الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

جسدكِ ليس مقاسًا

توقف السحّاب في منتصف ظهركِ، لا عالقًا بالقماش، بل عند المسافة التي لم يعد الفستان القديم يعرف كيف يعبرها. حاولتِ مرة أخرى، وسحبتِ نَفَسكِ إلى الداخل كأن الهواء هو المشكلة، ثم طلبتِ مني أن أجرّب. وضعتُ إصبعي تحت المعدن كي لا يؤذي جلدكِ، ورفعتُه قليلًا، لكنه قاوم. رأيتُ وجهكِ في مرآة غرفة القياس يتغير قبل أن تقولي بصوت خافت: يبدو أن جسدي لم يعد كما كان.

كان الفستان معلّقًا في خزانتكِ منذ المناسبة الأخيرة التي ارتديتِه فيها. أحببتِ لونه، وحفظتِ صورته عليكِ، واخترتِه لهذه الليلة لأنكِ ظننتِ أن القرار سيكون سهلًا. الآن وقفتِ تحت ضوء أبيض قاسٍ، تشدّين القماش عند خصركِ وتبحثين في المرآة عن الخطأ. لم تنظري إلى الفستان كشيء صار صغيرًا؛ نظرتِ إلى نفسكِ كأنكِ أنتِ التي صرتِ أكثر مما ينبغي.

أنزلتُ السحّاب برفق وقلتُ إننا سنختار شيئًا آخر. التفتِّ إليّ بسرعة وقلتِ إنكِ تستطيعين إصلاح الأمر قبل المناسبة، وإن أمامكِ أيامًا قليلة لتقللي الطعام. كانت الجملة جاهزة كأنكِ تعلمتها منذ زمن: كلما ضاق ثوب، يجب أن يضيق الجسد؛ وكلما تغيّر رقم، تبدأ محاكمة كاملة. قلتُ لكِ إننا نحتاج إلى فستان يناسبكِ الآن، لا إلى عقوبة عاجلة تعيدكِ إلى مقاس قديم.

أريدكِ أن تعرفي أن جسدكِ ليس امتحانًا في الانضباط، ولا مشروعًا مستمرًا ينتظر مني التقييم. لن أحبكِ أكثر حين ينقص رقم، ولن ينقص افتتاني بكِ حين يتبدل شكل. أنتِ لا تدخلين حياتي من باب المرآة وحدها؛ تدخلين بصوتكِ حين تتحمسين، وبعقلكِ حين يلتقط تفصيلًا غاب عني، وبيدكِ وهي تبحث عن يدي في الطريق. الجسد جزء حي منكِ، لا بطاقة العرض التي تختصر كل ما فيكِ.

هذا لا يعني أنني سأقول لكِ إن الصحة لا تهم، أو إن كل ما تشعرين به وهم صنعه الناس. إذا أردتِ تغيير عادة لأن جسدكِ يتألم أو لأن طبيبًا موثوقًا نصحكِ أو لأن الحركة تمنحكِ راحة، سأساندكِ. لكنني لن أضع الخجل وقودًا لخطة تخصكِ، ولن أخلط بين العناية والكراهية. ما يُبنى على احتقار الجسد قد يغيّر صورته، لكنه يترك صاحبته تسكنه كأنها عدوة.

خرجنا من غرفة القياس إلى المحل، والفستان القديم مطوي فوق ذراعي. كنتِ تمشين أسرع مني، تحاولين أن تصلي إلى قسم المقاسات قبل أن ترى الموظفة ما حدث. وحين سألتنا إن كنا نحتاج إلى مساعدة، قلتِ إن الفستان فيه مشكلة. أعجبني أنكِ لم تقولي إن المشكلة فيكِ، حتى لو جاءت العبارة مصادفة. عرضت الموظفة مقاسًا أكبر، فترددتِ أمام الرقم المكتوب على البطاقة كأنه حكم لا قطعة قماش.

الأرقام التي تخيطها المصانع داخل الملابس لا تعرف شيئًا عنكِ. لا تعرف الأيام التي مرّت، ولا الأدوية التي ربما غيّرت شهيتكِ، ولا التعب، ولا العمر، ولا الفرح، ولا طبيعة الأجساد حين تتحول من غير استئذان. وقد يختلف الرقم بين متجر وآخر فيما يبقى جسدكِ نفسه. لن أسمح لبطاقة صغيرة مخفية عند الياقة أن تتحدث في قلبكِ بصوت أعلى من الحياة التي حملها هذا الجسد.

اخترنا ثلاثة فساتين بأشكال مختلفة، لا نسخًا أكبر من الفستان نفسه فقط. أردتُ أن تتسع الاحتمالات بدل أن يبقى الهدف استعادة صورة سابقة. حملتِ فستانًا أخضر داكنًا وقلتِ إنكِ لا ترتدين هذا اللون عادة. طلبتُ منكِ أن تجربي ما يثير فضولكِ، لا ما يعد بإخفائكِ. فالملابس ينبغي أن تخدم حضوركِ، لا أن تقسمكِ إلى أجزاء يجب تمويهها وأجزاء يُسمح لها بالظهور.

حين أغلقتِ الستارة، بقيتُ على المقعد خارج الغرفة. لم أطرق كل دقيقة، ولم أسألكِ إن انتهيتِ. أعرف أن لحظات الوقوف أمام المرآة قد تكون مزدحمة بأصوات لا أسمعها: تعليق قديم من قريب، مزحة في المدرسة، صورة قارنتِ نفسكِ بها، أو مديح لم يصلكِ إلا يوم كنتِ أنحف. لا أستطيع إسكات كل تلك الأصوات بجملة واحدة، لكنني أستطيع ألا أضيف صوتي إليها.

لن أراقب طبقكِ، ولن أحوّل كل حلوى إلى سؤال، ولا كل وجبة إلى حساب. إذا طلبتِ مني مساندة واضحة في عادة اخترتِها، سنتفق على شكلها بحيث يبقى القرار لكِ. أما أن أرفع حاجبي عند طعام، أو أمدحكِ لأنكِ لم تأكلي، أو أقدّم السيطرة في هيئة اهتمام، فهذا ليس حبًا. الجسد الذي تشاركينني قربه يظل ملككِ، وما تأكلينه ليس استفتاءً على استحقاقكِ للحنان.

ولن أجعل الحركة عقوبة. يمكننا أن نمشي لأن الهواء جميل، أو نتمرن لأن القوة تفرحكِ، أو نرقص لأن أغنية مرت بنا. لكنني لا أريدكِ أن تتحركي وأنتِ تتخيلين أن كل خطوة تمحو جزءًا غير مقبول منكِ. الراحة كذلك حاجة، وليست كسلًا دائمًا. سأصدق تعبكِ حين تقولين إن جسدكِ يحتاج إلى التوقف، ولا أطالبكِ بإنجاز الألم حتى تبدين قوية في عيني.

خرجتِ بالفستان الأول، وكان جميلًا لكنه شدّ كتفيكِ. وقفتِ مستقيمة أكثر من راحتكِ وقلتِ إنه مقبول. سألتُكِ هل تستطيعين الجلوس والتنفس والضحك فيه، لا هل يجعلكِ تبدين أصغر. جلستِ على طرف المقعد، فتحرك القماش بقسوة، وهززتِ رأسكِ. أعدتِه من غير أن نفاوض جسدكِ على احتمال ليلة كاملة مقابل صورة ترضينا لدقيقة.

مع الفستان الثاني، نظرتِ إلى المرآة ثم أسرعتِ إلى تغطية ذراعكِ. لم أرفع يدكِ عن الموضع، ولم أقل إن عليكِ أن تكوني واثقة. الثقة لا تأتي بأمر، والمواضع التي نخجل منها لا تشفى إذا أجبرناها على الظهور. قلتُ فقط إن لكِ أن تختاري ما يريحكِ، سواء غطيتِ ذراعكِ أم كشفتِها. الحرية ليست أن تفعلي عكس خوفكِ دائمًا؛ هي ألا يقرر الخوف أو الجمهور وحدهما ما تفعلين.

لن أمدح جسدكِ بطريقة تجعلكِ أسيرة لمدحي. سأخبركِ حين أراكِ جميلة، لأن الصمت المتعمد ليس حكمة، لكنني لن أجعل مرآتكِ الوحيدة عينيّ. أريد لكِ علاقة بنفسكِ لا تنهار إذا كنتُ مشغولًا أو أخطأتُ التعبير. ولستُ أطلب منكِ أن تحبي كل تفصيل كل صباح؛ يكفي أحيانًا أن تكفي أذاكِ عنه، وأن تعامليه كشيء يستحق الطعام والراحة والثوب المناسب حتى في يوم لا يعجبكِ انعكاسه.

قد تتغير رغبتكِ في أن ألمسكِ حين تشعرين بعدم الارتياح في جسدكِ. لن أفسر ابتعادكِ إهانة لي، ولن أحاول إثبات حبكِ بطلب قرب لا تستطيعينه. سأسألكِ ما يطمئنكِ: عناق، أم مساحة، أم يد فقط. حميميتنا لا ينبغي أن تتحول إلى مسرح تؤدين فوقه الثقة حتى لا أخيب. أريد قربًا تختارينه وأنتِ حاضرة، لا قربًا تمنحينه كي تهربي من سؤال ظننتِ أنني سأطرحه.

وإذا تغيّر جسدكِ بمرض أو حمل أو علاج أو عمر، فلن أتحدث عن النسخة السابقة كأنها الأصل وأنتِ نسخة طارئة. سأتعلمكِ من جديد. قد تتغير طاقتكِ، وحساسيتكِ، وما يريحكِ، وما تريدين إخفاءه أو إظهاره. لن أطالبكِ بالعودة إلى نقطة قد لا تعود، ولن أجعل صبري منّة. نحن لا نحب إنسانًا ثابتًا؛ نحب حياة تتحرك، والجسد أكثر أجزاء الحياة صدقًا في الحركة.

لكنني لن أكذب عليكِ أيضًا. إذا سألتِني عن ثوب لا أراه مناسبًا، سأقول رأيي برفق وأتذكر أن رأيي ليس حكمًا. سأفرق بين القماش وبينكِ، فلا أقول إنكِ لا تصلحين له، بل إنه لا يمنحكِ الراحة أو الشكل الذي تبحثين عنه. الكلمات الصغيرة تصنع بيوتًا أو سجونًا داخل المرآة، وأنا أريد أن أختار كلماتي بحيث لا تقضين المساء تصلحين جرحًا فتحته جملة عابرة.

خرجتِ أخيرًا بالفستان الأخضر. كان قماشه ينسدل من كتفيكِ من غير أن يشدّهما، ويتحرك عند خطواتكِ بدل أن يقاومها. وقفتِ أمام المرآة، وفي البداية وضعتِ كفكِ على بطنكِ بالحركة القديمة نفسها. ثم رأيتِ كيف يسقط القماش، فأنزلتِ يدكِ ببطء وأخذتِ نَفَسًا كاملًا. لم تتغيري في الدقائق التي قضيتِها خلف الستارة؛ الذي تغير أن الثوب كفّ عن مطالبتكِ بالاعتذار.

ابتسمتِ إلى انعكاسكِ قبل أن تنظري إليّ، وكانت تلك الابتسامة أجمل من أي جواب كنتُ أستطيع إعطاءه. سألتِني إن كان اللون غريبًا عليكِ. قلتُ إنه جديد، والفرق كبير بين الغريب والجديد. دُرتِ نصف دورة لترَي الحركة، فاتسعت التنورة قليلًا حولكِ. لم يكن انتصارًا لمقاس على آخر؛ كان لحظة توقفتِ فيها عن حبس الهواء كي تتسعي لشيء، ووجدتِ شيئًا يتسع لكِ.

أريد لهذه اللحظة أن تمتد إلى ما وراء الملابس. لا تحاولي أن تصغّري ضحكتكِ، أو حاجتكِ، أو حضوركِ حتى يلائم قالبًا لم يُصنع لكِ. ما لا يتسع لكِ قد يحتاج إلى التغيير، لا أنتِ دائمًا. سأكون إلى جواركِ حين ترفضين هذا الطلب.

وحين تنظرين إلى صوركِ القديمة، لا تجعليها خصمًا لصورتكِ الحالية. تلك المرأة لم تكن أكثر استحقاقًا لأنها أصغر أو أخف، وأنتِ لم تخونيها لأن الزمن مرّ بكِ. احتفظي بما تحبين من الصور، لكن لا تستخدميها أدوات تعاقبين بها صباحكِ. كل جسد سابق أوصلكِ إلى هنا ثم تغير، كما تتغير اليد من كثرة ما عملت، وكما يتغير الوجه من الضحك والسهر والنجاة.

سأحميكِ من مزاحي أيضًا. لن ألمز إلى وزنكِ أمام الناس، ولن أستعير سرًّا قلته عن خوفكِ لأصنع طرفة، ولن أمدح امرأة أخرى بطريقة تكونين أنتِ ظلها المقصود. وإذا سمعتُ من يتجاوز حدّه، لن أضحك كي أحافظ على خفة المجلس. الجسد ليس موضوعًا عامًا لمجرد أنه مرئي، وكرامتكِ لا تحتاج إلى أن تنتظر حتى تردّي بنفسكِ بينما أقف محايدًا.

وفي المقابل، لا أريد منكِ أن تجعلي جسدي امتحانًا هو الآخر. قد أتغير، وأتعب، وأخسر شيئًا من قوتي، أو أرى نفسي بصورة لا أعرف كيف أشرحها. ذكّريني أنني أكثر من شكلي، لكن لا تنكري شعوري إذا آذاني التغير. لنتعلم معًا لغة لا تسخر ولا تجامل بكسل؛ لغة تقول الحقيقة من غير أن تختصر الإنسان فيها، وتمنح الجسد حقه من العناية من غير أن تحوله إلى مركز القيمة كلها.

اشترينا الفستان الأخضر، وتركنا القديم في الكيس كي نقرر لاحقًا ما نفعل به. لم نرمه غضبًا، ولم نعده وعدًا يجب أن يتحقق. قد تحتفظين به، أو تهدينه، أو تعدلينه عند خيّاطة. لا يهمني مصيره بقدر ما يهمني ألا يبقى معلّقًا في خزانتكِ كتهديد صامت. الأشياء التي لم تعد تناسبنا تستطيع أن تغادر من غير أن تجعلنا فاشلين.

في طريقنا إلى الخارج، مررنا بالمرآة الطويلة عند باب المحل. توقفتِ لحظة، لا لتفحصي خصركِ، بل لترتبي خصلة من شعركِ. كان الفستان يتحرك معكِ بسهولة، والكيس في يدي، وأنفاسكِ عادت طبيعية. لم أرَ امرأة انتصرت على جسدها؛ رأيتُ امرأة توقفت عن محاربته مساءً واحدًا، فظهر جمال كان الخوف يحجبه لا الوزن.

لهذا، إذا توقف سحّاب آخر يومًا، فلن أجعله يقيس شيئًا غير المسافة بين طرفي قماش. سأنزله برفق، وأحمي جلدكِ من المعدن، ونبحث عما يليق بكِ كما أنتِ في ذلك اليوم. لن أطلب منكِ حبس نَفَسكِ كي تدخلي ثوبًا أو صورة أو توقعًا. تنفّسي كاملة، واتركي الرقم في بطاقته والمرآة في مكانها. جسدكِ ليس مقاسًا أنتظر منه أن يثبت لي جمالكِ؛ إنه بيتكِ الحي، يتغير ويخبركِ ويتعب وينهض، وسأحبكِ فيه من غير أن أطالب البيت بأن يعتذر كلما اتسعت فيه الحياة.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً