الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

غرزةٌ تُصلحُ العالم

أعرف أن الحب يُروى عادةً عبر اللحظات الكبيرة: لقاء أول لا يُنسى، اعتراف مرتبك، سفر طويل، أو عناق يأتي بعد غياب. لكنني كلما حاولت أن أحدد اللحظة التي صار فيها وجودكِ جزءًا من تكويني، لا أتذكر مشهدًا يصلح لفيلم، بل أتذكر مساءً عاديًا في مغسلة صغيرة عند طرف الشارع، حين كان المطر يطرق الزجاج بملل، وكانت آلات التجفيف تدور خلفنا بصوت يشبه قطارًا بعيدًا لا يصل إلى محطة.

كنا قد دخلنا هربًا من المطر، نحمل كيسًا من الثياب المبللة ونضحك على سوء حظنا. جلستُ فوق المقعد المعدني البارد، ووقفتِ أمام آلة لا تفهمين أزرارها، تتأملين التعليمات كما لو أنكِ تفككين شيفرة سرية. قلتُ لكِ إننا نستطيع العودة في يوم آخر، فالتفتِّ إليّ وقلتِ بثقة مضحكة: «لن يهزمني زرّان وضوء أحمر». وفي تلك اللحظة لم أحب شجاعتكِ، بل أحببتُ عنادكِ الصغير؛ ذلك النوع من العناد الذي لا يصنع ضجيجًا، لكنه يرفض أن يترك الأشياء ناقصة.

حين جلستِ إلى جواري لاحظتِ أن زرّ معطفي يكاد يسقط. لم أكن منتبهًا إليه، ولم يكن الأمر مهمًا عندي. قلتُ إنه سيبقى هكذا حتى نهاية الشتاء، فضيّقتِ عينيكِ كأنني اقترفتُ إهانة شخصية بحق النظام الكوني كله. أخرجتِ من حقيبتكِ علبة صغيرة، فيها إبرة وخيط بلون الزيتون وبعض الأزرار غير المتشابهة. لم أسألكِ لماذا تحملينها معكِ. أنتِ من الأشخاص الذين يستعدون للأعطال الهادئة: زرّ يتمرد، ورقة تتمزق، صداع يجيء فجأة، أو إنسان يتظاهر بأنه بخير أكثر مما ينبغي.

طلبتِ مني أن أنزع المعطف. وضعتِه فوق ركبتيكِ، وسوّيتِ القماش براحتكِ، ثم قرّبتِ الخيط من عينيكِ. تحت المصباح الأبيض القاسي بدا وجهكِ شديد التركيز، وبدا العالم كله، بما فيه المطر والشارع والسيارات المسرعة، زائدًا عن الحاجة. تابعتُ أصابعكِ وهي تمرر الخيط في ثقب الإبرة، تفشل مرة، ثم تعاود بهدوء. وعندما نجحتِ، ابتسمتِ لنفسكِ ابتسامة صغيرة لم تطلبي من أحد أن يراها. لكنني رأيتها. وربما منذ تلك الابتسامة بدأتُ أفهمكِ على نحو مختلف.

لم يكن الزرّ ثمينًا، ولم يكن المعطف عزيزًا، ولم تكن الغرزة عملًا بطوليًا. ومع ذلك شعرتُ يومها بأنكِ لا تخيطين قطعة قماش، بل تقولين بطريقتكِ إن ما يخصني يستحق أن يُعتنى به، وإن الأشياء التي أهملها في نفسي لن تكون مهملة ما دمتِ قريبة. كنتِ تحكمين الغرز حول الزرّ، وأنا أراقب المسافة بين يدكِ وقلبي وهي تضيق من دون أن تتحركي خطوة واحدة.

لهذا أحبكِ: لأنكِ لا تنتظرين الخراب كي تمدّي يدكِ. تلاحظين الشقوق وهي ما تزال رفيعة، وتنتبهين إلى التعب قبل أن يتحول إلى شكوى، وتعرفين من نبرة واحدة أن يومي لم يكن لطيفًا، حتى لو أخبرتكِ أن كل شيء بخير. لا تقتحمين حزني، ولا تسحبين الكلام مني بالقوة. تتركين إلى جواري مساحة آمنة، ثم تجلسين بقربها، كأنكِ تقولين: عندما تستطيع، ضع ما يثقلك هنا.

أحب فيكِ أنكِ لا تعالجينني كمسألة تحتاج إلى حل. لا تحاولين إصلاح كل نقص فيّ، ولا تضعينني أمام نسخة مثالية يجب أن أصبحها كي أستحقكِ. ترين ارتباكي، وكسلي أحيانًا، وخوفي الذي أموّهه بالنكات، وصمتي حين تعجز الكلمات عن الخروج مرتبة؛ ثم تبقين. وبقاؤكِ ليس موافقة عمياء على أخطائي، بل هو ذلك الصدق الرحيم الذي يقول لي: أنا أراك كما أنت، وأعرف أنك تستطيع أن تكون أصدق وألطف وأشجع، وسأذكّرك بذلك من غير أن أهين ضعفك.

معكِ تعلمتُ أن الطمأنينة ليست غياب المشكلات، بل وجود شخص لا يجعل المشكلة امتحانًا للحب. إذا اختلفنا، لا أشعر أن البيت ينهار فوقنا. أعرف أن الغضب سيمر، وأننا سنعود إلى الطاولة نفسها، نضع بيننا ما حدث، ونفك عقدته جملة بعد جملة. أنتِ لا تستخدمين أسراري سلاحًا، ولا تستدعين أخطائي القديمة لتربحي نقاشًا جديدًا، ولا تعاقبين قلبي على كلمة أخطأ بها لساني. وهذا، في زمن يتقن فيه الناس الانتصار بعضهم على بعض، شكل نادر من أشكال الوفاء.

أريدكِ أن تعرفي أنني أنتبه أيضًا. أنتبه إلى الطريقة التي تدلكين بها أصابعكِ عندما يشتد البرد، وإلى أنكِ تقرئين الرسالة مرتين قبل إرسالها لأنكِ تخافين أن يُفهم دفؤكِ خطأ. أنتبه إلى أنكِ حين تتعبين تصبحين أكثر هدوءًا لا أكثر شكوى، وأنكِ ترتبين الأشياء حولكِ عندما تعجزين عن ترتيب ما في داخلكِ. أعرف متى تكون ضحكتكِ كاملة، ومتى تكون ستارة رقيقة تخفين خلفها يومًا ثقيلاً. وأعرف أنكِ، مع كل القوة التي يراها الناس، تحتاجين أحيانًا إلى من يقول لكِ: لستِ مطالبة بأن تكوني قوية هنا.

أنا لا أحبكِ لأنكِ تعتنين بي فقط؛ أحبكِ لأن وجودكِ علّمني كيف أعتني بكِ من غير أن أسلبكِ حريتكِ. أريد أن أكون الرجل الذي لا يخاف من تعبكِ ولا يهرب من مزاجكِ الصامت. الرجل الذي يعرف أن السؤال الواحد قد يكون مزعجًا، فيصنع لكِ شايًا ويجلس قريبًا من دون تحقيق. الذي يتذكر موعدكِ المرهق، ويترك لكِ رسالة قصيرة قبل أن يبدأ، لا ليطلب ردًا، بل ليضع في جيب يومكِ شيئًا خفيفًا. الذي لا يفسر حاجتكِ إلى العزلة بوصفها ابتعادًا عنه، ولا يجعل كل مساحة تخصكِ تهديدًا لمكانه.

أريد أن أحب تفاصيلكِ التي لا تُعرض في الصور: شعركِ حين يرفض الترتيب، صوتكِ بعد نوم قصير، ارتباككِ أمام مديح صادق، والطريقة التي تبحثين بها عن هاتفكِ وهو في يدكِ. أريد الأيام غير اللامعة أيضًا؛ الأيام التي لا نملك فيها حكاية تستحق أن تُروى، فنأكل شيئًا بسيطًا، نتبادل نصف حديث، ثم ينام كل منا وهو مطمئن إلى تنفس الآخر. فالحياة، كما أراها معكِ، لن تكون سلسلة احتفالات. ستكون كثيرًا من الغسيل المتراكم، والمواعيد المؤجلة، والفواتير، والبرد، والطرق المزدحمة. لكنكِ تجعلين العادي قابلًا للحب.

حين أفكر في المستقبل، لا أراكِ في صورة ثابتة عند نهاية ممر مزين بالزهور. أراكِ في مطبخ نصف مضاء قبل الفجر، نختلف على كمية السكر، ثم نتقاسم الكوب نفسه. أراكِ في سيارة تنتظر الإشارة، ويدكِ تطرق بإيقاع أغنية على الزجاج. أراكِ تفتحين نافذة في أول يوم معتدل بعد شتاء طويل، فتدخل رائحة التراب إلى الغرفة. أراكِ جالسة إلى طاولة امتلأت بأوراقنا وأشيائنا، ترفعين رأسكِ فجأة لتسأليني عن فكرة لا علاقة لها بأي شيء. وأرى نفسي أجيب، حتى لو لم أعرف الجواب، لأنني أحب الطريق الذي يفكر به عقلكِ.

لا أعدكِ بحياة لا ينقطع فيها زرّ آخر. ستتعب الأشياء، وسنخطئ، وقد نقول ما لا نقصد في لحظة ضيق. ربما تأتي أيام نصبح فيها أقل قدرة على فهم بعضنا، ونحتاج إلى صبر أكثر مما نملك. لكنني أعدكِ بشيء يمكنني الوفاء به: ألا أترك التمزق الصغير يتسع لأن الاعتذار ثقيل، وألا أتعامل مع المسافة كأنها قدر لا يُرد. سأجلس معكِ، ولو في منتصف فوضانا، وأبحث عن الخيط المناسب. وإذا أخطأتُ الثقب، سأعيد المحاولة. وإذا تعبتِ أنتِ، سأحمل القماش عنكِ.

أعدكِ ألا أجعل الحب كلمة أنيقة أقولها حين يكون مزاجي جيدًا. سأحاول أن أجعله فعلًا يمكن رؤيته: بابًا أمسكه حين تكون يداكِ مشغولتين، إنصاتًا لا يقاطعكِ، دفاعًا عنكِ في غيابكِ، كوب ماء قرب سريركِ، واعتذارًا واضحًا بلا «لكن». سأحمي صورتكِ في قلبي من قسوة اللحظة، فلا أختصر تاريخنا في خلاف، ولا أنسى لطفكِ كله لأن يومًا واحدًا جرحني. وسأتذكر أن أقرب الناس إلينا هم الأكثر حاجة إلى رفقنا، لا الأكثر احتمالًا لإهمالنا.

وأرجوكِ، حين أبدو قويًا أكثر من اللازم، لا تصدقي المشهد كله. اقتربي بالطريقة التي تعرفينها، لا لتنتزعي مني اعترافًا، بل لتذكريني أنني لستُ وحيدًا أمام ما يحدث. أنا أيضًا أحتاج أحيانًا إلى تلك العلبة الصغيرة التي تحملينها في حقيبتكِ؛ لا بإبرتها وخيطها، بل بمعناها: أن هناك دائمًا طريقة هادئة لجمع ما أوشك أن يتفكك.

في ذلك المساء، انتهت آلات التجفيف، وسكن الطنين فجأة. أعدتِ المعطف إليّ، وضربتِ الزرّ بطرف إصبعكِ لتختبري ثباته، ثم قلتِ بفخر: «الآن سيصمد». ارتديتُه وأنا أضحك، لكنني كنتُ أخفي ارتباكًا جميلًا. لم أعرف كيف أقول لكِ إن شيئًا آخر ثبت في مكانه أيضًا؛ شيء ظل طويلًا يتأرجح داخلي، خائفًا من أن يطمئن، حتى جاءت أصابعكِ وغرزتكِ الأخيرة.

خرجنا من المغسلة، وكان المطر قد خفّ. انعكست أضواء المحال فوق الإسفلت، وحملتِ كيس الثياب من جهة وحملتُه من الجهة الأخرى. لم نتحدث عن الحب، ولم نحتج إلى ذلك. مشينا ببطء، يتأرجح الكيس بيننا كشيء منزلي بسيط، بينما كنتُ أشعر أنني أحمل معكِ أول شكل حقيقي للمستقبل.

ومنذ ذلك اليوم، كلما أغلقتُ معطفي، ألمس ذلك الزرّ من غير قصد. لا أتذكر الخيط وحده، بل أتذكر يدكِ وهي تمنح أمرًا صغيرًا كل ذلك الانتباه. وأفهم أنني لا أريد حبًا يدهش الناس ثم يتركني وحيدًا في التفاصيل؛ أريد حبكِ أنتِ، الحب الذي يجلس تحت ضوء أبيض في مغسلة متواضعة، ويصنع من إبرة رفيعة وعدًا لا يحتاج إلى شهود.

وقد يبدو غريبًا أن أحتفظ في ذاكرتي بلون الخيط، وبالمقعد البارد، وبقطرة المطر التي علقت على كمّكِ، بينما نسيتُ أشياء أكبر حدثت في أيام أخرى. لكن القلب لا يرتب ذكرياته بحسب أهميتها الظاهرة؛ يحتفظ بما غيّره. وأنا تغيّرتُ هناك، حين أدركتُ أن العناية ليست خدمة يقدمها أحد للآخر، بل لغة تقول: انتبهتُ إليك وسط ازدحام العالم. منذها صرتُ أبحث عن مواضع التعب الصغيرة في يومكِ، لا كي أردّ دينًا، فالحب ليس دفتر حساب، بل كي تتذوقي الطمأنينة التي منحتِني إياها. أريدكِ أن تشعري بأن هناك عينًا رحيمة تراكِ حين تتعبين بصمت، ويدًا لا تتأخر عنكِ حتى تضطري إلى الطلب، وقلبًا يعتبر راحتكِ شأنًا يخصه من غير أن يحاصركِ أو يثقل عليكِ.

فإن سألتِني يومًا متى أحببتكِ حقًا، لن أقول حين كنتِ في أجمل هيئة، ولا حين قلتِ كلامًا استثنائيًا، ولا حين صنعنا ذكرى كبرى. سأقول: أحببتكِ عندما أمسكتِ بمعطفي كأنه شيء يستحق النجاة، وعندما أصلحتِ زرًا لم أكن أعرف أنه يوشك أن يسقط. يومها فهمتُ أن قلبي، بكل ما فيه من فوضى وتعب، يمكن أن يستريح بين يديكِ من دون أن يخشى أن تتركيه ناقصًا.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً