الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

حروفكِ تشبهُكِ تمامًا

في سوق الأحد، بين صناديق الرمان وأغصان النعناع، سمعتِ البائعة العجوز تنادي اسم فاكهة بلفظة لم أسمعها منكِ من قبل. توقفتِ في منتصف خطوتكِ، ثم التفتِّ إليها بسرعة كأن أحدًا ناداكِ باسمكِ الأول بعد غياب طويل. سألتِها من أي مدينة جاءت، فأجابتكِ، وانفتح بينكما حديث قصير بلهجة بدّلت صوتكِ كله. صارت حروفكِ أخف، واتسعت ابتسامتكِ، وظهرت في عينيكِ طفلة تعرف هذه الكلمات من مطبخ قديم وساحة كانت تركض فيها بلا خوف من الخطأ.

وقفتُ إلى جواركِ أحمل الكيس الورقي، ولم أفهم كل ما قيل. فهمتُ النبرة، والضحكة التي سبقت نهاية الجملة، والطريقة التي وضعت بها المرأة حفنة نعناع إضافية في كيسكِ. وحين ابتعدنا، بقيتِ ترددين الكلمة نفسها وتشرحين لي أن أهل بيتكِ كانوا ينطقونها هكذا، وأنكِ لم تسمعيها منذ سنوات. لم يكن الحنين حزنًا خالصًا على وجهكِ؛ كان فرحًا صغيرًا لأن جزءًا منكِ ظننته بعيدًا وجد فجأة من يجيبه باللغة التي يعرفها.

أحببتُ صوتكِ في تلك اللحظة لا لأنه صار أغرب أو أجمل لمسامعي، بل لأنه صار أقرب إليكِ. رأيتُ كم نبذل من جهد كي نجعل كلامنا مفهومًا في الأماكن الجديدة: نبطئ الجملة، ونستبدل مفردة بأخرى، ونراقب وجوه السامعين لنعرف إن كان الحرف قد وصل. نفعل ذلك حتى يصبح التعديل عادة لا نشعر بها. ثم تأتي كلمة قديمة فترفع عن اللسان حراسته، ويعود الصوت إلى مشيته الطبيعية كمن خلع حذاءً ضيقًا بعد طريق طويل.

لا أريدكِ معي مضطرة إلى تهذيب حروفكِ حتى توافق قاموسًا واحدًا. قولي الكلمة كما جاءت إليكِ أول مرة، ثم علميني معناها إن لم أعرفها. اضحكي حين أخطئ في نطقها، لكن ضحكة تقربني لا ضحكة تغلق الباب. سأعيدها حتى تستقيم في فمي، لا لأقلدكِ أو أستعرض قربًا لم أعشه، بل كي أحمل شيئًا من عالمكِ بعناية. ما أحببته فيكِ ليس نسخة مترجمة إلى ما أعرفه؛ أحببتُ الأصل بما فيه من ظلال لا تنقلها المرادفات كاملة.

أعرف أن اللهجات قد تُستقبل أحيانًا بأحكام جاهزة. يسمع بعض الناس حرفًا فيضعون صاحبه داخل صورة، وينسبون إليه تعليمًا أو طبقة أو طبعًا قبل أن تكتمل جملته. وربما تعلمتِ أن تختاري صوتًا محايدًا في مكالمة رسمية، أو أن تخفي مفردة تحبينها كي لا يطلب أحد منكِ تكرارها للضحك. يؤلمني أن يضطر الإنسان إلى ترك شيء من نبرته عند عتبة المكان كي يُعامل بجدية. الاختلاف في الحروف ليس نقصًا ينتظر التصحيح، بل تاريخ عاش طويلًا في الأفواه.

لن أجعل لهجتكِ فقرة ترفيه في مجلس. لن أطلب منكِ أن تقولي عبارة معينة لأن الآخرين يجدونها لطيفة، ولن أقلدكِ أمامهم لأكسب ضحكة سريعة. فالصوت الذي منحتِنيه على طبيعته ليس مادة أملك حق عرضها. وإذا أخطأ أحد في فهم كلمة، سأدعكِ تشرحينها إن أردتِ، لا أن أتولى الحديث عنكِ كأنني صرت خبيرًا بكِ. القرب الحقيقي لا يصادر حق الإنسان في تقديم نفسه.

وفي الوقت نفسه، لن أحبسَكِ في لهجة واحدة وأقول إن هذه هي حقيقتكِ الوحيدة. لكِ أن تتغير نبرتكِ بين العمل والبيت، وبين الغضب والفرح، وبين حديثكِ مع امرأة من مدينتكِ وحديثكِ مع شخص يلتقيكِ أول مرة. هذا ليس زيفًا؛ إنها مرونة إنسانة عاشت في أكثر من سياق وتعلمت كيف تصل. لا أريد أن أختبر أصالتكِ كلما اخترتِ كلمة جديدة. الجذور لا تموت لأن الأغصان تعلمت اتجاهات أخرى للريح.

ما أتمناه هو أن يكون لكِ عندي موضع لا تحتاجين فيه إلى مراقبة فمكِ. إذا سبقتكِ مفردة من طفولتكِ، فلن أوقف الحكاية عندها وأحوّلها إلى خطأ. سأسأل عن معناها بعد أن تنتهي الفكرة، أو أفهمها من السياق وأحتفظ بسؤالي لوقت أهدأ. المهم أن يبقى اندفاع كلامكِ حيًّا، وألا تشعري بأن كل جملة تمر أولًا على موظف تدقيق يقف بين قلبكِ ولسانكِ.

حين جلسنا عند طرف السوق، فتحتِ كيس النعناع ورفعتِه إلى وجهكِ. قلتِ إن الرائحة تذكركِ بصباحات كانت فيها نافذة المطبخ مفتوحة، ثم بدأتِ تحكين عن امرأة من عائلتكِ كانت تناديكِ بتصغير خاص لاسمكِ. لم تشرحي التصغير نحويًا؛ قلتِه بالنبرة التي كانت تقوله بها. عندها فهمتُ أن بعض الكلمات لا يحمل معناه ترتيب حروفه، بل الصوت الذي كان يحيط به. الاسم نفسه قد يكون عاديًا في فم، ويصير حضنًا كاملًا في فم آخر.

أريد أن أعرف تلك الطبقات منكِ من دون أن أقتحمها. أخبريني عن الكلمات التي كانت تعني أن الطعام جاهز، وعن النداء الذي كان يجمع الأطفال عند المساء، وعن العبارة التي تقولها والدتكِ حين تقلق ولا تريد أن تظهر قلقها. وإذا آلمتكِ ذاكرة ما، لن أطالبكِ بفتحها لأنني أتعلم. المعرفة التي تأتي من محبتكِ ينبغي أن تبقى خاضعة لراحتكِ، لا لفضولي. يكفيني ما تمنحينني إياه طوعًا، وسأحفظ نبرته قبل تفاصيله.

وسأشارككِ أنا أيضًا الكلمات التي صنعتني. لن أقدم لغتي بوصفها الأصل ولغتكِ بوصفها ضيفة، بل نضعهما على الطاولة نفسها ونرى أين تتشابهان وأين تختلفان. قد يكون لدينا اسمان للحنان نفسه، أو كلمة عندكِ تختصر شعورًا أحتاج عندي إلى جملة. سنختلف أحيانًا في معنى عبارة ظن كل منا أنها واضحة، وعندها لن نفترض سوء النية. سنسأل: ماذا تعني هذه الكلمة في عالمكِ؟ فالكثير من خلافات القلوب يبدأ من قاموسين لم ينتبها إلى أنهما مختلفان.

إذا قلتِ شيئًا بدا حادًا في أذني، سأفحص النبرة والسياق قبل أن أصدر الحكم. وإذا أخبرتكِ أن عبارة آذتني، فلا يعني ذلك أنني أدين لغتكِ كلها. نستطيع أن نفصل بين ميراث التعبير وبين مسؤولية الأثر، وأن نتعلم صياغة تحافظ على هويتنا ولا تجرح الآخر. المحبة لا تطلب منا أن نذوب في صوت واحد؛ تطلب أن نصير مترجمين أمناء، لا نغيّر المعنى كي ننتصر ولا نتظاهر بالفهم حين نكون حائرين.

وقد تأتي أيام لا تجدين فيها الكلمة بأي لغة. يتعطل اللسان بين ما تشعرين به وما تستطيعين تسميته، فتخرج الجملة ناقصة أو مختلطة. لن أختبر فصاحتكِ في لحظة وجع. قولي نصف العبارة، واستخدمي كلمة من أي مكان، أو ارسمي بيدكِ ما يعجز عنه صوتكِ. سأبحث معكِ عن المعنى، لا عن الخطأ. الإنسان حين يتألم لا يحتاج إلى مصحح؛ يحتاج إلى قلب يمنحه وقتًا حتى تلحق اللغة بما حدث.

أحب كذلك ما تفعله لهجتكِ بضحكتكِ. في السوق، حين قالت البائعة تعليقًا لم أفهمه، ضحكتِ من مكان عميق، ثم ترجمتِه لي ترجمة بدت أقل طرافة. قلتِ إن النكتة تموت خارج لهجتها، ووافقتكِ وأنا لا أعرف الجملة الأصلية كاملة. لم أشعر أنني مستبعد؛ سعدتُ لأن في داخلكِ غرفًا يصل إليها الضوء من نوافذ لا أملكها. الحب لا يعني أن أكون حاضرًا في كل ذكرى، بل أن أفرح حين يعود إليكِ منها ما ينعشكِ.

لن أغار من الأشخاص الذين يفهمون إشارة في كلامكِ قبل أن أفهمها. لهم طريق صنعته السنوات، ولي طريق نصنعه نحن الآن. قد يعرفون كيف تكملين مثلًا قديمًا، بينما أعرف أنا الصمت الذي يسبق اعترافكِ. وقد يلتقطون سخرية لهجتكِ، بينما أعرف متى تكون كلمة «حسنًا» عندكِ رضا ومتى تكون تعبًا. لا تتنافس هذه المعارف؛ إنها دوائر تمنح صورتكِ عمقها، وأنا لا أريد أن أمحو ما سبقني كي أشعر أن لي مكانًا.

وعندما نزور من تحبين، لن أطلب منكِ أن تبقي منشغلة بترجمة كل حديث لي. سأبذل جهدي في المتابعة، وأسأل في الوقت المناسب، وأترك لكِ فرصة أن تعودي إليهم بكامل حضوركِ. لا أريد أن يتحول وجودي إلى مهمة تضطرين معها إلى الوقوف بين عالمين طوال المساء. إن فاتتني حكاية فسأسمعها منكِ لاحقًا، أما اللحظة التي تستعيدين فيها قربكِ من أهلكِ فلا ينبغي أن تمر وأنتِ تراقبين وجهي كل دقيقة خشية أن أشعر بالغربة.

وأعدكِ أنني لن أستخدم كلمة تعلمتها منكِ في موضع يسيء إليها. لن أردد تعبيرًا حميمًا أمام من لا يعرف سياقه، ولن أجعل نداءً عائليًا لقبًا عامًا لأنني أعجبني وقعه. بعض المفردات تشبه الأشياء الموروثة؛ جمالها جزء من خصوصيتها. حين تضعين واحدة منها في يدي، سأعرف أنها أمانة صغيرة، وأن تعلم النطق لا يمنحني حق الاستعمال بلا حدود.

قبل أن نغادر السوق، عدتِ إلى البائعة لتشتري الرمان. اختارت لكِ واحدة، شقت قشرتها قليلًا كي تريكِ لونها، ثم قالت العبارة نفسها التي كانت تقولها امرأة في عائلتكِ عند اختيار الثمر. توقفتِ لحظة، وامتلأت عيناكِ بشيء لم يصل إلى الدموع. ابتسمت المرأة كأنها فهمت، وربتت على ظهر يدكِ. لم تُشرح الحكاية بينكما، ومع ذلك عبرت كاملة في كلمتين ونبرة.

في السيارة، وضعتِ الرمانة في حامل الكوب كي لا تتدحرج، وبقي النعناع على ساقيكِ. طلبتِ مني أن أعيد الكلمة الجديدة، فنطقتها خطأ. صححتِ لي موضع الحرف، وحاولتُ ثانية، فضحكتِ حتى اضطررتُ إلى تكرارها مرات. لم أشعر أنني خارج عالمكِ؛ كنتُ عند حافته أتلقى أول مفاتيحه. وحين نطقتها أخيرًا كما تريدين، قلتِ: الآن صارت لك منها حصة. حملتُ الجملة طوال الطريق كهدية لا تُشترى.

أعرف أنني لن أتقن كل شيء، وقد يبقى في صوتي أثر الغريب مهما حاولت. لكن قصدي ليس أن أرتدي هويتكِ، بل أن أقترب منها باحترام. سأخطئ وأسأل وأتعلم، وأقبل أن بعض المعاني سيظل ملك خبرة لم أعشها. لا ينتقص ذلك من قربنا. على العكس، يحمينا من وهم أن الحب يلغي المسافات كلها. بعض المسافات جميلة لأنها تجعلنا نمشي نحو بعضنا بدل أن نزعم أننا وصلنا منذ البداية.

لذلك لا تصغّري صوتكِ من أجلي، ولا تستبدلي كلماتكِ كلها حتى ترتاح أذني. دعيني أتسع أنا. دعيني أتعلم الإيقاع الذي تركته الأماكن فيكِ، والعبارات التي نجت معكِ من السنين، والضحكة التي لا تظهر بالطريقة نفسها إلا حين تجدين من يفهم أول الحكاية. سأحب لغتكِ حين تكون فصيحة وحين تتخفف، حين تختلط وحين تتعثر، لأنها لا تعرض أمامي مهارة؛ إنها تحمل إنسانة كاملة تحاول أن تصل.

وحين ننادي بعضنا بعد أعوام، أتمنى أن تكون بيننا مفردات لا يعرف أصلها أحد سوانا: كلمة جاءت منكِ وأضفتُ إليها نبرة، وعبارة بدأت خطأ ثم صارت مزحة، واسم دلع وُلد في يوم عادي وبقي. هكذا تصنع المحبة لغتها، لا بمحو لغتين، بل بتركهما تتجاوران طويلًا حتى تنبت بينهما كلمات جديدة. وعندما تتكلمين على سجيتكِ، سأسمع أكثر من الحروف؛ سأسمع الطرق التي عبرتِها لتصلي، والوجوه التي علمتكِ النداء، والبيت الذي ما زال صداه فيكِ. حروفكِ تشبهكِ تمامًا، ولذلك لا أريد منها نسخة أسهل؛ أريدها أنتِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً