الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

لكِ حياتكِ أيضًا

أحب أن تكون لكِ حياة لا أقف في مركزها دائمًا. أقولها بصدق لا يحمل برودًا ولا انسحابًا: أحب أن تكون لكِ ساعات لا تخصني، وأحاديث لا أكون موضوعها، وأماكن تدخلينها وحدكِ ثم تعودين منها وفي عينيكِ شيء جديد. لا أريد أن يكون حبي بابًا آخر يضيق عليكِ، ولا أن يتحول قربي إلى مطالبة مستمرة بأن تشرحي أين كنتِ، ومع من تحدثتِ، ولماذا تأخرتِ، وبماذا شعرتِ في كل دقيقة غبتِ فيها عني.

قد يبدو هذا الكلام غريبًا في زمن يخلط بين الحب والامتلاك، ويعتبر كثرة الأسئلة دليل اهتمام، والغيرة الحادة برهانًا على عمق المشاعر. لكنني لا أريدكِ محاطةً بحبي كما يُحاط الشيء الثمين بالزجاج. أريدكِ قادرة على الحركة، وعلى الخطأ والتجربة، وعلى الاحتفاظ بزوايا في روحكِ لا أدخلها إلا حين تدعينني. لستِ أرضًا أرفع عليها رايتي، ولا كتابًا يحق لي فتح جميع صفحاته لمجرد أنكِ اخترتِني.

أحب حين تخبرينني أنكِ ستقابلين صديقة قديمة، ثم ترتبين شعركِ أمام المرآة بعناية لا علاقة لها بي. أحب الحماس الذي يظهر في صوتكِ عندما تخططين ليوم لا أشارك فيه، والطريقة التي تعودين بها محملةً بتفاصيل صغيرة: فنجان انسكب، نكتة لم أفهم سياقها، محل رأيتِ في واجهته شيئًا أعجبكِ. لا أشعر أن تلك الساعات أُخذت مني. أشعر أنها أعادت إليّ امرأة أكثر امتلاءً بنفسها، امرأة لا تحتاج إلى أن تصغر كي أثق بمكاني عندها.

أعترف لكِ أنني لم أصل إلى هذا الفهم بسهولة. في داخلي خوف قديم يحاول أحيانًا أن يقنعني بأن غيابكِ تهديد، وأن فرحكِ في مكان لا أوجد فيه ينقص من قيمتي. قد أرى إشعارًا يضيء هاتفكِ، أو أسمعكِ تضحكين في مكالمة، فيتحرك سؤال سريع: من منحكِ هذا الفرح؟ ثم أتنبه إلى قسوة السؤال؛ كأن الفرح مورد محدود، وكأن ما تأخذينه من العالم لا بد أن يُنتزع من حصتي.

أنا مسؤول عن تهذيب هذا الخوف، لا أنتِ. لن أطلب منكِ أن تطفئي نوركِ كي يهدأ قلقي، ولن أجعلكِ تدفعين ثمن جروح لم تصنعيها. إذا ارتبكت، سأخبركِ بما أشعر من غير اتهام، ثم أعود إلى نفسي لأفهم السبب. الثقة ليست غياب الخوف تمامًا؛ إنها ألّا نسلّم الخوف مفاتيح العلاقة. وأن أعرف أن قربكِ اختيار يتجدد، لا نتيجة حصار جعل الذهاب مستحيلًا.

أريد أن أعرف اهتماماتكِ، لكنني لا أريد ابتلاعها. إذا أحببتِ الرسم، فلست مضطرة إلى عرض كل لوحة عليّ قبل أن تجف ألوانها. وإذا بدأتِ قراءة كتاب، فلا يلزم أن يتحول إلى مشروع مشترك كي أشعر بأنني قريب. يمكنكِ أن تجلسي قرب النافذة، غارقةً في صفحاتكِ، بينما أكون في الجهة الأخرى من الغرفة منشغلًا بشيء يخصني. ذلك الصمت المتجاور لا يخيفني؛ فيه طمأنينة شخصين لا يحتاج أحدهما إلى طرق باب الآخر كل دقيقة ليتأكد أنه ما زال محبوبًا.

وقد تكون لكِ أحلام لم أولد معها. أحلام سبقت معرفتكِ بي، أو ظهرت بعدي من مكان لم أتوقعه. لا أريد أن تقيسيها على راحتي وحدها. أخبريني بما تريدين، حتى إن كان تحقيقه سيغير جدولنا، أو يطلب منكِ سفرًا قصيرًا، أو دراسة تبدأينها حين يظن الآخرون أن وقت البدايات مضى. سأناقشكِ في الواقع والتعب والكلفة، لكنني لن أضع خوفي في ثوب الحكمة وأطلب منكِ التراجع.

الحب الناضج، كما أراه، لا يقول: «لا تذهبي بعيدًا كي أبقى مطمئنًا». يقول: «اذهبي إلى ما يجعلكِ أكثر صدقًا مع نفسكِ، ولنتعلم معًا كيف نحمي ما بيننا من غير أن نكسر جناحكِ». ربما أشتاق إليكِ، وربما تضيق بعض الأيام، لكن الاشتياق أرحم من أن أراكِ بقربي وجزء منكِ يلومني سرًّا على الطريق الذي لم تسلكيه.

أريد أيضًا أن يبقى لكِ حق الصمت. ليس عليّ أن أعرف كل ذكرى مرت في ذهنكِ حين تغير وجهكِ، ولا كل اسم آلمكِ في الماضي، ولا كل فكرة لم تنضج بعد. سأكون حاضرًا إن أردتِ الكلام، لكنني لن أضع أذني على أبوابكِ المغلقة. بعض الأشياء تحتاج إلى أن تجلسي معها وحدكِ قبل أن تعرفي إن كانت قابلة للمشاركة. واحترامي لهذه المسافة ليس نقصًا في المحبة؛ إنه اعتراف بأن روحكِ ليست ملكية مشتركة.

هذا لا يعني أن نخفي ما يؤثر فينا أو نستخدم الخصوصية ستارًا للخداع. بين الحرية والإهمال فرق واضح. أريد صدقًا يحفظنا، لا رقابة ترهقنا. أخبريني بما يمس علاقتنا، وبما يحتاج إلى قرار مشترك، وبما قد يغير الطريق الذي نمشيه. أما التفاصيل التي لا تؤذي عهدنا، فليست كلها مادة للاستجواب. يكفيني أن أعرف أنكِ تعودين إليّ لأنكِ تريدين، لا لأنكِ تخشين أسئلتي.

أتخيل يومًا يكون لكِ فيه موعد في ورشة فخار صغيرة. تدخلين بثوب بسيط، ترفعين كميكِ، وتضعين يديكِ على الطين للمرة الأولى. قد تخرج القصعة مائلة، وقد تضحكين لأن أصابعكِ لم تطع الصورة التي في ذهنكِ. أكون أنا في الفناء القريب، أقرأ أو أرتب نبتة في أصيص، لا أراقبكِ ولا أصوركِ من بعيد. وحين تنتهين، تأتين إليّ وراحة يدكِ ما زالت تحمل خطًّا رفيعًا من الطين. إن أردتِ أن تحكي، سأسمع. وإن أردتِ الاحتفاظ بالشعور لنفسكِ، سنعود معًا بصمت سعيد.

يهمني أن أبني أنا أيضًا حياة لا أحمّلكِ مسؤولية ملئها. سأحافظ على أصدقائي واهتماماتي ووقتي الذي أواجه فيه نفسي. لن أجعلكِ المصدر الوحيد لكل معنى، ثم ألومكِ حين تتعبين من حمل هذا الدور. من الظلم أن يفرغ الإنسان عالمه كله، ويضعه في يد من يحب، ثم يسأله لماذا لم يستطع حمله. أريد أن آتيكِ وأنا أملك ما أشارككِ به، لا جائعًا إلى درجة أن أستهلك حضوركِ.

وحين يكون لكل منا عالمه، يصبح لقاؤنا أجمل. لا نعود شخصين يكرران الحديث نفسه لأنهما لم يعيشا شيئًا بعيدًا عن بعضهما؛ نأتي بأفكار وتجارب وأسئلة. تحكين لي عن امرأة التقيتِها، وأحكي لكِ عن شارع مشيت فيه. تعلمينني شيئًا، وأفاجئكِ بشيء آخر. يبقى بيننا فضول صحي، لا ذلك الاطمئنان الكسول الذي يظن أن معرفة العنوان تعني امتلاك البيت كله.

أحب أن تكون لكِ صداقات لا تشعر بالتهديد من علاقتنا. لا أريد أن تختفي النساء اللواتي عرفنكِ قبلي لأنني صرت الرجل الأقرب، ولا أن تخجلي من طلب مساندتهن كيلا أظن أنني قصّرت. هناك أوجاع تفهمها الصديقة بطريقة لا أستطيعها، وذكريات تحمل مفاتيحها لأنها كانت حاضرة حين لم أكن. مكاني لا يصغر حين تتكئين على كتف آخر آمن؛ بل يصير أكثر إنسانية، لأنني أتوقف عن الادعاء أنني أستطيع أن أكون العالم كله.

وإذا احتجتِ يومًا إلى سفر وحدكِ، أو نزهة بلا صحبة، أو مساء تغلقين فيه الباب على موسيقاكِ وأفكاركِ، فلا تجملي طلبكِ كي لا أسيء فهمه. قولي ببساطة: «أحتاج إلى وقتي». سأتعلم ألّا أسمعها: «لا أحتاج إليك». فالإنسان قد يحب قرب شخص ويحتاج في اللحظة نفسها إلى نفسه. المسافتان لا تتناقضان؛ بل تمنع إحداهما الأخرى من التحول إلى اختناق.

أعرف أنني قد أخطئ أحيانًا. ربما أسألكِ سؤالًا بنبرة تفوح منها الغيرة، أو أصمت حين أتمنى سرًّا أن تلغي موعدًا لأجلي. لكنني أعدكِ بألّا أجعل تلك اللحظات قانونًا. سأراجع نفسي، وأعتذر إن ضيقت عليكِ، وأقول الحقيقة بدل أن أعاقبكِ ببرود لا تعرفين سببه. لا أريد للحرية بيننا أن تكون شعارًا جميلًا؛ أريدها ممارسة تظهر خصوصًا حين تختارِين شيئًا لم أختره أنا.

وفي المقابل، حين تختارين أن تدخلي إلى مساحتي، أريد أن يكون دخولكِ هادئًا. لا تسخري من هواية تبدو لكِ صغيرة، ولا تفسري حاجتي إلى الصمت كأنها هروب منكِ. دعينا نحمي اختلاف إيقاعنا. قد تحتاجين الكلام فورًا، وأحتاج أنا إلى ساعة؛ وقد يحدث العكس. يمكننا أن نتعلم مواعيد قلوبنا من غير أن نفرض عليها ساعة واحدة.

أحبكِ بما يكفي لأرفض أن تصبح المحبة قفصًا مذهبًا. القفص لا يصير رحيمًا لأن صاحبه بناه من الخوف، ولا لأن قضبانه تحمل أسماء جميلة مثل الاهتمام والحرص. أريدكِ معي بكامل امتدادكِ: بعلاقاتكِ، وفضولكِ، وأحلامكِ، وأسراركِ البريئة، وساعاتكِ التي لا تقدمين عنها كشفًا. وحين تمدين يدكِ إليّ من وسط تلك الحياة، أعرف أن يدكِ حرة، ولهذا يكون إمساكها أثمن.

لن أطلب أن أكون كل ما تحتاجينه. أريد فقط أن أكون المكان الذي لا تضطرين فيه إلى الاعتذار عن اتساعكِ. مكانًا تعودين إليه من رحلاتكِ الصغيرة والكبيرة، فتجدينني راغبًا في معرفة المرأة التي أصبحتِها، لا في استعادة المرأة التي غادرت صباحًا كما كانت. وسأطلب منكِ الشيء نفسه: أن تحبي فيّ المساحات التي لا تستبعدكِ، لكنها تبقيني حيًّا من الداخل.

وأريد أن أحترم صلتكِ بعائلتكِ من غير أن أنافسها. أعرف أن في قلبكِ غرفًا صنعتها سنوات لم أكن حاضرًا فيها: خوف والدتكِ عليكِ، ومزاح إخوتكِ، وطقوس بيتكم في الأعياد، والمواقف التي لا تحتاجون إلى شرحها كي تضحكوا. لن أطلب منكِ أن تبرهني أنني أهم عبر الابتعاد عنهم، ولن أحصي المرات التي اخترتِ فيها زيارتهم بدل الجلوس معي. إذا ظلمكِ أحدهم سأقف إلى جانبكِ، وإذا اختلفتِ معهم لن أدفعكِ إلى القطيعة لأن وجودي يبدو أقوى في الفراغ. أريد أن أضيف بيتًا إلى حياتكِ، لا أن أهدم البيوت التي عرفتِها قبلي.

وحين تتغير اختياراتكِ، لن أحاسبكِ على نسخة قديمة منكِ. ربما تكتشفين أن المهنة التي حلمتِ بها لم تعد تشبهكِ، أو أن المدينة التي أحببتِها صارت ثقيلة، أو أن هواية بدأتِها بحماس لم تعد تمنحكِ شيئًا. لستِ مطالبة بالثبات كي يسهل عليّ فهمكِ. سأفهم أن النضج لا يعني الوفاء لكل قرار سابق، بل الشجاعة في الاعتراف بأن بعض الطرق انتهت. وسأحاول ألّا أقول: «لكنني عرفتكِ هكذا»، كأن معرفتي قيد يمنعكِ من التحول.

أريد أن نفرح باستقلالنا بدل أن نعامله كمرحلة مؤقتة تنتهي حين يكتمل الحب. فالعلاقة لا تكتمل حين يذوب شخصان في صوت واحد؛ تكتمل حين يستطيع صوتان مختلفان أن يصنعا انسجامًا من دون أن يفقد أحدهما نبرته. أنتِ لا تصبحين أقل وفاءً حين تختارين نفسكِ، وأنا لا أصبح أقل حبًّا حين أشجعكِ على ذلك. بالعكس، نحن نحمي أجمل ما بيننا من المرارة التي تنمو عندما يقدم الإنسان تنازلات لم يطلبها منه أحد، ثم ينتظر ثمنها بصمت.

هذه رسالتي لكِ اليوم: لكِ حياتكِ أيضًا، لا منحة مني، بل حقكِ الكامل. لكِ أن تزهري في أرض لا أقف فيها كل مرة، وأن تعودي إليّ حين تريدين، حاملةً عطركِ وأثر الطريق وما اخترتِ مشاركته. وسأكون هنا، لا حارسًا عند بابكِ، بل رجلًا يحب أن يراكِ تدخلين العالم باسمكِ، ثم تلتفتين نحوه لأن قلبكِ يعرفه، لا لأن الطريق أُغلق خلفكِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً