الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

دهشتكِ تعيدني حيًّا

أذكر صباحًا دخلنا فيه سوق الأشياء المستعملة هربًا من مطر مفاجئ. لم نكن نبحث عن شيء، وكانت الممرات ضيقة ورائحتها خليطًا من الخشب القديم والقماش الرطب والقهوة التي يبيعها رجل عند الباب. مررتُ أمام طاولة مزدحمة بالساعات والمفاتيح من غير أن أتوقف، أما أنتِ فالتقطتِ كاميرا صغيرة تقشر جلدها الأسود، ورفعتِها نحو الضوء كأنكِ وجدتِ رسالة. سألتِ البائع إن كان ما يزال في داخلها فيلم لم يُحمّض، ثم قلتِ لي: «تخيل أن تكون آخر صورة التقطها شخص ما نائمة هنا منذ سنوات». لم أفكر في الكاميرا بالطريقة نفسها قبلكِ. كنت أراها غرضًا معطلًا؛ رأيتِ فيها لحظة لم تجد من ينظر إليها. ومنذ ذلك الصباح فهمت شيئًا عنكِ: أنتِ لا تمرين بالأشياء، بل تمنحينها فرصة ثانية كي تقول ما فيها.

أحب دهشتكِ لأنها ليست طفولة مصطنعة ولا محاولة لتجميل كل ما حولكِ. أنتِ تعرفين أن العالم قاسٍ، وتعرفين أن كثيرًا من القصص لا تنتهي كما نريد، ومع ذلك لا تسمحين للمعرفة أن تحولكِ إلى شخص لا يتوقع شيئًا. ما زلتِ تسألين لماذا اختار صاحب البيت نافذة زرقاء بين نوافذ بيضاء، ومن زرع الشجرة الوحيدة عند طرف موقف السيارات، وإلى أين يسافر الرجل الذي يحمل حقيبة خضراء كل خميس. لا تبحثين دائمًا عن إجابة؛ أحيانًا يكفيكِ أن تتركي السؤال مفتوحًا. وهذا ما يدهشني فيكِ أكثر: أنكِ لا تعاملين الغموض كعدو يجب القضاء عليه، بل كمساحة يتنفس فيها الخيال.

قبل أن أعرفكِ، كنت أظن أن النضج يعني أن يقل اندهاشنا. كنت أمر بالطرق نفسها فلا أرى إلا الإشارة والازدحام والوقت الذي أخسره. أتناول قهوتي من غير أن أعرف رائحتها، وأسمع أغنية أحببتها قديمًا فلا أتوقف عند الكلمة التي كانت تحركني. ظننت أن الاعتياد ثمن طبيعي ندفعه كي نصير أكثر عقلًا. ثم جئتِ أنتِ، لا لتعيديني طفلًا، بل لتذكريني بأن الانتباه ليس سذاجة. صرت بسببكِ أرى الضوء حين ينعكس من نافذة سيارة على جدار بعيد، وألاحظ أن رائحة الشارع تختلف بعد أول دقيقة من المطر، وأتساءل عمّن يضع الكتب الصغيرة في صندوق التبادل قرب الحديقة. لم يتغير العالم فجأة؛ الذي تغير أنني لم أعد أعبره وعيناي نصف مغلقتين.

يعجبني حين تسألين سؤالًا لا أعرف جوابه، ثم تنتظرين من غير أن تنقذيني من جهلي. لا تجعلين المعرفة استعراضًا، ولا تتعاملين مع الخطأ كفضيحة. قد نختلف في تفسير فيلم، أو في سبب تصرف شخص، أو في معنى جملة قرأناها، فتدافعين عن رأيكِ بحيوية ثم تضحكين إذا اكتشفتِ أنكِ نسيتِ تفصيلًا مهمًّا. أحب أنكِ تستطيعين تغيير رأيكِ من دون أن تشعري بأنكِ خسرتِ نفسكِ. كثيرون يتمسكون بالإجابة القديمة لأن التراجع يجرح صورتهم، أما أنتِ فتبدين لي أقوى حين تقولين: «لم أفكر فيها هكذا». في تلك العبارة باب، وأنا أحب الأبواب التي تفتحينها في حديثنا.

ولا أريد لفضولكِ أن يكون شيئًا أستفيد منه أنا وحدي. لا أريد أن أحب الأسئلة ما دامت تجعل أيامي أكثر إثارة، ثم أضيق بها حين تتجه نحوي. من حقكِ أن تسأليني لماذا صمتُّ، ولماذا غيرت كلامي، وما الذي أخشاه، وهل أعيش بالطريقة التي أقول إنني أؤمن بها. قد تكون أسئلتكِ عني أصعب من أسئلتكِ عن الكاميرا القديمة والنافذة الزرقاء، لأنها ترفع الأشياء التي أخفيها تحت العادة. ومع ذلك، أريد ألا أعاقبكِ على رغبتكِ في الفهم، وألا أصف سؤالكِ بالمبالغة لمجرد أن الإجابة تحرجني. القرب الذي لا يسمح بالسؤال يتحول إلى غرفة مرتبة لا يجوز فتح أدراجها، وأنا لا أريد بيننا جمالًا مبنيًّا على ما نخشى لمسه.

أحب أيضًا طريقتكِ في ملاحظة الناس. في المقهى تنتبهين إلى النادلة التي تعتذر كثيرًا، وتسألينها بهدوء إن كان يومها متعبًا بدل أن تزيدي عليها استعجالًا. في الحافلة ترين الرجل الذي يترك المقعد الأقرب للباب فارغًا لزوجته قبل أن تصعد. وحين يحدثكِ شخص، لا تنتظرين فقط اللحظة التي يأتي فيها دوركِ لتتكلمي؛ تنظرين إليه كأن كلماته وصلت فعلًا. هذه القدرة ليست تفصيلًا رقيقًا فحسب، بل شجاعة، لأن رؤية الآخرين تعني أن يصير تجاهلهم أصعب. أحيانًا تعودين من لقاء قصير وقد حملتِ همًّا ليس لكِ، فأخاف عليكِ من التعب. لكنني لا أريد أن أطلب منكِ القسوة كي أحميكِ. أريد أن أساعدكِ على وضع حدود تحفظ قلبكِ من دون أن تغلقه.

وقد لا تعرفين أن فضولكِ يجعلني أشعر بأنني مرئي بطريقة جديدة. لا تكتفين بالسؤال عن عملي أو إن كان يومي جيدًا. تسألين عن اللحظة التي غيرت مزاجي، وعن الجملة التي بقيت في رأسي، وعن سبب احتفاظي بغرض لا أستعمله. تسألينني أحيانًا عن ذكرى لم أحدث بها أحدًا، فأجدها تخرج من مكان بعيد وكأنها كانت تنتظر صياغتكِ أنتِ. ومعكِ لا تبدو التفاصيل الصغيرة سخيفة. أستطيع أن أخبركِ أن كوبًا انكسر فضايقني لأنه كان هدية، أو أن رائحة معينة أعادتني إلى بيت قديم، من دون أن أبرر لماذا يستحق الأمر كلامًا. أنتِ لا تعطينني أجوبة جاهزة؛ تمنحينني مكانًا أسمع فيه إجابتي.

أعرف أن كثرة الانتباه قد تؤلمكِ أحيانًا. من يرى التفاصيل يرى الشقوق كذلك؛ يلاحظ تغير النبرة، والرسالة التي صارت أقصر، والابتسامة التي جاءت متأخرة. وقد تقضين وقتًا في محاولة فهم ما لم يقله الآخرون، حتى تحملين احتمالات كثيرة لا تخصكِ. في تلك اللحظات أتمنى أن أكون واضحًا معكِ، لا لغزًا آخر يستهلك قلبكِ. إذا كنت متعبًا سأقول إنني متعب، وإذا احتجت إلى وقت سأطلبه من دون أن أترككِ تفتشين في صمتي عن خطأ ارتكبتِه. حبّي لكِ ينبغي ألا يحوّل ذكاءكِ إلى جهاز إنذار يعمل طوال الليل. أريدكِ أن تشعري بأنكِ لستِ مضطرة إلى قراءة ما بين سطوري كي تعرفي مكانكِ عندي.

وحين تتعب دهشتكِ، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبقى متوهجًا دائمًا، لن أطالبكِ باستعادتها من أجلي. قد يأتي يوم لا يعنيكِ فيه المطر، ولا تلتفتين إلى طائر يقف على السلك، ولا تريدين سماع قصة الغرض القديم. قد تكونين مثقلة إلى درجة يصبح معها العالم مجرد قائمة يجب إنهاؤها. سأحبكِ يومها أيضًا. سأحمل القهوة، وأمشي إلى جواركِ من دون أن أشير إلى الغيم، وأحرس لكِ حقكِ في ألا تندهشي. الدهشة التي أحبها فيكِ ليست خدمة تقدمينها لي ولا صفة يجب أن تثبتيها كل صباح؛ إنها جزء حر منكِ، يظهر ويغيب، وأنا لا أريد أن أجعله واجبًا.

أتخيل أننا اشترينا تلك الكاميرا القديمة من السوق. نجلس مساءً إلى طاولة صغيرة قرب النافذة، وبيننا علبة الفيلم المعدنية. يكون الضوء خافتًا كيلا نفسد الصور، وتضعين قفازات رقيقة وأنتِ تفكين الغطاء بحذر. أراقب وجهكِ لا الفيلم؛ ذلك التركيز الذي يجمع حاجبيكِ، والفرح الصغير حين تتحرك قطعة ظنناها عالقة. ربما نكتشف أن الفيلم فارغ، أو تالف، أو أن الصور لا تخص حكاية عظيمة: طفل أمام دراجة، امرأة تسقي نباتًا، رجل يلوح لشخص خارج الإطار. ستتأملينها مع ذلك، لأنكِ تعرفين أن العادي كان حياة كاملة لمن عاشه. وسأفهم وأنا أنظر إليكِ أن الحب نفسه يشبه تحميض الصور؛ لا يصنع اللحظة، لكنه يمنح ما وقع في الضوء فرصة أن يظهر.

لن نبحث عن أصحاب الصور كي نصنع مغامرة من خصوصيتهم. سنحفظها باحترام، وربما يعيد البائع الكاميرا إلى عائلتها إن عرفها. يعجبني أن دهشتكِ لا تلغي الحدود، وأن فضولكِ، حين يكون في أجمل صوره، ليس رغبة في امتلاك أسرار الناس بل في الاعتراف بأن لهم أسرارًا. أنتِ تذكرينني أن كل وجه نمر به يحمل عالمًا لا نراه، وأن عدم معرفتنا به لا يجعله أقل حقيقة. لهذا تصيرين أكثر رحمة لا أكثر حكمًا كلما فهمتِ شيئًا جديدًا.

وأنا أريد أن أبقى موضوعًا حيًّا لفضولكِ، لا كتابًا تظنين أنكِ أنهيتِه. لا لأنني أخبئ عنكِ أسرارًا، بل لأن الإنسان لا ينتهي عند نسخة واحدة. اسأليني بعد أعوام عمّا أحبه؛ قد تتغير الإجابة. اسأليني عن خوفي، وعن معنى النجاح عندي، وعن الشيء الذي أريد تعلمه. وسأسألكِ أنا أيضًا، من دون أن أفترض أن قربنا يمنحني معرفة نهائية بكِ. سأتعلمكِ في كل مرحلة كما تتعلمينني، ونترك لبعضنا حق المفاجأة. أسوأ ما يمكن أن يفعله الاعتياد هو أن يقول أحدنا للآخر: «أنا أعرفك»، ثم يتوقف عن الإصغاء.

ربما لهذا أحب الحديث معكِ حتى حين لا نصل إلى نتيجة. أحب الطرق الجانبية التي تأخذنا إليها جملة عابرة، والسكوت الذي يأتي لأننا نفكر، والضحكة التي تقطع فكرة جادة من دون أن تفسدها. لا أحتاج في كل مرة إلى اتفاق. يكفيني أن أشعر بأن عقلين التقيا ولم يحاول أحدهما أن يصغر الآخر. معكِ أتعلم أن المحادثة ليست مسابقة على آخر كلمة، بل مكان يمكن أن ندخل إليه بفكرتين ونخرج منه بشيء لم يكن يملكه أي منا وحده.

حين أتذكر صباح السوق، لا أعرف إن كانت الكاميرا تحتوي فعلًا فيلمًا. ربما لم نسأل البائع، وربما شغلنا المطر عن العودة إليها. لكن السؤال الذي قلتِه بقي معي أكثر من الغرض: ماذا لو كانت هناك صورة تنتظر منذ سنوات أن يراها أحد؟ أظن أن في كل إنسان صورًا كهذه، أجزاء لم تجد الضوء المناسب بعد. أنتِ لا تنتزعينها بالقوة؛ تقتربين منها برفق، وتسألين، ثم تنتظرين. وقد فعلتِ ذلك معي أكثر مما تعرفين. أظهرتِ لي مساحات في نفسي كنت أمر بها كما مررتُ أنا بتلك الطاولة: أراها قديمة أو معطلة ولا أتوقف.

لهذا أشكركِ على الأسئلة التي لم تجدي لها جوابًا، وعلى الطرق التي تأخرنا فيها لأن شيئًا صغيرًا ناداكِ، وعلى كل مرة قلتِ فيها «انظر» فرأيتُ ما كان أمامي منذ البداية. لا أعدكِ بأنني سأنتبه دائمًا؛ قد أستعجل، أو أتعب، أو أجيبكِ بجملة أقصر مما يستحق سؤالكِ. لكنني أريد أن أبقى قابلًا للاستيقاظ حين تلمسين كتفي، وقابلًا للاعتذار حين أمر بالحياة كأنها ممر يجب إنهاؤه. أنتِ لا تضيفين إلى أيامي أحداثًا أكثر، بل تضيفين حضورًا أكثر. وبفضلكِ صار العالم، حتى في أكثر أجزائه عادية، أقل صمتًا.

وإذا سألني أحد يومًا ما الذي أحببته فيكِ، فلن أكتفي بعينيكِ أو ضحكتكِ، مع أنني أحبهما. سأقول إنني أحببت الطريقة التي تنظرين بها قبل أن تحكمي، والطريقة التي تتركين بها مكانًا لاحتمال آخر، والطريقة التي تجعلين غرضًا منسيًّا يستعيد حكايته. سأقول إنكِ لم تأخذي بيدي إلى عالم جديد، بل أعدتِ فتح العالم الذي كنت أعيش فيه مغلقًا. وحين رفعتِ الكاميرا القديمة نحو ضوء السوق وسألتِ عن الصورة النائمة في داخلها، لم تكوني تعرفين أنكِ رفعتِ قلبي معها قليلًا. منذ ذلك اليوم، كلما رأيتكِ تتوقفين أمام تفصيل لا يراه غيركِ، أشعر أن شيئًا فيّ يعود إلى الضوء، وأن دهشتكِ، من دون أن تقصد، تعيدني حيًّا.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً