبخ معتم. لم تعلميني التفاؤل بالشعارات، بل بهذه الحركات المتواضعة التي تقول إن الحياة لا تتوقف كلما خالفت خطتنا.
أنا الذي اعتدتُ أن أؤجل راحتي حتى تنتهي المشكلات، بدأت أفهم قربكِ أن المشكلات لا تنتهي بالترتيب الذي نريده. كلما أغلقتُ بابًا ظهر آخر يحتاج إلى إصلاح، وكلما بلغتُ موعدًا انفتح أمامي موعد جديد. لو ظللتُ أنتظر اللحظة الخالية من القلق كي أكون معكِ بطمأنينة، فقد أهدر سنواتنا وأنا أتهيأ للعيش بدل أن أعيشه. أنتِ لا تجعلين الطريق بلا تعب؛ تجعلينني أنتبه إلى أن التعب ليس الطريق كله.
تلك الليلة لم تحاولي إصلاح الكهرباء، ولم تقدمي لي درسًا في الرضا. فعلتِ ما هو أصدق: اعترفتِ بأن البيت مظلم، ثم جلستِ معي في عتمته من غير خوف. وهذا ما أريده من الحب بيننا. لا أريد وعدًا بأنكِ ستمنعين كل خسارة، ولا أستطيع أن أعدكِ بأنني سأبعد عنكِ كل ألم. أريد أن نكون قادرين على قول الحقيقة حين يسوء شيء، ثم نبحث معًا عمّا يمكن إنقاذه من الليلة.
إذا جاءكِ يوم لا يشبهكِ، لا أريدكِ أن تتجملي أمامي. قولي إنكِ متعبة، وإن ضوءكِ منخفض، وإنكِ لا تملكين الكلمات التي اعتدتُ سماعها منكِ. لن أطلب منكِ أن تشرقي كي أعرف أنكِ موجودة. يكفيني أن تجلسي قربي كما أنتِ. سأحمل المصباح هذه المرة، وأضعه في المكان الذي يريح عينيكِ، وأتذكر أن الإنسان لا يفقد قيمته حين تعجز روحه عن إضاءة الغرفة.
لن أحوّل حزنكِ إلى مسألة يجب حلها سريعًا، لأنني أعرف أن بعض الأوجاع لا تحتاج إلى نصيحة بل إلى وقت آمن. سأقاوم رغبتي في إصلاح كل شيء بجملة، وسأصغي لما تقولينه ولما تتوقفين قبل قوله. وإن أردتِ الصمت، فلن أفسره ابتعادًا. سأتعلم أن أبقى من دون أن أملأ كل فراغ بصوتي، وأن أمنحكِ صحبة لا تطالبكِ بأن تؤدي دور المرأة القوية من أجل راحتي.
وأرجو منكِ الشيء نفسه حين تنطفئ في داخلي أشياء لا أعرف أسماءها. قد أصير قليل الكلام، أو أنشغل بتفصيل تافه لأنني أخشى مواجهة ما هو أكبر. لا تتركي ارتباكي يقنعكِ بأنني لا أحتاج إليكِ. اقتربي بالطريقة الهادئة التي تعرفينها، واسأليني مرة واحدة بصدق، ثم اتركي السؤال مفتوحًا. أنا أعود إليكِ حين أشعر أن الطريق لا يحتوي محكمة، وأن اعترافي بالتعب لن ينقص صورتي في عينيكِ.
في منتصف جلستنا، رفعتِ المصباح قرب وجهكِ وصنعتِ بيدكِ ظل طائر على الحائط. كان جناحاه غير متساويين، وضحكنا لأن الطائر بدا كأنه يحاول الطيران بساقين. حاولتُ أن أقلدكِ فصنعتُ مخلوقًا لا يشبه شيئًا معروفًا، وادعيتُ أنه نوع نادر لا يظهر إلا عند انقطاع الكهرباء. صرتِ تضحكين حتى دمعت عيناكِ، وفي تلك اللحظة نسيتُ أنني كنتُ منزعجًا قبل دقائق.
أحب أننا نستطيع أن نكون جادين من دون أن نصير ثقيلين طوال الوقت. أحب أن الضحك بيننا ليس هروبًا من الحقيقة، بل استراحة تمنحنا القدرة على الرجوع إليها بقلب أقل انقباضًا. الحياة ستضع أمامنا ما يكفي من الأمور الجادة؛ فواتير وقرارات وخوفًا على من نحب وأيامًا لا تنجح فيها المحاولات. لذلك أريد أن نحمي قدرتنا على اللعب، وعلى اختراع طائر مضحك فوق جدار، وعلى ألا نخجل من فرح صغير جاء في توقيت غير مثالي.
لا أريد أن نحتفظ بالحنان للمناسبات وحدها. المناسبات قليلة، أما الأيام العادية فهي عمرنا الحقيقي. أريد حنانًا يظهر عندما ينسى أحدنا شراء ما طلبه الآخر، وعندما يكون الطعام أبرد مما ينبغي، وعندما نعيد الحديث نفسه لأننا لم نفهمه من المرة الأولى. أريد محبة لا تحتاج إلى موسيقى كي تعرف إيقاعها، ولا إلى صورة كي تثبت أنها حدثت. محبة تسكن التفاصيل التي لا يصفق لها أحد.
ربما نختلف يومًا ونحن متعبان، فنقول كلمات أقسى من نياتنا. عندها أتمنى أن نتذكر ذلك المصباح الصغير: لم يكن قويًا، لكنه منعنا من أن نصطدم ببعضنا. في الخلاف أيضًا نحتاج إلى ضوء محدود لكنه صادق؛ سؤال يوضح بدل أن يتهم، وهدوء قصير قبل الرد، واعتذار لا يتخفى خلف كلمة «لكن». لن نرى كل شيء في اللحظة نفسها، غير أن قليلًا من الاحترام يكفي كي لا نؤذي ما سنحتاج إليه بعد انقضاء الغضب.
سأحاول ألا أستخدم معرفتي بكِ ضدكِ. ما تبوحين به في لحظات ضعفكِ ليس ذخيرة لمعارك مقبلة، وما أعرفه عن خوفكِ أمانة لا مدخلًا للضغط عليكِ. أريد أن تشعري أن أسراركِ لا تنطفئ كرامتها إذا اختلفنا. وأن البيت الذي نبنيه بالكلام الصادق لا يتحول فجأة إلى مكان خطر لمجرد أن أحدنا غاضب. الحب عندي ليس أن نعرف نقاط بعضنا الحساسة؛ بل أن نعرفها ثم نختار حمايتها.
وأعدكِ ألا أجعل من وجودكِ مصدر الكهرباء الوحيد في حياتي. لا أريد أن أحمّلكِ مسؤولية مزاجي كله، أو أطالبكِ بأن تنقذيني كلما خفت ضوئي. سأعتني بنفسي، وأحافظ على أصدقائي وأحلامي ومساحتي، لكي آتيكِ شريكًا لا عبئًا يتنكر في هيئة حب. احتياجي إليكِ جميل حين يكون اختيارًا واعيًا، لا حين يصبح قيدًا يجعلكِ تخافين من الابتعاد خطوة كي تتنفسي.
وفي المقابل، لن أطلب منكِ أن تذيبي عالمكِ في عالمي. احتفظي بأشيائكِ التي تخصكِ: بأغنياتكِ التي لا أفهمها كلها، بصديقاتكِ، بعزلتكِ حين تحتاجين إليها، وبالأحلام التي بدأت قبل أن تعرفيني. سأفرح لأن لكِ حياة تأتي بي إليها بمحبتكِ، لا لأنكِ أغلقتِ أبوابها كي تثبتي إخلاصكِ. القرب الحقيقي لا يلغي المسافة؛ يجعلها آمنة، فلا يخشى أحدنا أن يعود فيجد مكانه قد اختفى.
حين عادت الكهرباء، حدث الأمر بلا تمهيد. أضاءت المصابيح دفعة واحدة، وعاد صوت الثلاجة، وصفّر جهاز في الغرفة الأخرى معلنًا أنه استيقظ. رمشنا تحت الضوء القوي، ثم نظرتِ إلى المطبخ من حولنا: قشور البرتقال على طبق، والمصباح بيننا، وظلالنا التي اختفت عن الحائط. قلتِ بأسف طفولي إن الطائر رحل، فضحكتُ وقلت إننا نستطيع إطفاء الضوء وإعادته.
لكننا لم نطفئه. نهضنا، وجمعنا القشور، وعدنا إلى الأشياء التي كنا نفعلها قبل الانقطاع. ومع ذلك، لم تعد الليلة إلى ما كانت عليه تمامًا. بقي داخلي شيء مضاء بطريقة أخرى. فهمتُ أنني لا أحبكِ لأنكِ تجعلين كل الظروف مناسبة، بل لأنكِ تعرفين كيف تعثرين على معنى لا تهزمه الظروف. أنتِ لا تزيّفين الضوء؛ تكتشفين أصغر ما تبقى منه وتقرّبيننا إليه.
منذها صرتُ أفكر في السنوات القادمة، لا بوصفها ممرًا مضاءً دائمًا، بل بيتًا ستتعاقب عليه الفصول والانقطاعات والعودات. قد نخطئ، ونضيع وقتًا، وتخيب خطة ظنناها محكمة. قد تجلسين أنتِ يومًا في الظل، وقد أكون أنا العاجز عن العثور على البطاريات. لكنني أريدنا أن نحتفظ بالمكان الذي جلسنا فيه معًا: تلك الدائرة الصغيرة التي لا تحتاج إلى كمال العالم كي تتسع لقلبين.
وإذا سألني أحد كيف أعرف أنني أحبكِ، فلن أبحث عن مشهد كبير. سأقول إنني رأيتكِ في مطبخ بلا كهرباء، تقشرين برتقالة وتضحكين من طائر أعوج على الحائط، وشعرتُ أنني لا أحتاج إلى الهرب من اللحظة ولا إلى استعجال نهايتها. معكِ، حتى الانتظار يصبح جزءًا من الحياة لا غرفة مؤقتة خارجها. ومعكِ، لا تكون العتمة فراغًا؛ تصير نافذة لا تظهر إلا حين تنطفئ الأشياء التي كانت تحجب عنا بعضنا.
لهذا أحبكِ: لأنكِ لا تعديني بنهار لا ينتهي، بل تعلمينني كيف نحفظ دفئنا حين يأتي الليل. ولأنكِ، من دون أن تقصدي، جعلتِني أرى أن الطمأنينة ليست وفرة الضوء، وإنما اليد التي أعرف مكانها إذا انطفأ. فإذا مرّت بنا عتمة أخرى، تعالي واجلسي قربي. سنقول الحقيقة أولًا، ثم نبحث عن المصباح، ونقسم ما بقي بيننا، ونصنع على الجدار شيئًا لا يتقن الطيران، لكنه يمنح قلبينا سببًا كافيًا للابتسام حتى يعود الضوء.
عتمة صنعت نافذة
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً