الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

حين يعلو ضوؤكِ

أريد أن أحدثكِ اليوم عن شيء لا يُقال كثيرًا في الحب: عن فرح الرجل حين يرى المرأة التي يحبها تكبر في عيني نفسها، لا في عينيه وحدهما. عن تلك اللحظة التي ترفعين فيها رأسكِ بعد تعب طويل، وتدركين أنكِ استطعتِ، وأن ما أنجزتِه لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يكون جديرًا بالفخر. أحب أن أراكِ في هذه اللحظة تحديدًا؛ لا لأن نجاحكِ يجمّل حكايتي، ولا لأنني أريد أن أضع اسمي في هامش إنجازكِ، بل لأن ضوءكِ حين يعلو يكشف لي كم كنتِ شجاعة في الأيام التي لم يصفق لكِ فيها أحد.

أعرف أن الطريق إلى ما تريدينه ليس صورة براقة كما يبدو لمن يقف في نهايته. أعرف صباحاته الثقيلة، والرسائل التي قرأتِها مرتين قبل أن تجيبي، والليالي التي بقي فيها عقلكِ مستيقظًا بعد أن أطفأتِ المصباح. أعرف كيف تراجعين عملكِ مرة إضافية لأنكِ لا تسمحين لنفسكِ بهامش الخطأ الذي يُمنح لغيركِ بسهولة، وكيف تبتلعين خيبة صغيرة ثم ترتبين ملامحكِ قبل أن تدخلي الغرفة. وقد رأيتكِ أحيانًا تعودين منهكة، تضعين حقيبتكِ قرب الباب، وتجلسين لحظة من دون أن تنزعي معطفكِ، كأن جسدكِ وصل قبلكِ وما زالت روحكِ في الطريق. في تلك اللحظات لم أكن أرى امرأة ضعيفة، بل امرأة دفعت من طاقتها أكثر مما كان ينبغي، وتحتاج إلى مكان لا تضطر فيه إلى إثبات شيء.

وأريد أن أكون هذا المكان، لا منصة أخرى تُطالبكِ بالأداء. لا أريدكِ أن تدخلي إليّ حاملةً تقريرًا عن يومكِ، ولا أن تبرري تعبكِ، ولا أن تختصري طموحكِ كي لا يبدو أكبر من المساحة التي اعتادها الآخرون. يمكنكِ أن تقولي إنكِ نجحتِ وأنا أفرح، وأن تقولي إنكِ أخطأتِ وأنا أبقى، وأن تقولي إنكِ لا تعرفين ما الخطوة التالية فأجلس معكِ داخل الحيرة من غير أن أملأها بنصائح لم تطلبيها. الحب عندي ليس أن أمتلك جوابًا لكل ما يقلقكِ؛ أحيانًا يكون الحب كوب ماء قريبًا من يدكِ، وهاتفًا موضوعًا على الصامت، وإنسانًا يعرف أن الصمت إلى جواركِ مشاركة لا غياب.

يعجبني فيكِ أنكِ لا تصلين إلى الأشياء بالطريق السهل دائمًا. تترددين، تعيدين الحساب، تخافين قليلًا، ثم تمضين مع خوفكِ بدل أن تنتظري اختفاءه. ربما لا ترين هذه الشجاعة لأنكِ تعيشين تفاصيلها من الداخل، فتبدين لنفسكِ مجرد امرأة تحاول أن تنهي يومها. أما أنا فأراها في الحركات التي لا ينتبه إليها أحد: في أصابعكِ حين ترتب أوراقكِ بعد خبر أربككِ، وفي النفس العميق الذي تأخذينه قبل مكالمة صعبة، وفي طريقتكِ في قول «سأتعلم» بدل أن تتظاهري بالمعرفة. هذه التفاصيل عندي أبلغ من الانتصارات الكبيرة؛ لأنها تخبرني من تكونين حين لا تضمنين النتيجة.

ولذلك لا أريد أن أصغر كي تكبري، ولا أن تصغري كي أشعر أن لي مكانًا. لسنا كفتي ميزان لا ترتفع إحداهما إلا بهبوط الأخرى. نحن شخصان يمكن لكل منهما أن يتقدم من دون أن يترك الآخر خلفه، وأن يحتفل من دون أن يسلب صاحبه الضوء. إذا فُتح لكِ باب كنتِ تنتظرينه، فلن أقف عند عتبته أعدّ ما سيأخذه مني. سأساعدكِ على حمل ما يلزم، وأذكّركِ بما نسيتِه في ارتباك البداية، ثم أراكِ تدخلين بقلب مطمئن. وإن صار اسمكِ حاضرًا في غرف لم أدخلها، فلن أشعر أنني أقل حضورًا في حياتكِ؛ فمكانتي عندكِ لا تحتاج إلى أن تكوني أقل اتساعًا.

أقول لكِ هذا لأن الحب يُختبر أحيانًا أمام الأخبار الجميلة أكثر مما يُختبر أمام الحزن. في الحزن يعرف الناس أدوارهم: يد تُمسك، وكتف يقترب، وكلمات مواساة محفوظة. أما نجاح من نحب فيكشف أشياء أدق؛ هل نفرح له حقًا، أم نفرح ما دام لا يتجاوزنا؟ هل نصغي إلى حكايته، أم نسارع إلى ذكر فضلنا فيها؟ هل نحتمل أن يصبح أكثر ثقة، وأكثر استقلالًا، وأقل احتياجًا إلى تصديقنا؟ وأنا أريد أن تعرفي أنني لا أحب احتياجكِ إليّ بقدر ما أحب اختياركِ لي. لا أريد أن أبقى لأن الطريق من دوني مغلق، بل لأنكِ، مع كل الأبواب المفتوحة، ترين في قربنا حياة تستحق أن تُعاش.

قد أخطئ رغم ذلك. ربما أتأخر يومًا في فهم فرحتكِ، أو أستقبل خبرًا مهمًا لكِ وأنا مشتت، أو أقول عبارة صغيرة فتبدو كأنها تقلل مما صنعتِه. لا أريد أن أحتمي بنواياي الحسنة إذا آلمتكِ النتيجة. نبّهيني. قولي لي إنكِ كنتِ تحتاجين أن أنظر جيدًا، أن أسأل أكثر، أن أضع قلقي جانبًا وأمنح لحظتكِ حقها. سأتعلم كيف أفرح بالطريقة التي تصل إليكِ، لا بالطريقة التي تجعلني مقتنعًا أنني قمت بواجبي. فالمحبة الناضجة ليست عصمة من الخطأ؛ إنها ألا نجعل كبرياءنا أغلى من إصلاحه.

وأنا أيضًا لن أخفي خوفي إذا جاء. فالتحولات الكبيرة تغيّر إيقاع الأيام، وقد تأخذكِ إلى مواعيد أكثر، ومدن أبعد، ووجوه جديدة. ربما أفتقد عادات صغيرة بيننا: اتصالًا في وقت محدد، أو مساءً كان فارغًا لنا، أو حديثًا طويلًا لا يقاطعه موعد مبكر. لكنني لن أحوّل افتقادي إلى قيد حول معصمكِ. سأقوله بوضوح: أشتاق إلى وقتنا، فلنبحث عن وقت جديد. سأطلب القرب من دون أن أعاقبكِ على نموكِ، وأعترف بحاجتي من دون أن أجعلها تهمة. لأنني لا أريد أن يكون ثمن طمأنينتي أن تتراجعي عن حياة تعبتِ حتى تصلين إليها.

تخيلي معي يومًا تعودين فيه بخبر انتظرته طويلًا. ربما يكون المكان مزدحمًا، وربما لا تحدث موسيقى في الخلفية، ولا تسقط الأشياء من يدي من شدة الدهشة كما في الحكايات. قد أكون في المطبخ أقطع الخبز، وتقولين جملتكِ وأنتِ لا تزالين عند الباب. سأتوقف. سأنظر إلى وجهكِ أولًا، لأن الخبر الحقيقي سيكون هناك: في لمعان عينيكِ الذي تحاولين تهذيبه، وفي ابتسامة لا تعرف هل تتسع أم تبكي. سأقترب منكِ، لا لأسرق الجملة بعناق متعجل، بل لأدعكِ تقولينها كاملة. ثم سأحتفل بكِ بالطريقة التي تحبينها، ولو كانت احتفالًا صغيرًا: طعامكِ المفضل، نافذة مفتوحة على هواء المساء، وحديثًا نستعيد فيه كل مرة ظننتِ أنكِ لن تصلي.

ولن أقول يومها: «كنت أعرف أنكِ ستنجحين»، كأن النتيجة كانت مضمونة وكأن خوفكِ لم يكن حقيقيًا. سأقول: «رأيت كم بذلتِ»، لأنني أريد أن أكرّم الطريق لا الكأس وحدها. أعرف أن بعض المكاسب تأتي بعد خسارات لا يراها الناس؛ بعد عطلات فاتتكِ، واعتذارات قدمتِها لأنكِ كنتِ مشغولة، وأسئلة قاسية وجهتِها إلى نفسكِ. لهذا لن أطلب منكِ أن تحوّلي النجاح فورًا إلى مهمة جديدة. يحق لكِ أن تتوقفي، أن تتنفسي، أن تصدقي ما حدث قبل أن يسألكِ العالم: وماذا بعد؟ ويحق لكِ أيضًا أن تجدي الوصول مختلفًا عما تخيلتِ، وأن تشعري بفراغ بعده. سأفهم أن الفرح ليس دائمًا صاخبًا، وأن الإنجاز لا يلغي التعب الذي سبقه.

أحب طموحكِ، لكنني لا أختزلكِ فيه. أنتِ لستِ قائمة أهداف تمشي على قدمين، ولا قيمتكِ حاصل ما تنجزينه في أسبوع. إن تعثرتِ فلن ينقص حبكِ في قلبي، وإن غيرتِ اتجاهكِ فلن أعدّه هزيمة، وإن قررتِ أن حلمًا قديمًا لم يعد يشبهكِ فلن أذكّركِ بعدد السنوات التي بذلتِها فيه. من حقكِ أن تنموي حتى خارج الوعود التي قطعتها نسختكِ السابقة. ومن حقي عليكِ فقط أن تكوني صادقة مع نفسكِ، لا أن تواصلي الركض كي ترضي صورة رسمها الآخرون عن المرأة القوية التي لا تتعب ولا تتراجع.

القوة التي أحبها فيكِ ليست صلابة دائمة. أحب أنكِ، بعد يوم ناجح، قد تخلعين حذاءكِ وتشتكين من ألم قدميكِ. أحب أنكِ تعرفين أحيانًا كيف تقودين غرفة كاملة، ثم تسألينني في الطريق إن كنتِ تحدثتِ بسرعة. أحب ذلك التناقض الإنساني الذي يجعل ثقتكِ حقيقية لا قناعًا: تتقدمين وفيكِ جزء يتساءل، وتبتسمين وفيكِ تعب، وتنجحين من غير أن تفقدي قدرتكِ على رؤية من ساعدكِ. إن تواضعكِ لا يطفئ نوركِ، بل يجعله دافئًا؛ يضيء حوله بدل أن يعمي من ينظر إليه.

وأريد أن أكون إلى جواركِ بطريقة لا تفسد هذا الدفء. سأقول لكِ رأيي بصدق حين تطلبينه، ولن أصفق لقرار يؤذيكِ لمجرد أن أبدو داعمًا. سأذكّركِ بالنوم حين يأكل العمل ملامحكِ، وبالطعام حين يتحول الحماس إلى إهمال، وبأن الذين يحبونكِ لا يريدون نسخة ناجحة منكِ تصل إليهم منهكة تمامًا. لكنني سأنتبه إلى الحد الفاصل بين العناية والسيطرة. لن أستخدم خوفي لغةً للمنع، ولن أسمّي غيرتي حرصًا، ولن أجعل قربكِ دينًا تسددينه بالتخلي عن فرصة. إن قلت لكِ «انتبهي إلى نفسكِ»، فسأكون مستعدًا لأن أساعدكِ على ذلك فعلًا، لا أن أضيف طلبًا جديدًا إلى كتفيكِ.

وحين يأتي دوري أنا في التعب أو التقدم، أتمنى أن أكون قادرًا على تلقي محبتكِ بالكرامة نفسها. لا أريد علاقة يؤدي فيها أحدنا دور الشمس والآخر دور المرآة. أريد بيتًا معنويًا فيه نافذتان، يدخل الضوء من كلتيهما. نتبادل الدعم من دون دفاتر حساب، ونحفظ لكل واحد مساحته، ثم نلتقي لا لأننا فقدنا أنفسنا بل لأننا عدنا بها. قد تختلف سرعتنا، وقد يسبق أحدنا الآخر في موسم، لكن الطريق الطويل لا يقاس بلحظة السبق. ما يهمني أن نظل قادرين على الالتفات، وعلى القول: أنا هنا، أراك، ولا أخاف مما تصبح.

لهذا، إذا وقفتِ يومًا في مكان واسع والأنظار كلها نحوكِ، فلا تبحثي عني لتتأكدي أنني لم أنزعج من الضوء. ستجدينني في الجانب الذي يسمح لي أن أراكِ كاملة، سعيدًا بأنكِ لم تخفّضي صوتكِ كي أطمئن، ولم تعتذري عن حضوركِ، ولم تنسبي جهدكِ إلى الحظ حتى لا يضيق به أحد. سأكون فخورًا، نعم، لكن فخري لن يكون ختم ملكية على قصتكِ. أنتِ صنعتِ خطواتكِ بجسدكِ ووقتكِ وخياراتكِ، وأنا أحب امتياز أن أشهدها، وأن أكون الشخص الذي تعودين إليه بعد انفضاض التصفيق فتجدينه ما زال يرى المرأة نفسها: بعينيها المتعبتين، وضحكتها غير المرتبة، وأسئلتها التي لا يسمعها الجمهور.

وإذا لم يصفق أحد، سأراكِ أيضًا. إذا مر إنجازكِ بهدوء، أو نُسب إلى غيركِ، أو جاء أصغر مما توقعتِ، لن أترك نظرة الناس تحدد حجمه في بيتنا. سنمنحه اسمه الصحيح، ونضعه في مكانه، ثم نكمل. ليس لأن كلماتي تعوض العالم، بل لأن الإنسان يحتاج إلى شاهد أمين لا يبالغ ولا يغفل. أريد أن أكون شاهدكِ الأمين: أقول إن الأمر كان صعبًا حين كان صعبًا، وإنكِ أحسنتِ حين أحسنتِ، وإنكِ تستحقين الراحة من دون أن تنتصري أولًا.

هذه هي محبتي لكِ اليوم: ليست مظلة أخفيكِ تحتها، بل صحبة تمشي معكِ في العراء. ليست وعدًا بأنني سأزيل كل عقبة، بل عهدًا بأنني لن أصبح عقبة متنكرة في هيئة حب. اذهبي إلى ما يناديكِ بقلب يقظ، وعودي إليّ كما أنتِ؛ ناجحة أو حائرة، مملوءة بالكلام أو راغبة في السكون. كلما اتسعت حياتكِ، سأتعلم اتساعًا يليق بها. وكلما علا ضوؤكِ، لن أطلب منكِ أن تخفتيه كي تريني؛ سأقترب بصدق، وأنظر إليكِ من دون خوف، وأقول في سري وفي حضوركِ: هذه المرأة لا تحتاج إلى أن تكون أقل كي أحبها أكثر.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً