وصلنا إلى المرصد الصغير فوق التل قبل إغلاقه بساعة. كان المبنى مستديرًا، أبيض من الخارج، وتدور قبته ببطء كلما غيّر المشرف اتجاه المنظار. تركنا هواتفنا في جيوبنا وصعدنا سلّمًا ضيقًا تفوح منه رائحة المعدن البارد والغبار. سبقتِني خطوتين، ثم توقفتِ عند الباب الأخير كأنكِ تخشين أن تدخلي بصوت مرتفع إلى مكان تنام فيه السماء. حين انفتح السقف فوقنا، رفعتِ وجهكِ، ولم تقولي شيئًا. كانت دهشتكِ أهدأ من أن يسمعها أحد، لكنها بدّلت ملامحكِ كلها.
انتظرنا دورنا أمام المنظار. كان الزوار قبلكِ ينظرون ثواني قليلة، يطلقون تعجبًا سريعًا، ثم يبتعدون للصورة التالية. أما أنتِ، فعندما وضعتِ عينكِ عند العدسة، بقيتِ ساكنة. سألكِ المشرف إن كنتِ ترين البقعة المضيئة، فأومأتِ من غير أن تتركي مكانكِ. وبعد لحظة ابتعدتِ نصف خطوة والتفتِّ إليّ، لا لتخبريني بما رأيتِ، بل لتسألي: إذا كان الضوء يحتاج سنوات كي يصل إلينا، فهل يمكن أن نرى شيئًا لم يعد موجودًا؟
كانت لديّ إجابة ناقصة، جملة سمعتها قديمًا ولم أكن واثقًا من دقتها. كدتُ أقولها بالنبرة التي يستعملها الناس حين يريدون حماية صورتهم، ثم توقفتُ. قلتُ لكِ ببساطة: لا أعرف بما يكفي. ظننتُ أنكِ ستبتسمين وتمضين، لكنكِ قربتِ وجهكِ مني، واتسعت عيناكِ كأن اعترافي فتح سؤالًا أجمل. قلتِ: فلنحاول أن نفهم. في تلك اللحظة أحببتُ فيكِ شيئًا يتجاوز الفضول؛ أحببتُ أنكِ لم تنظري إلى جهلي كصدع في هيبتي، بل كباب يمكن أن ندخله معًا.
منذ ذلك المساء، وأنا أفكر في البيت الذي أريده لعلاقتنا. لا أريده معرضًا للأجوبة اللامعة، يقف كل واحد منا فيه حارسًا لصوابِه. أريده مكانًا تستطيع الأسئلة أن تظهر فيه قبل أن ترتب شعرها، وأن تجلس بيننا من غير أن نطردها بإجابة مستعجلة. أريدكِ أن تسأليني عما أعنيه، لا أن تضطري إلى تخمينه؛ وأن تسألي نفسكِ عما تريدين، حتى إن أربك السؤال خططًا أحببناها طويلًا. بعض اليقين راحة، لكن بعضه باب أقفلناه لأننا خفنا الهواء.
لن أخاف من سؤالكِ إذا كان صادقًا. حين تقولين: لماذا فعلتَ ذلك؟ لن أتعامل مع «لماذا» كسكين، ولن أسرع إلى تبرئة نفسي قبل أن أفهم ما الذي آذاكِ. قد تكون الإجابة أنني لم أنتبه، أو أنني تصرفت بأنانية، أو أنني كنت خائفًا واخترت طريقة سيئة لحماية نفسي. لن أجمّل الحقيقة كي أبقى في عينيكِ الرجل الذي لا يخطئ في تفسير دوافعه. أنا لا أعرف نفسي كاملة، وأحيانًا يكون سؤالكِ مصباحًا يصل إلى زاوية عشتُ فيها سنوات من غير أن أراها.
وفي المقابل، لن أستخدم الأسئلة فخاخًا لكِ. لن أسألكِ: هل تحبينني؟ وأنا أقصد: قولي العبارة التي تهدئ قلقي الآن. ولن أقول: ماذا بكِ؟ بنبرة تجعل أي جواب تهمة. السؤال الذي يحمل إجابته مسبقًا ليس رغبة في المعرفة، بل ضغط يرتدي علامة استفهام. سأتعلم أن أسأل ثم أصمت حقًا، وأن أسمع جوابكِ كما جاء، لا كما كنتُ أريده أن يأتي. وإذا لم تعرفي، فسأحترم «لا أعرف» بوصفها حقيقة مؤقتة، لا نقصًا ينبغي أن تعتذري عنه.
كم مرة أُجبر الإنسان على اختراع جواب سريع كي لا يبدو ضعيفًا؟ يسألونه عن مستقبله فيرسم طريقًا لم يختره، وعن حزنه فيسمي سببًا قريبًا لأن السبب الحقيقي بعيد ومعقد، وعن الحب فيعد بما لا يستطيع فقط لأن الصمت يبدو قاسيًا. معكِ، لا أريد أن نملأ الفراغ بأي كلام. يمكننا أن نترك السؤال على الطاولة ليلة كاملة، وأن نعود إليه بعد نوم هادئ، أو بعد مشي طويل، أو بعد أن نعترف بأن ما ظنناه واضحًا لم يكن سوى عادة في التفكير.
اقترب المشرف يومها ليضبط المنظار على جرم آخر. دار السقف فوق رؤوسنا بصوت خافت، وتحرك الشق المفتوح حتى ظهرت قطعة مختلفة من الليل. ضحكتِ وقلتِ إن الغرفة نفسها لم تتحرك، لكن نافذتها غيرت السماء. احتفظتُ بهذه العبارة في داخلي؛ لأنها تشبه ما تفعله أسئلتكِ بي. أنتِ لا تهدمين عالمي حين تسألين، بل تحركين نافذته قليلًا، فأرى من الموضع نفسه جهة كانت محجوبة. وقد لا يعجبني كل ما يظهر، لكن الرؤية أصدق من راحة صنعتها زاوية واحدة.
لهذا لن أسخر من سؤال يبدو بسيطًا. أعرف أن الفضول يُجرح بسهولة؛ ضحكة واحدة في غير موضعها قد تجعل صاحبه يخبئ أسئلته سنوات. إذا سألتِ عن كلمة لا تعرفينها، فلن أستخدم معرفتي سلّمًا أقف فوقكِ عليه. وإذا عرفتِ ما أجهله، لن أقلل من شأنه كي أستعيد تفوقًا وهميًا. علّميني، وسأقول إنني تعلمت منكِ بلا حرج. لا أريد علاقة يتنافس فيها عقلان على من يبدو أكثر اكتمالًا؛ أريد عقلين يضع كل منهما ما يعرفه قرب الآخر، فتتسع الطاولة لهما معًا.
وقد تسألين سؤالًا يغيرنا. ماذا لو لم نعد نريد الخطة القديمة؟ ماذا لو كان ما نفعله يستهلكنا؟ ماذا لو احتاج أحدنا إلى طريقة مختلفة في القرب؟ لن أكره السؤال لأنه جاء في وقت غير مناسب. التوقيت المزعج لا يجعل الحقيقة أقل حقيقة. سننظر في ما يطلبه منا، ونفرّق بين نزوة عابرة وحاجة تأخرت في الكلام. وربما نخاف، وربما نختلف، لكنني أفضل بابًا يهتز تحت يد صادقة على جدار هادئ يخفي خلفه حياة لا تشبهنا.
أنا أيضًا سأحضر إليكِ بأسئلتي من غير أن أحولكِ إلى امتحان. سأسألكِ كيف كان يومكِ، ثم أتجاوز عناوينه إلى ما تركه فيكِ. سأسألكِ إن كان مزاحي خفيفًا عليكِ فعلًا، لا لأنني أبحث عن مديح. سأسألكِ إن كانت طريقتي في المساندة تساعدكِ أم تجعلني أشعر فقط أنني مفيد. وسأكرر السؤال بعد زمن، لأن الإجابات تتغير حين تتغير النفوس والظروف. ما كان يطمئنكِ قبل عام قد يرهقكِ الآن، والحب الذي لا يحدّث معرفته بمن يحب يتحول ببطء إلى ذكرى تتعامل مع إنسان حي.
حين جاء دوركِ مرة ثانية، أشار المشرف إلى كوكب تحيط به حلقة باهتة. نظرتِ طويلًا، ثم أفسحتِ لي الموضع. كانت العدسة منخفضة قليلًا، فعدلتِ ارتفاع المقعد قبل أن أجلس. رأيتُ نقطة واضحة في قلب العتمة، أصغر كثيرًا من الصور التي نعرفها، وأكثر حقيقة منها. قلتِ من خلفي: هل رأيته؟ لم تسأليني عن اسمه، ولا عن المسافة، بل عن فعل الرؤية نفسه. كأن المهم لم يكن أن نمتلك المعلومة، بل أن يمر الجمال من عين إلى أخرى من دون أن يضيع بينهما.
أريد أن أتعلم منكِ هذا النوع من المعرفة: المعرفة التي لا تجمع الحقائق لتتباهى بها، بل لتصير أكثر انتباهًا. أن أعرف ما يخيفكِ كي لا أدوسه، لا كي أحتفظ بخريطة لنقاط ضعفكِ. أن أعرف ما يفرحكِ كي أشاركه، لا كي أطالبكِ بالفرح كلما قدمته. أن أعرف ماضيكِ بالقدر الذي تختارين قوله، لا لأعيد تفسيركِ من خلاله في كل موقف. المعرفة في الحب مسؤولية؛ فما تكشفينه لي أمانة، وليس مادة أستدعيها عند الخصام لأفوز بجولة.
وهناك أشياء قد لا أملك حق السؤال عنها الآن. قربنا لا يمنحني مفتاح كل درج في روحكِ، ولا يجعل صمتكِ ملكًا مشتركًا. سأميز بين سؤال يفتح مساحة، وسؤال يقتحمها. إذا رأيتُكِ تتراجعين، لن أطاردكِ بفضولي، بل سأخبركِ أنني حاضر حين تختارين الكلام. أثق أن الحميمية لا تُقاس بعدد الأسرار التي أعرفها، بل بالأمان الذي تشعرين به وأنتِ تقررين ما تقولين وما تحتفظين به. ما تعطينه بحرية يصل إليّ حيًّا؛ وما أنتزعه بالضغط يصل مكسورًا.
وقد لا نجد جوابًا لبعض ما يؤرقنا. لماذا التقينا في هذا التوقيت؟ كيف ينجو حب من تغير الناس داخله؟ ما الذي يجعل يومًا عاديًا يبقى في الذاكرة، بينما تسقط منه مناسبات أعددنا لها كثيرًا؟ لا أريد أن أخترع حكمة لكل غموض. يكفيني أحيانًا أن نجلس قرب السؤال، كتفًا إلى كتف، ونعترف أن الحياة أوسع من فهمنا. ليس العجز عن التفسير فشلًا دائمًا؛ أحيانًا يكون تواضعًا يحفظ الأشياء من أن نشوهها بتفسير ضيق.
أطفأ المشرف المصباح الأحمر للحظة كي تصبح الرؤية أوضح. غابت وجوهنا، ولم يبقَ إلا الخط المفتوح في القبة والنقطة البعيدة داخل العدسة. مددتِ يدكِ في الظلام تبحثين عن حافة المقعد، فوجدتِ أصابعي بدلًا منها. لم تقبضي عليها بقوة؛ تركتِ يدكِ فوقها بخفة، كما لو أنكِ تقولين إن عدم المعرفة لا يعني أن نقف منفصلين. كان يمكن لتلك اللحظة أن تمر بلا معنى، لكنها أجابتني عن شيء لم أسأله بصوت: نعم، نستطيع أن نجهل الطريق كله ونؤنس الخطوة التالية.
بعد قليل أعيد الضوء، وبدا كل شيء عاديًا: المقعد المعدني، السلم، المعاطف المعلقة، والغبار على قاعدة المنظار. لكنكِ بقيتِ تنظرين إلى فتحة القبة. سألتِ المشرف سؤالكِ الأول، فشرح أن بعض ما نراه هو فعلًا ضوء انطلق منذ زمن، وأن النظر بعيدًا هو نوع من النظر إلى الماضي. أصغيتِ إليه بتركيز، ثم التفتِّ إليّ مبتسمة، لا لأن الإجابة أنهت دهشتكِ، بل لأنها منحتها اتجاهًا جديدًا. فهمتُ أن السؤال الجيد لا يموت حين يُجاب عنه؛ إنه يلد سؤالًا أكثر دقة.
أتمنى أن نبقى هكذا. لا نصل إلى مرحلة نظن فيها أننا عرفنا بعضنا وانتهى الأمر. أنتِ لستِ كتابًا قرأتُه مرة وحفظتُ حبكته. فيكِ صفحات تكتبها الأيام الآن، ومعانٍ ستتغير حين تعودين إليها، وأجزاء ربما لن أفهمها إلا بعد أن أتعلم لغة جديدة في الإصغاء. سأسألكِ من أنتِ اليوم، حتى لو نمتُ بالأمس إلى جواركِ. وسأترك لكِ حق أن تفاجئيني بإجابة لم تكن موجودة حين التقينا، من غير أن أتهمكِ بأنكِ خنتِ النسخة التي أحببتها أول مرة.
وأرجو أن تسأليني أنتِ أيضًا، لا أن تحفظيني في صورة قديمة. ربما أبدو واثقًا وأنا مرتبك، أو هادئًا وأنا أخفي ضجيجًا، أو منشغلًا بينما الحقيقة أنني لا أعرف كيف أطلب قربكِ. لا تمنحيني تفسيرًا نهائيًا لأنني رجل أو لأنني فعلت الشيء نفسه سابقًا. ناديني إلى الكلام. قد أتلعثم، وقد أحتاج إلى مراجعة جوابي، لكن سؤالكِ سيذكرني بأنني مرئي بصفتي إنسانًا قابلًا للفهم، لا دورًا يؤدي وظيفته ثم يصمت.
حين نزلنا من المرصد، كانت أضواء المدينة تحتنا كثيرة، حتى إن السماء بدت أقل ازدحامًا مما كانت في الداخل. مشيتِ بقربي وأنتِ تكررين المعلومة الجديدة بصوت خافت، ثم قلتِ إنكِ تحبين فكرة أن يصل شيء بعد رحلة طويلة. لم أحولها إلى استعارة، ولم أسألكِ ماذا تقصدين. تركتُ الجملة تمشي معنا كما هي. ليس كل كلام يحتاج إلى تحليل فوري؛ بعضه يريد رفيقًا فقط، وشاهدًا يحفظ نبرته حتى تتضح دلالته أو تبقى جميلة بلا تفسير.
فاسأليني، يا أنتِ، حين يلتبس عليكِ شيء بيننا. اسأليني حتى لو خشيتِ أن يهتز جواب قديم، وحتى لو لم تعرفي كيف تصوغين ما يضايقكِ. وسأسألكِ بحنان لا بفضول جائع، وأصغي من دون أن أفتش عن ثغرة. لن تكون قيمة حبنا في أن نملك جوابًا لكل شيء، بل في ألا يضطر أحدنا إلى حمل سؤاله وحيدًا. وإذا اتسعت فوقنا عتمة لا نعرف اسمها، سنغيّر موضع النافذة، وننظر معًا، ثم نقول بصدق لا يخجل: لا نعرف بعد، لكن بيننا بيتٌ للأسئلة، ولن تُطردي منه لأنكِ فتحتِ بابًا جديدًا.
للأسئلة بيتٌ بيننا
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً