ثمة سبب يجعل وجودكِ مختلفًا عن كل علاقة عابرة عرفتها: أنا لا أحبكِ فقط، بل أستمتع بكِ. أستمتع بعقلكِ حين يذهب بالحديث إلى مكان لم نتوقعه، وبمزاحكِ الذي يأتي في اللحظة المناسبة، وبقدرتكِ على تحويل يوم عادي إلى ذكرى لها نكهة خاصة. أنتِ المرأة التي أرغب في الاقتراب منها، والصديقة التي أود أن أحكي لها ما حدث بعد أن أعود من العالم متعبًا.
لا أريد لعلاقتنا أن تعيش على الكلمات الرومانسية وحدها. تلك الكلمات جميلة، لكنها لا تكفي عندما تصبح الأيام مزدحمة ولا نجد وقتًا لرسالة طويلة. ما يبقيني قريبًا منكِ هو شعوري بأنني أستطيع أن أرسل إليكِ موقفًا سخيفًا حدث لي، وأن أعرف مسبقًا كيف ستضحكين، أو أن أسألكِ عن رأيكِ في أمر لا يعرفه سوانا، من دون أن أحتاج إلى مناسبة كي أتحدث معكِ.
تعجبني الأحاديث التي تبدأ بيننا بسؤال بسيط، ثم تتشعب حتى ننسى السؤال الأول. ننتقل من حادثة يومية إلى طفولة أحدنا، ومنها إلى فكرة عن الناس أو الحياة، ثم نعود فجأة إلى موضوع لا علاقة له بكل ما سبق. قد تبدو هذه الفوضى بلا قيمة لمن يسمعها، لكنها بالنسبة إليّ شكل من أشكال القرب؛ لأن العقل لا يتجول بهذه الحرية إلا حين يشعر بالأمان.
أحب أن أعرف أنكِ الشخص الذي يمكنني إخباره بأخباري قبل أن أختار لها صياغة مناسبة. لا أحتاج أمامكِ إلى ترتيب القصة كي أبدو أكثر ذكاءً أو قوة. أستطيع أن أقول إنني أخطأت، وإنني تصرفت بغباء، وإن موقفًا صغيرًا أزعجني أكثر مما ينبغي. لن تسارعي إلى محاكمتي، لكنكِ أيضًا لن تجامليني إذا كنتُ بحاجة إلى أن أسمع الحقيقة.
هذه الصداقة في حبنا تعني لي كثيرًا. تعني أنني لا أقترب منكِ لأنني منجذب إليكِ فقط، بل لأن صحبتكِ نفسها محببة إليّ. حتى لو جلسنا في مكان لا يحدث فيه شيء، سأكون سعيدًا لأنكِ هناك. لن أحتاج إلى برنامج مزدحم كي أشعر أن وقتنا ناجح؛ أحيانًا يكفيني أن نمشي بلا وجهة، ونتبادل الملاحظات عن المارة، ونختلف حول مكان نتناول فيه الطعام.
أريد أن نملك نكاتنا الخاصة التي لا تضحك أحدًا غيرنا، والعبارات التي تحمل بيننا معنى لا يفهمه الآخرون. أريد أن ننظر إلى بعضنا في موقف رسمي، فنعرف من نظرة واحدة ما الذي يحاول الآخر ألا يقوله. تلك اللغة الصغيرة التي يصنعها شخصان مع الوقت لا تُدرّس ولا تُشترى؛ تتكوّن من المواقف، ومن طول الانتباه، ومن ذاكرة مشتركة تنمو بصمت.
سأكون سعيدًا حين تخبرينني بأخباركِ المفرحة، لكنني أريدكِ أن تتصلي بي أيضًا عندما تقع منكِ الأشياء. عندما تفشل خطتكِ، أو تتشاجرين مع شخص، أو تكتشفين أنكِ اتخذتِ قرارًا سيئًا. لا تنتظري حتى تصلحي الفوضى وحدكِ ثم تأتينني بنسخة مرتبة منها. أريني المشهد وهو غير مكتمل، ودعيني أساعدكِ على جمع ما يمكن جمعه.
ولن أتصرف كل مرة كأنكِ تطلبين مني حلًا. الصديق الجيد يعرف أن بعض الحكايات تحتاج إلى أذن، لا إلى خطة عمل. إذا أردتِ رأيي، سأقوله. وإذا أردتِ أن تتحدثي فقط، فسأقاوم رغبتي في إصلاح كل شيء وأمنحكِ مساحة الكلام. سأتعلم أن أسألكِ: هل تريدين اقتراحًا أم تريدين مني أن أسمعكِ؟ سؤال صغير كهذا قد ينقذنا من سوء فهم كبير.
أريدكِ أن تكوني مرتاحة في إخباري بأنني مخطئ. لا تتركي الحب يحوّلني إلى شخص لا يمكن الاعتراض عليه. إن بالغتُ في رد فعلي، أو ظلمتُ أحدًا في حكمي، أو بدأت أتصرف بطريقة لا تشبه القيم التي أقول إنني أؤمن بها، فقفي أمامي. قد أنزعج لحظتها، لكنني بعد أن أهدأ سأعرف أن قربكِ الصادق أثمن من موافقة لا تعنينها.
وسأفعل الأمر نفسه معكِ من دون تعالٍ. لن أستخدم معرفتي بنقاط ضعفكِ لأربح نقاشًا، ولن أحوّل نصيحتي إلى أمر. سأخبركِ بما أراه ثم أترك لكِ حق القرار؛ لأن الصديق الحقيقي لا يعيش حياة صديقه نيابة عنه، بل يساعده على رؤية الطريق ويترك قدميه تختاران.
لا أريدنا أن نفقد صداقتنا حين تزداد الرومانسية بيننا. كثيرون يجيدون الحب في البدايات، ثم يتحولون إلى شخصين لا يجمعهما سوى التوقعات والواجبات. أتمنى ألا يحدث ذلك لنا. أريد أن أبقى الشخص الذي يضحككِ، لا الشخص الذي تنتظرين منه قائمة مطالب جديدة. وأن تبقي أنتِ المرأة التي أبحث عن حديثها، لا مجرد دور تؤدينه في حياتي.
حتى الغيرة، أريد أن نعالجها كصديقين يحترمان بعضهما، لا كخصمين يتبادلان الاتهامات. إذا أقلقكِ شيء، قولي لي بدل أن تعاقبيني على سيناريو لم يحدث. وإذا شعرتُ أنا بالانزعاج، لن أحوّل خوفي إلى تفتيش أو مراقبة. سنتكلم بوضوح، ونمنح بعضنا فرصة للشرح، ونحكم على الوقائع لا على القصص التي يصنعها القلق.
الصداقة لا تعني أن تختفي الحدود بيننا. يمكنكِ أن تحتفظي بأسرار صديقاتكِ، وبوقتكِ الخاص، وبمساحات لا تخصني. ولن أطالبكِ بتقديم تقرير عن يومكِ كي أثق بكِ. القرب الحقيقي لا يقاس بكمية المعلومات التي نمتلكها عن بعضنا، بل بمقدار الأمان الذي يجعل مشاركة تلك المعلومات ممكنة حين نرغب.
وأنا أيضًا أحتاج أن أظل إنسانًا كاملًا داخل العلاقة. لي أصدقائي واهتماماتي ووقتي الذي أستعيد فيه توازني. لن أجعلكِ تشعرين بأن ذلك منافسة لكِ، وأرجو ألا تجعلي قرب الآخرين مني تهديدًا لمكانكِ. موقعكِ لا يحفظه إبعاد الجميع، بل نوع العلاقة التي لا يستطيع أحد أن يكون بديلًا عنها.
أريد أن نساند بعضنا من دون أن يتحول أحدنا إلى ظل للآخر. إذا كانت لديكِ مناسبة مهمة، سأكون حاضرًا ما استطعت. وإذا أنجزتِ شيئًا، سأفرح به من غير أن أسرق الضوء منكِ أو أنسب نجاحكِ إلى مساعدتي. سأقف في الصف الأول مصفقًا، ثم أترككِ تستمتعين باللحظة التي صنعتِها بجهدكِ.
وفي الأيام التي لا تستطيعين فيها الإنجاز، لن أقيس قيمتكِ بما فعلتِ. قد نطلب طعامًا بسيطًا، ونشاهد شيئًا لا يحتاج إلى تفكير، ونسخر من تعبنا بدل أن نخجل منه. ليس كل يوم مشروعًا ينبغي تحسينه؛ بعض الأيام يجب أن تمرّ فقط، والصحبة الطيبة تجعل مرورها أخف.
أتخيلنا بعد سنوات، وقد أصبحت لدينا حكايات كثيرة نعيدها حتى حفظنا تفاصيلها. ربما أضيف أنا مبالغة جديدة في كل مرة، فتصححين لي وأنتِ تضحكين. سنعرف أي مطعم لا نعود إليه، وأي طريق نحبه، ومن منا ينسى الأشياء، ومن يصرّ على قراءة التعليمات ثم لا يفهمها. ستصنع الحياة منا فريقًا له عيوبه وطرقه الغريبة، وهذا ما أريده.
لا أحتاج إلى علاقة تبدو مثالية من بعيد. أريد علاقة يستطيع فيها كل واحد منا أن يقول للآخر: «كان يومي سيئًا، فتعالَ واجلس بقربي»، من دون خطابات كبيرة. علاقة نعرف فيها كيف نختلف، وكيف نهدأ، وكيف نعتذر، وكيف نطلب المساعدة. علاقة لا تقتلها الجدية، ولا تجعلها الخفة سطحية.
سيأتي وقت تتغير فيه ملامح الحب. قد تقل المفاجآت، وتصبح الهدايا أقل، ويأخذ العمل والأسرة جزءًا كبيرًا من الوقت. حينها ستكون صداقتنا هي الجسر الذي يعيدنا إلى بعضنا. سنظل نجد موضوعًا نتحدث عنه، وسببًا نضحك بسببه، ومساحة يكون فيها كل منا الشخص المفضل لدى الآخر، لا بسبب الالتزام وحده، بل لأن الصحبة ما زالت ممتعة.
أريد أن أكون الرجل الذي لا تخجلين من الظهور أمامه في أسوأ حالاتكِ، والصديق الذي يعرف متى يمزح ومتى يصمت، ومتى يقترب ومتى يترك لكِ المجال. وأريد منكِ أن تكوني الإنسانة التي أحتفل أمامها بنجاحي من دون خوف من الحسد، وأعترف لها بفشلي من دون خوف من الاحتقار.
الحب قد يجعل القلب ينبض بسرعة، لكن الصداقة هي التي تجعله يطمئن إلى البقاء. وأنا حين أنظر إلى ما بيننا، لا أريد أن أختار واحدة منهما. أريد شغفًا يحفظ حرارة القرب، ورفقةً تمنحنا القدرة على عبور الأيام التي لا تحمل شغفًا واضحًا.
لهذا أحبكِ كامرأة ينجذب إليها قلبي، وأختاركِ كصديقة يرتاح إليها عقلي. أنتِ من أريد أن أشاركها الأخبار الكبيرة، ومن أرسل إليها الصورة المضحكة، ومن أسألها عن رأيها، ومن أجلس معها حين لا أملك شيئًا يستحق القول.
وإذا سألني أحدهم يومًا عن أجمل ما في علاقتنا، فلن أذكر لحظة رومانسية واحدة. سأقول إنني وجدت إنسانة أستطيع أن أحبها من دون أن أفقد الصديق الذي أحتاج إليه، وأن أعيش بقربها من دون أن تنتهي بيننا الأحاديث.
أنتِ حبيبتي، نعم.
لكنّكِ، قبل كل شيء وبعده، صديقتي المفضلة أيضًا.
أنتِ صديقتي أيضًا
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً