الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

أحبكِ في العادي

لا أريد أن أحبكِ فقط في اللحظات التي تصلح لأن تُروى. لا أريد لحبّنا أن يعيش في الصور المنتقاة، ولا في المناسبات التي نرتدي لها أجمل ما لدينا، ولا في الكلمات التي نراجعها طويلًا قبل أن نقولها. أريد أن أحبكِ في المساحة التي لا يراها أحد؛ حين يكون النهار عاديًا إلى درجة أن يمرّ من دون أن ينتبه إليه العالم، وحين لا يحدث بيننا شيء يستحق التصفيق، لكن قلبي يعود في المساء ممتلئًا بكِ كأن يومًا كاملًا من المعجزات الصغيرة قد مرّ عليه.

أحبكِ وأنتِ تبحثين عن شيء وضعتِه قبل دقائق ثم نسيتِ مكانه، فأراكِ تفتحين الأدراج واحدًا بعد آخر، وتتمتمين بكلمات غاضبة لا تخيف أحدًا. أحب ضحكتي التي أحاول إخفاءها كيلا أزيد ضيقكِ، والطريقة التي تنظرين بها إليّ حين تكتشفين أن الشيء كان في يدكِ منذ البداية. لا تبدو هذه لحظة رومانسية في نظر الناس، لكنها عندي دليل نادر على الألفة: أن أراكِ بلا استعداد، وأن تريني بلا حذر، وأن تكون فوضانا الصغيرة آمنة بما يكفي لنضحك منها معًا.

أحبكِ حين يكون صوتكِ في الصباح أقل ترتيبًا من أفكاركِ، وحين تحتاجين إلى دقائق طويلة قبل أن تصبحي مستعدة للكلام. لا أطالبكِ بابتسامة فورية، ولا أفسر صمتكِ على أنه ابتعاد، ولا أريد منكِ أن تكوني خفيفة طوال الوقت كي يسهل حبكِ. يكفيني أن أجلس قربكِ، أن أضع كوبكِ في مكانه الذي تحبينه، وأن أترك للنهار فرصة كي يوقظكِ بهدوء. تعلّمت معكِ أن الحب الناضج لا يقتحم مزاج الآخر، بل يطرق بابه برفق، ثم ينتظر من دون أن يشعر بالإهانة.

وأحبكِ في تعبكِ الذي لا يجد عبارة دقيقة تشرحه. في تلك الأمسيات التي تقولين فيها: «لا أعرف ما بي»، فأفهم أن السؤال الكثير لن يساعد، وأنكِ لا تحتاجين إلى محقق يستخرج سببًا من قلبكِ. ربما تحتاجين فقط إلى شخص لا يخاف من صمتكِ، ولا يحاول إصلاحكِ كأنكِ عطل عابر. أريد أن أكون ذلك الشخص؛ أجلس إلى جانبكِ من دون نصائح جاهزة، وأترك يدي قريبة من يدكِ، حتى إذا رغبتِ في الكلام وجدتِ أذنًا لا تحاكمكِ، وإذا رغبتِ في السكوت وجدتِ حضورًا لا ينسحب.

أحب الطريقة التي تتغير بها ملامح البيت حين تكونين فيه. ليس لأنكِ تملئين الغرف ضجيجًا، بل لأن للأشياء قربكِ معنى آخر. المنشفة التي نسيتِها على ظهر المقعد، الكتاب المفتوح عند الصفحة التي غلبكِ النوم قبل إكمالها، دبوس الشعر الصغير قرب المغسلة، ورائحة القهوة التي تسبقكِ إلى الممر؛ كلها تفاصيل قد يراها غيري أشياء مبعثرة، أما أنا فأراها أثر حياة أحب أن أشاركها. لا أبحث عن بيت مثالي، بل عن مكان يشبهنا: مرتب أحيانًا، مزدحم أحيانًا، لكنه صادق ودافئ ويسع ضعفنا.

أحب اختلافاتنا أيضًا، لا بوصفها امتحانًا يجب أن ينتصر فيه أحدنا، بل بوصفها نوافذ نتعلم منها رؤية العالم بعيون إضافية. أعرف أنني قد أتشبث برأيي أكثر مما ينبغي، وأنكِ قد تصمتين حين يكون الكلام أنفع، لكنني لا أريد أن تتحول مناقشاتنا إلى محكمة. أريد أن نتذكر، ونحن مختلفان، أن الخصم ليس الشخص الجالس أمامنا، بل المسافة التي قد يصنعها سوء الفهم بين قلبين. لذلك سأحاول أن أسمع المعنى خلف نبرتكِ، لا النبرة وحدها، وأن أشرح خوفي بدل أن أغلفه بالغضب، وأن أعتذر قبل أن يصبح الاعتذار متأخرًا.

أحبكِ في الخطط التي لا تكتمل. حين نقرر أن نخرج ثم نتراجع لأن المطر اشتد، أو نختار فيلمًا وننام قبل منتصفه، أو نشتري مكونات وصفة جديدة ثم نكتشف أننا نسينا أهم شيء فيها. لا أشعر أن الوقت ضاع ما دمتِ فيه. لقد كنت أظن أن السعادة تحتاج إلى برنامج محكم، ثم جئتِ أنتِ وعلّمتِني أن أجمل الساعات قد تولد من خطة فاشلة: طبق لم ينجح تمامًا، وضحك يملأ المطبخ، ونافذة عليها المطر، وحديث بدأ من أمر تافه وانتهى باعتراف لم نخطط له.

أحبكِ حين تنجحين، لكنني لا أحبكِ لأنكِ ناجحة فقط. أحب تعب المحاولة الذي يسبق النتيجة، والقلق الذي تحاولين إخفاءه، والأوراق التي تعيدين ترتيبها، والطريقة التي تقرئين بها الرسالة الجيدة مرتين كأنكِ تخشين أن تختفي. سأفرح بما تصلين إليه، بالتأكيد، لكنني أريدكِ أن تعرفي أن مكانكِ عندي لا يصعد مع إنجازاتكِ ولا يهبط مع تعثركِ. أنتِ لستِ تقريرًا سنويًا، ولا قائمة أهداف، ولا صورة يجب أن تبقى لامعة. أنتِ إنسانة تستحق الحب في يوم الفوز وفي اليوم الذي لا تنجز فيه سوى أنها عبرته.

أحب العناية التي لا تلفت الانتباه. أن تسألي إن كنت قد أكلت، لا لتراقبيني، بل لأنكِ تعرفين أنني أنسى حين أنشغل. أن تخفضي صوت التلفاز عندما ترين التعب على وجهي. أن أتذكر أنا موعدًا يقلقكِ، فأرسل لكِ قبل دخوله كلمة قصيرة لا تسرق تركيزكِ، لكنها تقول إنكِ لستِ وحدكِ. هذه الأفعال البسيطة هي اللغة التي أثق بها؛ لأنها لا تنتظر جمهورًا ولا مكافأة. إنها لا تقول «انظروا كم نحب»، بل تقول بهدوء: «أنا منتبه إليكِ، حتى حين لا يصفق لنا أحد».

أحب أن يكون بيننا مجال للراحة، لا أن نعيش في استنفار دائم لإثبات مشاعرنا. لا أريدكِ أن تقيسي الحب بسرعة الرد، ولا أن أقيسه بعدد الأسئلة التي تسألينها. ستكون لنا أيام مزدحمة، وقد يسرق العمل انتباهنا، وقد نصل إلى المساء وفي أيدينا جمل قليلة. لكنني أريد لتلك الجمل أن تكون صادقة، ولصمتنا أن يكون خاليًا من العقاب. أن يعرف كل منا أن الآخر لم يختفِ لمجرد أنه تأخر، وأن العلاقة لا تنهار كلما أغلقت الحياة بابًا لبضع ساعات. الطمأنينة عندي أجمل من اللهفة التي يرافقها الخوف.

أحبكِ من دون أن أطلب منكِ التخلي عن عالمكِ كي تسكني عالمي. احتفظي بصديقاتكِ، بوقتكِ الخاص، بالأغنيات التي لا أفهم سر تعلقكِ بها، وبالأماكن التي تحتاجين إلى زيارتها وحدكِ. أريد قربكِ حرًا، لا قربًا صنعتْه المراقبة أو الخشية. وسأحفظ لنفسي أيضًا مساحة أعود منها إليكِ أكثر صفاءً، لأن الحب الذي يبتلع شخصين لا يحميهما؛ إنه يتركهما جائعين إلى نفسيهما. أحب أن نكون «نحن» من دون أن نفقد «أنا» و«أنتِ»، وأن يكون اجتماعنا اختيارًا يتجدد، لا بابًا أُغلق خلفنا.

أحبكِ حين تضعين حدودكِ، حتى لو خيّبت تلك الحدود رغبة عابرة لديّ. أفضّل «لا» صادقة منكِ على «نعم» متعبة تقولينها خوفًا من إغضابي. لا أريد طاعةً تتنكر في هيئة حب، ولا تضحية تزرع في قلبكِ دينًا مؤجلًا. أخبريني عندما يثقل عليكِ شيء، وعندما تحتاجين إلى وقت، وعندما أخطئ في فهمكِ. قد لا أستقبل الحقيقة دائمًا بالكمال الذي أتمناه لنفسي، لكنني أعدكِ أن أتعلم استقبالها، لأن راحتكِ ليست تفصيلًا تابعًا لراحتي، ولأن الحب الذي لا يسمح بالرفض يتحول، مهما بدا لطيفًا، إلى قيد.

أحب المستقبل معكِ، لكنني لا أريد أن أستهلك حاضرنا في الحديث عنه. نعم، تعنيني السنوات القادمة، والبيت الذي قد يتغير أكثر من مرة، والقرارات الكبيرة التي سنقف أمامها، والوجوه التي ستكبر في المرآة. غير أنني لا أريد أن تمر هذه الأمسية الصغيرة ونحن ننتظر حياة أهم منها. هذا الشاي الذي يبرد بيننا، السؤال الذي تسألينه ثم تنسين إجابته، الأغنية التي تعيدكِ إلى ذكرى قديمة، كلها الحياة نفسها وليست غرفة انتظار. سأحاول أن أكون معكِ هنا، في الدقيقة التي نملكها، بدل أن أعدكِ دائمًا بسعادة مؤجلة.

وأحب فيكِ أنكِ لا تجعلينني أفضل بالخطب، بل بالطريقة التي تدفعينني بها إلى رؤية نفسي بوضوح. قربكِ يكشف لي أين أتهرب، وأين أكون قاسيًا لأنني خائف، وأين أحتاج إلى أن أنضج. لكنكِ لستِ مسؤولة عن إصلاحي؛ هذه مهمتي أنا. لا أريد أن أحملكِ عبء تربيتي العاطفية، ثم أسمي صبركِ حبًا. سأعمل على نفسي لأنني أريد أن أصل إليكِ بقلب يعرف كيف يحاور، وكيف يتحمل نتيجة فعله، وكيف يفرق بين الحاجة والتملك. وجودكِ دافع جميل، لكنه ليس عذرًا أعتمد عليه بدل أن أتغير.

أحب أن نتعلم فن الرجوع بعد الخلاف. لا أن ندفن المشكلة تحت كلمات حلوة، ولا أن نتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، بل أن نعود إلى الطاولة نفسها بقلبين أقل اشتعالًا. أن يقول كل منا: هذا ما آذاني، وهذا ما فعلته أنا، وهذا ما أستطيع تغييره. لا يهمني أن أخرج بريئًا من كل نقاش؛ يهمني أن نخرج أقرب إلى الحقيقة. وإذا أخطأتُ، فلن أجعل اعتذاري مشروطًا بخطئكِ، ولن أضيف كلمة «لكن» كي أسترد بها ما قدمته. أريد لاعتذاري أن يصل إليكِ كاملًا، وأن يتبعه فعل يمنح الكلام وزنًا.

أحب ضحكتكِ حين تفلت منكِ قبل أن تكملي الحكاية، وأحب جديتكِ المفاجئة في أمور تبدو صغيرة لغيركِ. أحب أسئلتكِ الطويلة، وحرصكِ على التفاصيل، والطريقة التي تدافعين بها عن شخص غائب كأنكِ تمنعين الظلم من دخول الغرفة. لا أجمع هذه الصفات لأصنع منكِ صورة كاملة؛ فأنا أعرف أن لكِ جوانب صعبة، كما لي جوانبي. لكن المحبة عندي ليست إنكار العيوب، بل معرفة الإنسان كاملًا ثم التعامل معه بإنصاف. أن أرى مواضع هشاشتكِ فلا أقتحمها، وأن تعرفي عيوبي فلا تجعليها اسمي الوحيد.

ربما لن يتذكر أحد يومًا كهذا. لن تسجله التقويمات بوصفه ذكرى، ولن نحتفظ منه بصورة متقنة. سيمضي مثل مئات الأيام: بعض العمل، قليل من التعب، طعام بسيط، ورسائل متقطعة. لكنني أريدكِ أن تعرفي أن قلبي لا ينتظر الأحداث الكبرى كي يختاركِ. إنه يختاركِ في الزحام، وفي قائمة المشتريات، وفي انتظار الغسالة أن تنتهي، وفي الطريق القصير إلى المتجر، وفي السؤال المعتاد: ماذا نأكل اليوم؟ تلك التفاصيل ليست أقل من الحب؛ إنها المكان الذي يعيش فيه الحب بعد أن تنطفئ الموسيقى ويعود كل شيء إلى حجمه الحقيقي.

ولهذا لا أعدكِ بأن أجعل كل يوم مدهشًا؛ ذلك وعد لا يستطيع إنسان الوفاء به. أعدكِ بشيء أصدق: ألا أحتقر الأيام الهادئة، وألا أعتبر الألفة مللًا، وألا أبحث عن ضجيج يثبت لي أن مشاعرنا ما زالت حية. سأنتبه إلى كوبكِ، إلى نبرة تعبكِ، إلى الحكاية التي رويتها من قبل لكنكِ تحتاجين إلى روايتها مرة أخرى. سأترك لكِ الجزء الذي تحبينه من الخبز، وأخبركِ إذا تأخرت، وأغلق الباب برفق حين تنامين. هذه ليست بطولات، وأنا لا أريدها كذلك؛ أريدها عادات صغيرة تقول لكِ كل يوم إن اختياركِ مستمر.

وفي نهاية هذا اليوم العادي، حين تهدأ الغرف ويصبح صوت المطر أوضح، لن أحتاج إلى خطاب كبير. سأجلس بقربكِ، وربما لا نقول شيئًا مهمًا. لكنني سأعرف، من المسافة المطمئنة بين كتفكِ وكتفي، أنني وجدت المعنى الذي كنت أبحث عنه طويلًا: ليس حبًا يلمع لحظة ثم يرهقنا الحفاظ على بريقه، بل رفقة تعرف كيف تحمل الضوء الخافت وتحميه. أحبكِ في العادي، لأن العادي هو معظم العمر، ولأنني حين أتخيل عمري معكِ لا أراه سلسلة احتفالات، بل آلاف الأيام البسيطة التي أريد أن أعيشها إلى جانبكِ، يومًا صادقًا بعد يوم.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً