في المرة الأولى التي علمتِني فيها وصفة بيتكم القديمة، لم تفتحي كتابًا ولم تبحثي عن مقادير محفوظة في هاتفكِ. وضعتِ الدقيق في وعاء واسع، صنعتِ في وسطه حفرة صغيرة، ثم قلتِ إن يدكِ ستعرف متى يكفي الماء. سألتكِ كيف يمكن لليد أن تعرف شيئًا لا تقيسه، فابتسمتِ ورفعتِ أصابعكِ المكسوة بالعجين قائلة إنكِ شاهدتِ الحركة نفسها مئات المرات في مطبخ جدتكِ. لم تكوني تحفظين أرقامًا؛ كنتِ تستعيدين إيقاعًا. راقبتُ معصمكِ وهو يدور، وكفكِ وهي تجمع الأطراف المتناثرة نحو القلب، وفهمتُ أن بعض المعارف لا تسكن الرأس وحده. بعضها يختبئ في الجسد، وينتظر رائحة مألوفة كي يعود.
كان المطبخ في ذلك العصر مزدحمًا بأشياء لا تتفق في الشكل: وعاء نحاسي قديم، صحن أبيض مشقوق عند الحافة، ملاعق حديثة، وعلب بهارات فقدت ملصقاتها. دخل ضوء ذهبي من الباب المطل على الفناء، واستقر الغبار في مساره مثل ذرات دقيقة من زمن آخر. طلبتِ مني أن أطحن الهيل، فبالغتُ حتى صار ناعمًا كالدقيق، ثم سكبتُ بعضه على الطاولة. لم تعاتبي ارتباكي، بل جمعتِ ما يمكن جمعه بطرف راحة يدكِ وقلتِ إن جدتكِ كانت ترى أن الرائحة التي تضيع في المطبخ تصل إلى البيت كله. منذ ذلك اليوم صرتُ أصدق أن البيوت تتذكر بطريقتها، وأن رائحتكِ وأنتِ تعجنين كانت توقظ في الجدران أسماء لا أسمعها.
أحببتُ أنكِ لم تقدمي الوصفة بوصفها مهارة تتباهين بها، ولا واجبًا ورثتِه لأنكِ امرأة. قلتِ لي بوضوح إنكِ كنتِ تهربين من المطبخ في طفولتكِ، وإنكِ لم تتعلمي إلا حين غابت جدتكِ وصار الخوف من نسيان مذاقها أكبر من ضيقكِ بالوقوف الطويل. لم تجمّلي الحكاية. اعترفتِ بأن الذاكرة جاءت متأخرة، وأن محاولتكِ الأولى كانت قاسية، والثانية احترق قاعها، والثالثة فقط حملت رائحة قريبة مما تبحثين عنه. أحب فيكِ هذه الأمانة؛ لا تصنعين من الماضي لوحة كاملة، بل تتركين فيه النقص والندم والتعب، ثم تختارين مع ذلك أن تحفظي ما يستحق البقاء.
حين مددتِ لي قطعة من العجين لأحاول، صنعتُ شكلًا لا يشبه ما صنعتِه. كانت حوافه سميكة ووسطه رقيقًا، وضحكتِ لأن الحشوة ستجد طريقها إلى الخارج. توقعتُ أن تأخذيها من يدي وتصلحيها، لكنكِ طلبتِ مني أن أبدأ من جديد. وقفتِ إلى جانبي وشرحتِ الحركة مرة أخرى، من غير أن تمسكي أصابعي أو تستعجلي النتيجة. في تلك اللحظة رأيتُ صورة مصغرة للطريقة التي أحب أن نكون بها معًا: لا تنقذينني من كل خطأ، ولا تجعلين جهلي عيبًا، بل تمنحينني فرصة أن أتعلم حتى تصبح لي يد تشارككِ العمل، لا يد تنتظر منكِ أن تنجزيه عنها.
لا أريد أن أحب يديكِ لأنهما تقدمان لي الطعام. سيكون ذلك ظلمًا لهما ولكِ. يداكِ أكبر من الخدمة التي اعتاد الناس أن يشكروا النساء عليها قليلًا ويتوقعوها كثيرًا. أحب فيهما قدرتهما على الاختيار: تكتبان، وترسمان، وتغلقان الباب حين تحتاجين إلى الراحة، وتشيران إلى ما ترفضينه بوضوح، ثم تعودان إلى العجين حين تريدين أنتِ، لا حين يُفرض عليكِ. وإذا جاء يوم لم ترغبي فيه بصنع شيء، فلن يقل دفء البيت ولا مكانكِ في قلبي. الوصفة التي شاركتِني إياها هدية، والهدية تفقد معناها إذا تحولت إلى وظيفة لا يحق لصاحبتها أن تتوقف عنها.
لهذا أسعدني أنكِ تركتِ لي نصف العمل. قطعتُ التمر، وغسلتُ الأوعية، وكنتُ مسؤولًا عن مراقبة الفرن، مع أنني فتحتُ بابه أكثر مما ينبغي. قلتِ إن الحرارة تهرب كلما استعجلتُ الاطمئنان، فضحكنا لأن العبارة تشبهني في أشياء أخرى. أنا أيضًا أفتح الأبواب الداخلية كثيرًا لأتأكد أن ما أحب ما يزال موجودًا، وقد أتعب الأشياء بخوفي عليها. لم تعلقي على التشبيه، لكنكِ نظرتِ إليّ النظرة التي تعني أنكِ فهمتِ. أغلقتُ باب الفرن وانتظرتُ إلى جانبكِ، وتعلمتُ أن الرعاية ليست فحصًا مستمرًّا؛ أحيانًا تكون ثقة هادئة بالوقت وبما صنعناه معًا.
عندما بدأت الرائحة تنتشر، تغير وجهكِ. سكتِّ في منتصف جملة، ثم جلستِ قرب الطاولة كأن شخصًا ناداكِ من مكان بعيد. لم أسألكِ فورًا. عرفتُ أن الرائحة أعادت إليكِ مطبخًا آخر، ربما صباح عيد، أو كفًّا كانت تضع القطعة الساخنة في يدكِ رغم اعتراض أمكِ، أو صوت صحون يُرتبها من لم يعد هنا. جلستُ قبالتكِ وتركتُ الهدوء يمر. وبعد دقائق قلتِ إنكِ تذكرتِ جدتكِ وهي تنفخ على أصابعكِ بعدما لمستِ الصينية. لم أحاول أن أجعل الذكرى سعيدة فقط. بقيتُ معكِ في حنانها ووجعها معًا، لأن الحب لا ينتقي من الماضي ما يريحنا وحده.
أعرف أن بعض الأشياء التي تحملينها لا يمكنني الدخول إليها كاملًا. لم أعرف تلك المرأة، ولم أجلس في مطبخها، ولن يكون مذاق القطعة عندي هو نفسه عندكِ. لكنني أستطيع أن أصغي حين تفتحين النافذة على ذلك العالم، وألا أدعي أنني فهمتُ كل شيء لمجرد أنكِ رويتِ لي قصة. يمكنني أن أسألكِ عن لون مئزرها، وعن الأغنية التي كانت ترددها، ثم أحفظ الإجابة من دون أن أستولي على الذكرى. قربكِ علمني أن المشاركة لا تعني ذوبان الحدود؛ تعني أن تثقي بي إلى الحد الذي تسمحين فيه لشيء عزيز أن يجلس بيننا، وأن أعرف أنا كيف ألمسه باحترام.
خرجت الصينية الأولى غير متساوية. بعض القطع احمرّ أكثر، وواحدة انفتحت تمامًا، وأخرى بقي نقشها واضحًا كأنها خرجت من قالب محترف. مدتِ يدكِ نحو الأجمل كي تضعيها في الطبق، فأوقفتُكِ وأخذتُ القطعة المشوهة. قلتُ إن هذه قطعتي لأنها أول ما صنعتُ، فقسمتِها نصفين وقلتِ إن الفشل المشترك يُقسم أيضًا. كان مذاقها طيبًا رغم شكلها، وربما لأننا أكلناها واقفين قبل أن تبرد. ما بقي في قلبي من ذلك اليوم ليس نجاح الوصفة، بل سهولة أن نخطئ معًا من دون أن يتحول الخطأ إلى محاكمة، وأن نضحك من النتيجة من غير أن نضحك من أحدنا.
منذ ذلك العصر، صرتُ أفكر في المذاق بوصفه لغة لا تستخدم الكلمات. هناك أطعمة تقول إن شخصًا انتظر عودتكِ، وأخرى تقول إن يومًا صعبًا انتهى، وأخرى تحمل اسمًا غائبًا من غير أن تنطقه. لكنني لا أريد أن نحصر محبتنا في ما نطبخه أو نقدمه. ربما نطلب طعامًا جاهزًا ونأكله من علبته، وربما نحرق العشاء فنكتفي بالخبز، ولن يكون ذلك أقل قيمة. المعنى ليس في المائدة الكاملة؛ المعنى في ألا يأكل أحدنا تعب الآخر كأنه أمر طبيعي، وفي أن نسأل من يملك القدرة اليوم، وأن تكون الراحة حقًّا متبادلًا لا مكافأة بعد الإنهاك.
يعجبني أنكِ لا تحفظين الوصفة كما لو كانت أثرًا ممنوعًا لمسه. في المرة التالية قللتِ السكر، وأضفتِ قشر البرتقال، ثم توقفتِ لحظة كأنكِ تنتظرين اعتراضًا من الماضي. قلتِ بعد التذوق إن جدتكِ ربما كانت ستستنكر التغيير، ثم تطلب قطعة ثانية. أحب أنكِ فهمتِ أن الوفاء لا يعني تجميد ما ورثناه. يمكنكِ أن تحفظي الأصل وتتركي بصمتكِ عليه، وأن تقولي: «هكذا وصلت إليّ الحكاية، وهكذا ستغادر يدي». أنتِ لا تخونين الذاكرة حين تتغيرين؛ تمنحينها حياة جديدة بدل أن تحوليها إلى تمثال نخاف الاقتراب منه.
وأتمنى أن أفعل معكِ الشيء نفسه. لن أطلب منكِ أن تبقي كما عرفتكِ في البداية كي أطمئن. إذا تبدل ذوقكِ، أو طريقكِ، أو الطريقة التي تعبّرين بها عن محبتكِ، سأحاول أن أتذوق الجديد قبل أن أحكم عليه. قد أحتاج إلى سؤال، وقد أشتاق إلى شيء قديم، لكنني لن أجعل الحنين سلطة عليكِ. أنتِ لستِ وصفة ينبغي تنفيذها بالمقادير ذاتها كل عام. أنتِ صاحبة اليد التي تختار ما تضيف وما تترك، وأنا أريد أن أحبكِ حاضرة، لا أن أحب نسخة محفوظة منكِ ثم أطالبكِ بتقليدها.
أحببتُ أيضًا صمتكِ عندما ذاق الآخرون القطع الأولى. لم تشرحي لهم كم تعبتِ، ولم تطلبي مديحًا، لكن عينيكِ كانتا تراقبان الوجوه بحثًا عن شيء أدق من الإعجاب: هل عاد إليهم المذاق الذي يعرفونه؟ وحين ابتسم أكبرهم وقال إن الرائحة سبقت الصينية كما كانت تفعل قديمًا، تنفستِ بعمق كأنكِ استعدتِ اسمًا خفتِ أن يضيع. يومها تمنيتُ أن أكون الشخص الذي يرى ما وراء إنجازكِ؛ لا يكتفي بالنتيجة الجميلة، بل ينتبه إلى القلق والحب والسنوات التي حملتها يداكِ حتى وصلت إلى المائدة.
أتخيلنا بعد زمن نعود إلى الوصفة في مطبخ مختلف. لا يكون معنا الوعاء النحاسي نفسه، ولا الباب المطل على الفناء، وربما لا نجد نوع الهيل الذي اعتدتِه. سنقيس بأكواب أخرى، ونخطئ في حرارة فرن لا نعرفه، لكنكِ ستضعين الدقيق وتصنعين الحفرة ذاتها في الوسط. سأكون قد تعلمتُ الحركة، فأشكّل القطع إلى جواركِ، ويكون بعضها أجمل من قطعكِ فتنظرين إليّ بفخر مصطنع وتقولين إن التلميذ صار مزعجًا. وعندما تنتشر الرائحة، لن تعيدكِ إلى طفولتكِ وحدها؛ ستعيدنا أيضًا إلى عصرنا الأول، إلى الدقيق على كمي، والهيل المسكوب، وضحكتكِ أمام قطعتي المفتوحة.
وإذا تعبت يداكِ يومًا، سأصنعها أنا. قد لا تأتي مطابقة، وربما تقولين بعد أول لقمة إنني أكثرتُ القرفة أو نسيتُ الملح، لكنني سأحاول حتى يتعلم جسدي ما علّمتِه له. لن أفعل ذلك لأحل محلكِ، بل لأحمل معكِ ما حملتِه وحدكِ طويلًا. الذكريات أيضًا تحتاج إلى من يشارك في حراستها، لا كي يملكها، بل كيلا تضطر صاحبتها إلى الوقوف كل مرة رغم تعبها. سأضع الكرسي قرب الطاولة، وأترك لكِ مهمة التذوق فقط، وإذا أردتِ الصمت سأفهم أن الرائحة تتحدث بما يكفي.
حين أفكر فيكِ الآن، أراكِ في ذلك الضوء الذهبي، منكبة على الوعاء، وعلى وجنتكِ خط صغير من الدقيق لم تنتبهي إليه. أرى يدي مرتبكة إلى جوار يدكِ الواثقة، والصينية التي امتلأت بأشكال لا تشبه بعضها، والقطعة المفتوحة التي تقاسمناها قبل أن تبرد. لم يكن المشهد وعدًا بحياة سهلة، ولا صورة مثالية لبيت لا يتعب أهله. كان شيئًا أصدق: معرفة قديمة انتقلت من يد إلى يد، ثم اتسعت لتترك لي مكانًا من دون أن تفقد اسمها. لهذا كلما عاد ذلك المذاق، لا أتذكر الطعام وحده. أتذكر ثقتكِ، وصبركِ، والحرية التي تحفظين بها ما تحبين. وأشعر أن للمحبة طعمًا لا تصنعه المقادير، طعمًا يعرف يديكِ مهما تغيرت الأوعية والأماكن.
مذاقٌ يعرف يديكِ
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً