الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

اسمكِ آمنٌ عندي

كانت القاعة مزدحمة ذلك المساء، مع أن المعرض نفسه بدا هادئًا. لوحات كبيرة معلقة على جدران إسمنتية، ومصابيح صغيرة تسكب ضوءها فوق الألوان، وأصوات تتقاطع من دون أن يستقر حديث طويل بين اثنين. كنتِ إلى جواري في البداية، تقتربين من كل لوحة بما يكفي لتري أثر الفرشاة، ثم تعودين خطوة كأنكِ تريدين للصورة أن تتنفس. وحين اهتز هاتفكِ، أشرتِ إلى الباب الجانبي وقلتِ إنكِ ستخرجين دقائق لتجيبي، ثم تركتِ كوبكِ قرب النافذة ومضيتِ.

بعد خروجكِ، اقترب منا رجل تعرفينه معرفة عابرة. بدأ حديثه عن المعرض، ثم انتقل إليكِ بسهولة لم أحبها. قال إنه يعرف عنكِ حكاية طريفة، وذكر حادثة قديمة سمحتِ له يومًا أن يرى طرفًا منها، قبل أن يضيف إليها ما يجعلها أصلح للضحك. ابتسم شخصان حوله استعدادًا لسماع البقية. كان يستطيع أن يكمل، وكان بوسعي أن أساير المجلس بضحكة باهتة كي لا أبدو حساسًا. لكنني رأيت اسمكِ واقفًا وحده في الغرفة، بلا صاحبة تدافع عن معناه.

قلتُ له بهدوء إن الحكاية ليست لنا، وإن غيابكِ لا يحولها إلى ملك عام. حاول أن يخفف الأمر، فقال إنه يمزح وإنكِ لن تنزعجي. سألته كيف عرف ذلك وأنتِ لستِ هنا لتقولي رأيكِ. لم أرفع صوتي، ولم أحول الموقف إلى استعراض بطولة. كل ما فعلته أنني أوقفت الجملة عند الحد الذي لم يعد بريئًا. تغيّر الحديث، وانشغل الآخرون بلوحة قريبة، وبقي كوبكِ قرب النافذة كما تركتِه، كأن شيئًا لم يحدث.

لم أكن أعلم أنكِ عدتِ في اللحظة نفسها ووقفتِ خلف الستارة الثقيلة عند المدخل. لم أركِ، ولم أتخيل أنكِ سمعتِ. وهذا بالضبط ما جعل الأمر صادقًا حين أخبرتِني لاحقًا. لو عرفتُ أنكِ قريبة، لربما اختلط الدفاع برغبتي في أن تريني جيدًا. أما وأنتِ غائبة في ظني، فلم يكن هناك تصفيق أنتظره، ولا امتنان أطالب به. كان هناك فقط حد أعرفه: أن الاسم الذي ائتمنني على قربه لا يصبح مادة خفيفة حين يغادر صاحبه الغرفة.

أريدكِ أن تطمئني إلى هذا في محبتنا. لن تكوني مضطرة إلى الحضور في كل مجلس كي تحمي نفسكِ من النسخة التي قد يصنعها الآخرون عنكِ. إذا ذُكرتِ أمامي، فلن أسمح أن تختصرَكِ نكتة، أو أن يتحول ضعف شاركتِه في أمان إلى طرفة يسهل تداولها. لن أبيع قربنا مقابل إعجاب عابر، ولن أروي سرًّا صغيرًا فقط لأنني أجيد صياغته ولأن المستمعين سيحبون الحكاية. ما أعرفه عنكِ ليس رصيدًا اجتماعيًا أنفقه كي أبدو ممتعًا.

ثمة أشياء تقولينها لي وأنتِ مطمئنة لأن بيننا بابًا مغلقًا. خوف قديم لا يعرفه أحد، موقف تخجلين من سوء تقديركِ فيه، رأي لم يكتمل بعد، أو تفصيل عائلي لا تريدين له أن يغادر مكانه. هذه الأشياء لا تصبح حقي لأنها وصلت إليّ. المعرفة ليست ملكية، والحميمية لا تمنح تصريحًا دائمًا بالنشر. سأحفظ ما قلتِه في الظروف التي قلتِه فيها، ولن أقتطع منه جملة أستخدمها خارج سياقها، ثم أبرر فعلتي بأنني لم أذكر اسمكِ صراحة.

حتى في خلافنا، سيبقى اسمكِ آمنًا عندي. أعرف إغراء أن يذهب الإنسان إلى من يحبونه، فيروي النزاع من الزاوية التي تجعله بريئًا كاملًا، ويجمع حوله محكمة غائبة لا تسمع الطرف الآخر. قد أحتاج إلى نصيحة، وقد أطلب مساعدة ممن أثق بحكمتهم، لكنني لن أعرّيكِ كي أرتاح. سأذكر ما يلزم لفهم المشكلة، لا كل ما أعرفه عن هشاشتكِ. ولن أصنع من غضبي نسخة مشوهة منكِ، ثم أطالبكِ لاحقًا بأن تجلسي بودّ مع الذين صدقوها.

وحين نتصالح، لن أترك صورتكِ مكسورة في المجالس التي شكوتكِ فيها. إذا قلتُ عنكِ كلامًا ناقصًا في لحظة ألم، فمن مسؤوليتي أن أعود وأكمل الحقيقة، لا أن أكتفي بإصلاح ما بيننا سرًّا. فالكلمات لا تختفي لأن قائلها هدأ؛ إنها تبقى في أذهان من سمعوها وتؤثر في الطريقة التي يستقبلونكِ بها. سأكون حذرًا قبل أن أتكلم، وإذا أخطأتُ فسأصلح الأثر حيث صنعته. الاعتذار لكِ لا يعفيني من تنظيف الطريق الذي سيمر عليه اسمكِ بعد ذلك.

لكن أمان اسمكِ لا يعني أنني سأحوّلكِ إلى قديسة لا تخطئ. إذا ظلمتِ أحدًا، لن أصف الظلم بأنه سوء فهم لأنني أحبكِ. وإذا سُئلتُ عن أمر أعرف حقيقته، لن أكذب كي أحمي صورة زائفة. الوفاء ليس تزويرًا للواقع؛ هو أن أقول الحقيقة بعدل، من دون شماتة أو مبالغة، وأن أناقشكِ أولًا حين يكون ذلك ممكنًا. سأقف مع كرامتكِ، لا مع كل تصرف يصدر منكِ. لأن الحب الذي يصفق للخطأ يترك محبوبه يسير نحو حفرة وهو يظن التصفيق دليل طريق.

وأريد منكِ الأمان نفسه لاسمي. لا تجعلي عيوبي مادة تبرهنين بها لصديقاتكِ أنكِ الأكثر صبرًا، ولا تروي لحظات ضعفي بنبرة محبة بينما التفاصيل نفسها تنزع عني ستري. إذا احتجتِ أن تتكلمي، فاختاري من يعرف كيف يصون الكلام، وامنحيني في روايتكِ القدر الذي تحبين أن أمنحكِ إياه في روايتي. لستُ أطلب عزلة تجعل علاقتنا مغلقة عن أي مساعدة، بل أطلب وعيًا بأن الشكوى قد تنتهي، بينما الانطباع الذي صنعته عني ربما يبقى طويلًا.

بعد أن هدأت القاعة، عدتِ إلى جواري ولم تذكري شيئًا. أخذتِ كوبكِ، واكتشفتِ أن الثلج ذاب فيه، ثم طلبتِ أن نكمل الجولة. رأيتكِ تتوقفين أمام لوحة فيها مساحة زرقاء واسعة يتوسطها خط نحاسي رفيع. قلتِ إن الخط يبدو هشًّا، لكنه الشيء الوحيد الذي يمسك اللونين بعيدين عن الفوضى. لم أفهم آنذاك أنكِ كنتِ تفكرين في الجملة التي سمعتِها خلف الستارة. ظننتُه تعليقًا على اللوحة، فهززت رأسي ومشيتُ معكِ.

في طريق العودة، أخبرتِني. لم تقولي: شكرًا لأنك دافعت عني، بل قلتِ عبارة أصابتني في مكان أعمق: ارتحتُ لأنك كنتَ الشخص نفسه وأنا غائبة. بقيت الجملة بيننا في السيارة، أكبر من الموقف الذي ولدها. فهمتُ أن الثقة لا تُبنى فقط مما نفعله أمام من نحب، بل مما نرفض فعله حين لا يستطيع رؤيتنا. فالأمان الحقيقي ليس بابًا يبدو متينًا من الداخل؛ هو باب يظل مغلقًا أيضًا حين يخرج صاحب البيت ولا يبقى من يراقب المفتاح.

أريد أن تتطابق نسختي معكِ ونسختي بعيدًا عنكِ. لن أمدحكِ في وجهكِ ثم أشتري القبول في غيابكِ بتقليل شأنكِ. لن أقول أمامكِ إن طموحكِ يملأني فخرًا، ثم أصفه للآخرين بأنه انشغال زائد لأن نجاحكِ أربكني. ولن أبتسم لاستقلالكِ بيننا، ثم ألمح في مجلس إلى أنكِ صعبة أو باردة لأنكِ لا تدورين حولي. ما لا أقدر على قوله لكِ باحترام، ينبغي ألا أقوله عنكِ طلبًا لتحالف رخيص.

وسأنتبه إلى المزاح، فهو أكثر الأبواب التي تعبر منها القسوة وهي ترتدي وجهًا مألوفًا. أعرف أن بيننا مواقف مضحكة، وأن الضحك على ارتباكنا قد يخفف ثقل الحياة. لكن الفارق واضح بين أن نضحك معًا على ذكرى اخترنا مشاركتها، وأن أجعل منكِ موضوعًا للضحك كي أكون نجم المجلس. لن أقلد طريقتكِ في الكلام إذا كانت تؤلمكِ، ولن أكرر تفصيلًا طلبتِ دفنه ثم أختبئ خلف عبارة «كنت أمزح». النية الخفيفة لا تمحو الأثر الثقيل.

وحين يمدحكِ أحد في غيابكِ، لن أسرق نصيبكِ من الضوء. لن أقول إنني السبب في تغيركِ، أو إنكِ لم تكوني لتصلي لولاي، أو أضيف ملاحظة تقلل من الإنجاز حتى أستعيد مركزي. سأقول الحقيقة الجميلة كما هي: أنكِ تعبتِ، وتعلمتِ، ونهضتِ في الأيام التي لم يرها أحد. وإذا كان لي دور، فهو جزء صغير لا يمنحني حق توقيع اسمي على عمل قلبكِ وعقلكِ. محبتكِ لا تجعل نجاحكِ فرعًا من سيرتي.

كذلك لن أسمح لمن يحبونني أن يضعوكِ دائمًا في موضع المتهمة. القرب العائلي أو الصداقة الطويلة لا يمنحان أحدًا حق تجاوزكِ. سأسمع ما يُقال بعدل، وأراجع نفسي معكِ، لكنني لن أترككِ وحدكِ أمام تلميحات تحتاج مني إلى موقف واضح. الحدود التي لا أنطق بها تتحول إلى عبء عليكِ، فتبدين حادة لأنني اخترت الصمت المريح. سأقول ما ينبغي قوله بأدب، وأتحمل انزعاج من اعتاد أن يكون رضاه أهم من راحتكِ.

وفي المقابل، لن أستخدم الدفاع عنكِ قيدًا حولكِ. لن أذكركِ كلما اختلفنا بأنني وقفت معكِ يومًا، كأن الكرامة خدمة دفعت ثمنها وتنتظر السداد. ما فعلته في القاعة لم يكن دَينًا، بل كان الشكل الطبيعي لما أفهمه من القرب. ولا أريدكِ أن تشعري بأنكِ مطالبة بالبقاء لأنني حفظت سرًّا أو أوقفت إهانة. الأمان الذي يتحول إلى فاتورة ليس أمانًا؛ إنه باب آخر للسيطرة، وأنا أريد لوقوفي معكِ أن يحرركِ، لا أن يثقل خطوتكِ.

قد يأتي يوم أكون فيه أنا من أخطأ في حق اسمكِ. ربما أفلتت مني كلمة متعالية، أو رويت تفصيلًا ظننته عاديًا ولم يكن كذلك عندكِ. حين تخبرينني، لن أختبئ وراء حسن قصدي. سأصدق أثر الفعل، وأعتذر، وأحدد أين خرج الكلام، ثم أحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه. سأتعلم حدودكِ الجديدة من دون أن أتهمكِ بالمبالغة. فالإنسان لا يولد عارفًا بكل أبواب الآخر، لكنه يصبح مسؤولًا بعد أن تُرسم له الحدود بوضوح.

وفي نهاية الطريق، توقفتِ عند إشارة حمراء، وكانت أضواء السيارات تنعكس على الزجاج الأمامي. نظرتِ إليّ وقلتِ إنكِ طوال سنوات كنتِ تظنين أن الوفاء يعني ألا يترككِ أحد، ثم اكتشفتِ في تلك الليلة أنه يعني أيضًا ألا يترك اسمكِ وحده. لم أجد جوابًا أجمل من الجملة نفسها. مددتُ يدي إلى منتصف السيارة، فوضعتِ يدكِ فوقها، وبقينا هكذا حتى تحول الضوء إلى الأخضر وتحركت السيارات خلفنا.

لهذا، حين تخرجين من أي غرفة أكون فيها، لا تحملي قلقكِ معكِ. اتركي كوبكِ، وحكاياتكِ، والنسخة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها في تلك اللحظة. سأبقى أمينًا لما أعرفه، عادلًا فيما أقوله، واضحًا حين يتجاوز أحد حدّه. لن أصنع منكِ صورة بلا عيوب، لكنني لن أسمح أن تُرسم صورتكِ بأيدٍ لا تعرفكِ بينما أقف متفرجًا. وحين تعودين، لن أخبركِ بكل مرة حفظتُ فيها غيابكِ؛ يكفيني أن تدخلي مطمئنة، وأن تعرفي من هدوء قلبكِ أن اسمكِ، سواء كنتِ أمامي أو خلف باب بعيد، سيظل آمنًا عندي.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً