الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

أتعلمكِ كل مرة

أفكر أحيانًا في تلك العبارة التي يقولها الناس بعد سنوات من القرب: «أنا أعرفكِ جيدًا». تبدو العبارة مطمئنة، لكنها تخيفني قليلًا حين تتحول المعرفة إلى حكم نهائي، كأن الإنسان كتاب انتهت صفحاته، أو بيت حُفظت غرفه فلم يعد أحد ينتبه إلى الأبواب الجديدة. أنا لا أريد أن أعرفكِ بهذه الطريقة. أريد أن أبقى قريبًا بما يكفي لألاحظكِ، ومتواضعًا بما يكفي لأفهم أن فيكِ أشياء تتغير، وأن ما أحببتِه بالأمس قد لا يشبهكِ غدًا، وأن حقي في محبتكِ لا يمنحني حق اختصار عالمكِ في نسخة قديمة منكِ.

لهذا أحب أن أتعلمكِ كل مرة. لا أتعلمكِ كما تُحفظ قائمة من العادات: قهوتكِ، لونكِ المفضل، الموعد الذي تنامين فيه، والأغنية التي تعيدينها. هذه التفاصيل جميلة، وأنا أحفظ كثيرًا منها من غير قصد، لكنكِ أوسع منها. أتعلمكِ حين يتغير رأيكِ في أمر كنتِ واثقة منه، وحين تتوقفين عن الدفاع عن شيء استنزفكِ، وحين تكتشفين رغبة لم تقوليها من قبل. أتعلم الفرق بين صمتكِ حين تكونين هادئة وصمتكِ حين يتراكم في صدركِ كلام لا يجد طريقه، وأقاوم إغراء أن أفسر الاثنين بتفسير واحد لأن ذلك أسهل لي.

قد أسألكِ عن يومكِ، فتجيبين بكلمة قصيرة. في الماضي ربما كنت سأظن أنني فهمت: أنتِ متعبة، وانتهى الأمر. أما الآن فأعرف أن التعب له وجوه كثيرة. ربما أتعبكِ موقف صغير ظل يرن في رأسكِ، أو قرار اتخذته امرأة أخرى وأعاد إليكِ ذكرى، أو سؤال عن المستقبل لم تعرفي كيف تجيبين عنه. وربما لا يكون وراء الكلمة شيء يحتاج إلى التنقيب؛ ربما تريدين فقط أن تضعي رأسكِ على الوسادة وتتركي اليوم ينطفئ. محبتي لا تعني أن أفتش داخلكِ كلما سكتِّ، بل أن أسألكِ بلطف، ثم أحترم الباب إن قلتِ إنكِ لا تريدين فتحه الآن.

أريدكِ أن تعرفي أن تغييركِ لا يهددني. إذا صرتِ أكثر جرأة مما عرفتكِ، فلن أقول إنكِ لم تعودي المرأة نفسها. وإذا أصبحتِ أهدأ، أو أقل احتمالًا لأشياء كنتِ تمررينها، فلن أتهمكِ بالقسوة. الإنسان لا يتغير دائمًا لأنه ضل الطريق؛ أحيانًا يتغير لأنه وجده. وربما تكبر فيكِ حدود لم تكن واضحة، أو تنسحب منكِ رغبة في إرضاء الجميع، أو يصبح وقتكِ أثمن في عينيكِ. سأتعلم هذا كله، لا بصفتي مراقبًا يسجل التحولات، بل شريكًا يسأل نفسه أيضًا: ما الذي ينبغي أن يتغير في طريقتي كي أظل قريبًا منكِ من دون أن أطلب منكِ الرجوع إلى الوراء؟

وأنا لا أطلب منكِ أن تشرحي كل نسخة جديدة فور ظهورها. بعض التحولات تحتاج زمنًا حتى يفهمها صاحبها. قد تشعرين بشيء ولا تجدين له اسمًا، وقد تقولين اليوم ما تتراجعين عنه غدًا، لا لأنكِ متقلبة، بل لأنكِ تحاولين. لن أمسك كلماتكِ الأولى كوثيقة ضدكِ. سأمنحكِ المساحة التي أتمنى أن تمنحيني إياها حين أكون أنا أيضًا بين فكرتين، أو حين أحتاج إلى هدم إجابة قديمة وبناء أخرى. فالحب الذي لا يسمح بالتجربة يتحول ببطء إلى قاعة امتحان، وأنا أريد علاقتنا مكانًا يمكننا فيه أن نفكر بصوت مسموع من دون خوف من الرسوب.

ثمة أشياء صغيرة تخبرني أنكِ لا تزالين تفاجئينني. نبرة حنان في صوتكِ وأنتِ تتحدثين عن شخص ظننت أنكِ لا تحتملينه. ضحكة تأتيكِ في وقت رسمي فتضعين يدكِ قرب فمكِ كي تخفيها. غضبكِ من ظلم لا يمسكِ مباشرة، وإصراركِ على أن تسمعي الطرف الذي تجاهله الجميع. وحتى الطريقة التي ترتبين بها أفكاركِ حين نختلف؛ تبدأين من نقطة بعيدة، ثم تصلين فجأة إلى الجملة التي كانت مختبئة تحت كل ما قلتِ. هذه ليست ألغازًا أريد حلها. إنها دلائل على أنكِ حية، معقدة، ومتجددة، وأن القرب الحقيقي لا يلغي الدهشة بل يجعلها أدق.

أعرف أن الألفة قد تجعل الإنسان كسولًا. يبدأ بالتنبؤ بدل الإصغاء، وبإكمال جملة الآخر قبل أن تنتهي، وبالقول: «أنتِ دائمًا تفعلين كذا»، كأن كلمة «دائمًا» لا تترك منفذًا للإنصاف. أريد أن أنتبه إلى هذا الكسل قبل أن يسكن بيننا. إن بدأتِ تحكين لي قصة أعرف بعض تفاصيلها، فسأحاول ألا أسرع إلى نهايتها؛ ربما ما تريدين قوله هذه المرة مختلف. وإن سألتكِ عن رأيكِ، فلن أجيب نيابة عنكِ لأنني سمعت جوابًا مشابهًا قبل عام. أنتِ لا تدينين لي بالثبات كي يسهل عليّ فهمكِ، وأنا لا أريد علاقة مريحة على حساب حقيقتكِ.

ربما لهذا أحب الرحلات الطويلة معكِ، لا لأنها تأخذنا إلى أماكن بعيدة، بل لأنها تمنح الحديث وقتًا لا يقاطعه الوصول السريع. في قطار يمضي بين مدن لا نعرفها، أو سيارة يسكنها ضوء آخر النهار، تتساقط الأسئلة من دون ترتيب: ما الشيء الذي كنتِ تتمنين أن يفهمه الكبار عنكِ حين كنتِ صغيرة؟ أي حياة كنتِ ستختارين لو لم تخشي خيبة أحد؟ ما العادة التي تريدين تركها، وما الصفة التي تخافين أن تفقديها؟ لا أسألكِ لأجمع معلومات، بل لأن صوتكِ حين يفتش عن جواب يقرّبني منكِ أكثر من أي إجابة جاهزة.

وأحب كذلك أحاديثنا التي لا تنتج قرارًا. تلك التي ننتقل فيها من ذكرى بعيدة إلى فكرة غريبة، ثم نكتشف أن الوقت مضى من غير أن نصل إلى خلاصة. لا ينبغي لكل حوار أن يحل مشكلة أو يرسم خطة. أحيانًا يكفيني أن أعرف كيف يتحرك ذهنكِ حين يكون حرًا، وما الصورة التي تتوقفين عندها، ولماذا تذكركِ رائحة عابرة بمساء قديم. في هذه المساحات التي لا يطلب منا فيها أحد أن نكون عمليين، أشعر أنني لا أسمع أخباركِ فقط، بل أرافق الطريقة التي تصنعين بها معنى أيامكِ. وحين أختلف مع هذا المعنى، لا ينقص فضولي؛ بل أتذكر أن الحب لا يطلب تطابق عقلين، وإنما شجاعة بقائهما مفتوحين للحوار.

وسأخبركِ أنا أيضًا. لن أجعلكِ وحدكِ موضوع المعرفة بينما أبقى خلف أسئلة آمنة. سأقول لكِ ما يحرجني، وما غيّرني، وما أخفيه أحيانًا تحت المزاح. سأعترف حين لا أعرف لماذا انزعجت، وحين تكون غيرتي خوفًا لا دليلًا، وحين أحتاج إلى طمأنة ولا أريد أن أطلبها بطريقة ملتوية. لا عدل في علاقة يطالب فيها الرجل بأن تُقرأ المرأة بوضوح، ثم يفاخر بأنه غامض. أريدكِ أن تتعلميني كما أتعلمكِ، وأن نمنح بعضنا حق السؤال وحق التأجيل وحق الإجابة التي لم نتوقعها.

إذا أخطأتُ في فهمكِ، صححي لي الصورة. قولي: «هذا ليس ما قصدته»، وسأحاول ألا أدافع عن تأويلي كأنه أكثر صدقًا من كلامكِ. أعرف كم يؤلم أن يقرر شخص نيابة عنا ما نشعر به، ثم يطلب منا الاعتراف بصحة قراره. لذلك لا أريد أن أقول لكِ إنكِ غاضبة حين تقولين إنكِ مجروحة، أو إنكِ حساسة حين تكون العبارة جارحة فعلًا، أو إنكِ لا تعنين قراركِ لمجرد أنه لا يناسب ما توقعته. قد أرى شيئًا غاب عنكِ، وقد ترين أنتِ ما غاب عني، لكن الحوار بيننا ينبغي أن يكون نافذة متبادلة، لا مرآة أضعها أمامكِ وأصر أنها الحقيقة الوحيدة.

وأعدكِ أنني لن أستخدم معرفتي بكِ سلاحًا في الخصام. ما تقولينه في الأمان سيبقى في الأمان. لن أستدعي خوفًا قديمًا لأربح جملة، ولن ألمس موضعًا أعرف أنه يؤلمكِ لأنني عاجز عن التعبير عن ألمي. القرب يمنحنا مفاتيح كثيرة؛ بعض الناس يظنون أن امتلاك المفتاح يبرر فتح كل باب، لكن المحبة عندي هي أن أعرف الباب الذي لا أدخله إلا بإذنكِ، والسر الذي لا أخرجه إلى الضوء حتى لو اشتد بيننا الغضب. الثقة ليست أن أعرف ضعفكِ، بل أن يظل ضعفكِ آمنًا بعدما أعرفه.

لن تكون معرفتنا كاملة، وهذا يريحني. ستبقى فيكِ حديقة داخلية لا أصل إلى أطرافها كلها، وستبقى فيّ طرق لم أمشها بعد. لا يعني ذلك أن بيننا مسافة باردة؛ يعني أن لكل واحد منا روحًا لا تذوب في الآخر. أحب أن يكون لكِ ركنكِ الخاص، صداقاتكِ، أفكاركِ التي تنضج بعيدًا عني، ووقت لا يكون دوري فيه أن أملأه. وحين تعودين وتحكين، أريد أن أصغي إلى ما اخترتِ مشاركته بفرح، لا أن أحاسبكِ على ما احتفظتِ به. فالحميمية ليست إلغاء الخصوصية، بل أن نعود من مساحاتنا ونحن نثق بأن اللقاء لا يحتاج إلى تفتيش.

قد نكبر معًا سنوات، وتتغير أجسادنا وإيقاعاتنا وأحلامنا. ربما تصبح صباحاتنا أبطأ، وربما ننشغل بأمور لا نستطيع تخيلها الآن. أتمنى ألا أنظر إليكِ يومها بعين الذاكرة وحدها. لا أريد أن أحب صورتكِ في البدايات أكثر مما أحب المرأة التي ستكونينها بعد كل ما ستتعلمينه وتفقدينه وتنجين منه. سأذكر تفاصيلنا الأولى بحنان، لكنني لن أجعلها معيارًا أقيس به حاضرنا. الحنين جميل حين يدفئ البيت، ومؤذٍ حين يطلب من أهله أن يعيشوا فيه إلى الأبد.

وأتمنى أن نحتفظ بعادة بسيطة: أن نسأل بعضنا من حين إلى آخر، بصدق لا بروتين، كيف أصبحت الآن؟ ليس: كيف كان يومكِ فقط، بل كيف صرتِ بعد هذه الأيام كلها؟ ما الذي يثقل قلبكِ هذه الفترة؟ ما الذي يفرحكِ ولا يجد وقتًا؟ هل ما زالت أحلامكِ تحمل الأسماء نفسها؟ ربما تكون الإجابات قصيرة، وربما تفتح ليلًا كاملًا من الحديث. المهم ألا نفترض أن القرب القديم يعفينا من اللقاء الجديد.

أنا أحب ما أعرفه عنكِ: طريقتكِ في العناية، وذكاءكِ حين تربطين أشياء تبدو متباعدة، ونفاد صبركِ حين يتكرر الخطأ نفسه، ورقتكِ التي تحاولين إخفاءها كيلا يستغلها أحد. وأحب أيضًا ما لم أعرفه بعد. أحب احتمالاتكِ، والأسئلة التي ستصلين إليها، والآراء التي ستغيرينها، والضحكات التي لم أسمعها، والمواقف التي ستكشف فيكِ قوة أو لينًا جديدين. لا أنتظر أن تصبحي امرأة أخرى؛ أنا فقط لا أغلق الباب أمام المرأة التي تنمو فيكِ الآن.

لهذا لن أقول إنني حفظتكِ وانتهيت. سأقول إنني اخترت أن أبقى منتبهًا. سأقترب من يومكِ بفضول رحيم، ومن صمتكِ باحترام، ومن تحولكِ بثقة. وإذا ظننت يومًا أنني عرفتكِ تمامًا، فسأتوقف وأطرح سؤالًا جديدًا، لا لأختبركِ بل لأذكّر قلبي أنكِ لستِ فكرة أملكها. أنتِ إنسانة ألتقيها، مرة بعد مرة، وكل لقاء يمنحني سببًا مختلفًا للمحبة. وما أجمل أن يمضي العمر بي إلى جواركِ من دون أن تنتهي الدهشة، وأن أنظر إليكِ بعد كل هذا القرب فأشعر، بطمأنينة لا تشبه الجهل، أنني ما زلت أتعلمكِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً