في ورشة العطور، كان الهواء أثقل من أن يحمل رائحة واحدة. امتزج خشب الأرز بقشور البرغموت، وتسلل الياسمين من زجاجة مفتوحة، بينما رتبت صاحبة المكان القوارير الصغيرة على صينية نحاسية. كنتُ قد حجزتُ الموعد سرًّا، مقتنعًا بأنني أعرف الرائحة التي تشبهكِ. اخترتُ مكونات بعناية، وربطتُ كل واحدة بصفة أحبها فيكِ، حتى صار العطر في رأسي رسالة لا تحتاج إلى كلمات. وحين وصلنا، كنتُ أنتظر دهشتكِ أكثر مما أنتظر رأيكِ.
وضعت صاحبة الورشة قطرة على شريط أبيض، لوّحت به في الهواء، ثم ناولتكِ إياه. قربتِه من وجهكِ، وأغمضتِ عينيكِ لحظة. لم أرَ الفرح الذي تخيلته؛ رأيتُ انقباضة سريعة عند حاجبيكِ، ثم ابتسامة مهذبة جاءت لتغطيها. قلتِ إن الرائحة جميلة، لكن أصابعكِ أبعدت الشريط عنكِ ووضعته عند حافة الطاولة. كنتِ تحاولين إنقاذ هديتي من الحقيقة، حتى لو اضطررتِ إلى حمل عطر لا تحبينه.
سألتكِ إن كانت تشبهكِ فعلًا. أجبتِ بأن المهم أنني صنعتُها بمحبة. أعدتُ السؤال بطريقة أخرى: لو وجدتِ هذه الزجاجة وحدها في متجر، هل كنتِ ستختارينها؟ طال صمتكِ، ثم قلتِ بصوت خافت: لا. لم تسقط الكلمة بيننا كحجر، كما كنتِ تخشين؛ فتحت فقط هواءً نقيًّا وسط الروائح الكثيرة. شعرتُ بخيبة صغيرة، نعم، لكنها لم تكن أكبر من الراحة التي ظهرت في وجهكِ حين لم تضطري إلى مواصلة التمثيل.
أريدكِ أن تعرفي أن صدقكِ لا يخذلني. قد يبدّل توقعًا أحببته، أو يكشف أنني أخطأت في فهم ذوقكِ، لكنه لا يهدم المحبة التي دفعتني إلى المحاولة. الهدية ليست امتحانًا لامتنانكِ، والجهد لا يمنحني حق كتابة رد فعلكِ مسبقًا. حين تقولين إن شيئًا لا يناسبكِ، فأنتِ لا ترفضين قلبي؛ أنتِ تمنعين بيننا مجاملة صغيرة من أن تكبر حتى تصير مسافة لا نفهم من أين جاءت.
كم مرة قيل لكِ إن الصراحة تجرح، من غير أن يخبركِ أحد أن المجاملة المستمرة تجرح أيضًا؟ تبتسمين لطعام لا تحبينه، وتوافقين على مكان يرهقكِ، وترتدين لونًا اختاره غيركِ، ثم يعتاد الناس نسخة منكِ لا تعترض. بعد مدة، يصبح تصحيح الصورة أصعب؛ لأنهم يحبون تعاونها معهم، لا لأنها أنتِ حقًا. وأنا لا أريد راحة تُبنى على اختفائكِ التدريجي. أفضل حقيقة صغيرة تربكني اليوم على حياة مرتبة لا يجد فيها ذوقكِ كرسيًا.
لكن الصدق الذي أرجوه منكِ ليس قسوة تتباهى بأنها مباشرة. يمكنكِ أن تقولي الحقيقة من غير أن تحتقري ما بُذل، وأن ترفضي الشيء من غير أن تسخري من صاحبه. وقد فعلتِ ذلك في الورشة: قلتِ إن الفكرة لمستكِ، وإن الرائحة نفسها ثقيلة عليكِ. فرّقتِ بين نيتي والنتيجة، فلم تنكري الأولى كي تصفي الثانية. هذه الدقة ليست تلطيفًا زائفًا؛ إنها عدل يرى الإنسان والفعل معًا، فلا يرفع أحدهما على حساب الآخر.
وأنا بدوري مسؤول عن جعل الصراحة ممكنة. لا يكفي أن أقول لكِ: كوني صادقة، ثم يتغير وجهي كلما جاءت إجابتكِ على غير هواي. نبرة الصوت، والصمت الطويل، وسحب الحنان، كلها قد تصبح عقوبات لا تحمل اسم العقوبة. سأراقب طريقتي حين أسمع ما لا يعجبني، وأترك لنفسي حق الشعور من دون أن أحوله إلى سلاح. قد أقول إنني خائب أو مرتبك، لكنني لن أجعلكِ تدفعين ثمن صدق طلبتُه منكِ.
رفعت صاحبة الورشة الشريط عن الطاولة وسألتكِ عمّا أزعجكِ. قلتِ إن الحلاوة تسبق الرائحة كلها، وإن شيئًا فيها يذكركِ بغرفة مغلقة. بدأتُ أشرح لماذا اخترتُ الياسمين، ثم توقفتُ. لم يكن الوقت مناسبًا للدفاع عن تركيبتي، بل لاكتشاف ما تشمينه أنتِ. أعطتكِ ثلاثة شرائط جديدة: أحدها يحمل الحمضيات، والثاني خشبًا جافًا، والثالث زهرة خفيفة. أخذتِ وقتكِ، وهذه المرة لم تراقبي وجهي قبل أن تتكلمي.
في حياتنا، أريدكِ أن تملكي هذه الحرية نفسها. إذا سألتكِ عن رأيكِ في عمل أنجزتُه، فلا تمدحيه لأنكِ تحبينني. قولي ما نجح وما لم ينجح، بالقدر الذي تعرفينه. وإذا حكيتُ لكِ موقفًا وأنا مقتنع بأنني كنتُ محقًا، فلا تصطفّي إلى جانبي تلقائيًا. ربما ترين أنني قسوت أو فهمت خطأ، ورؤيتكِ الصادقة قد تحميني من نسخة متعالية من نفسي. الحب الذي يوافقني دائمًا يتركني وحيدًا مع أخطائي ولو جلس بقربي.
وفي المقابل، لن أجعل رأيي حقيقة أعلى من إحساسكِ. إذا أحببتُ ثوبًا عليكِ ولم تشعري بالراحة فيه، فقرار جسدكِ يسبق إعجابي. وإذا فضلتُ مكانًا وقلتِ إنكِ لا تستمتعين به، فلستِ مطالبة باختراع سبب مقنع أمام محكمة. الذوق لا يحتاج إلى دفاع قانوني. يمكن أن نختلف في الموسيقى والطعام والألوان وطريقة قضاء المساء، من غير أن يصبح الاختلاف مؤشرًا على نقص الانسجام. التشابه يسهّل بعض الأيام، أما الاحترام فيجعل الاختلاف صالحًا للعيش.
قد تخشين أحيانًا أن الحقيقة ستفسد لحظة أعددتُ لها طويلًا. في تلك الحال، قوليها عندما تستطيعين، ولا تحمليها حتى تتحول اللحظة كلها إلى عبء. كنتُ في الورشة قادرًا على رؤية العطر كما هو: محاولة جميلة لم تصب هدفها. لم يفقد الصباح معناه؛ اكتسب معنى أدق. بدل أن أخرج بزجاجة تثبت أنني أعرفكِ، بقينا لنتعلم معًا شيئًا جديدًا عنكِ. كانت الخطة أقل اكتمالًا، لكنها صارت أكثر حياة.
اخترتِ شريط الحمضيات أولًا، ثم وضعتِه جانبًا لأن حدته سريعة. أما خشب الأرز، فأعدتِه إلى أنفكِ مرتين، وقلتِ إنه يمنحكِ شعورًا بأرض جافة دافئة. أضافت صاحبة الورشة نقطة من زهر البرتقال، فتغيرت ملامحكِ قبل أن تتكلمي. لم يكن في ابتسامتكِ أي واجب هذه المرة. عرفتُ الفارق فورًا، وأدركتُ أن الإنسان الذي يحب حقًا يستطيع تمييز الفرح حين يكون حرًّا من المجاملة.
لم أشعر بأن العطر الأول كان خسارة. لقد كشف لي عادة فيّ: كنتُ أجمع صفات أحبها فيكِ، ثم أفترض أن جمعها ينتجكِ. لكنكِ لستِ معادلة من رموز أعرفها. قد تحبين زهرة ولا تريدينها على جلدكِ، وقد تعني لكِ رائحة ما شيئًا لا أعرفه. معرفتي بكِ لا تصبح كاملة لأنها عميقة؛ تظل محتاجة إلى التحديث. كلما سألتُ بدل أن أفترض، بقي حبّي موجّهًا إلى امرأة حية، لا إلى صورة ناجحة صنعتُها عنها.
وأرجو أن تمنحيني الأمر نفسه. لا تفترضي أن هدوئي موافقة، أو أن ابتسامتي تعني أنني لم أتأذّ. اسأليني عندما يهمكِ أن تعرفي، واتركي لي فرصة أن أقول جوابًا ربما لا يوافق توقعكِ. لا أريد أن نتبادل المجاملات حتى يصبح كل واحد منا غريبًا مهذبًا أمام الآخر. الحميمية ليست أن نعرف الجمل التي تريحنا فقط، بل أن نستطيع استقبال جملة غير مريحة من غير أن نسحب الأمان من قائلها.
هذا لا يعني أن كل فكرة عابرة يجب أن تُقال. ثمة فرق بين الصدق والتفريغ، وبين مشاركة ما يساعد العلاقة وإلقاء كل انفعال قبل أن ينضج. سأفكر في كلماتي كما أرجو منكِ أن تفعلي، وأسأل نفسي: هل أقول هذا كي أوضح، أم كي أوجع؟ هل هو إحساس يحتاج إلى حديث، أم غضب يريد شاهدًا؟ الصراحة بلا مسؤولية قد تكون بابًا للفوضى، أما الصراحة الرحيمة فتعرف أن الحقيقة يمكن أن تمشي بخطوة ثابتة من غير أن تدوس أحدًا.
بعد محاولتين، وضعت صاحبة الورشة قطرة من المزيج الجديد على معصمكِ. انتظرنا دقائق لأن الرائحة تتغير حين تلامس الجلد. رفعتِ يدكِ، تنفستِ، ثم قلتِ إنكِ تحبين البداية لكن شيئًا مرًّا يظهر بعدها. ضحكتِ وأضفتِ أنكِ صرتِ زبونة صعبة. قلتُ إنكِ لستِ صعبة؛ أنتِ فقط توقفتِ عن إعطاء الإجابة الأسهل. أعادت صاحبة الورشة تعديل النسبة، ولم يبدُ عليها الانزعاج. كان الصدق بالنسبة إليها جزءًا من الصنعة، لا إساءة إليها.
تمنيتُ لو نتعامل مع أيامنا بهذه الطريقة. ما لا ينجح بيننا لا يحتاج دائمًا إلى مذنب؛ قد يحتاج إلى تعديل. موعد نحب فكرته ولا يناسب توقيته، طريقة للمواساة تضغط بدل أن تسند، عادة يومية بدأت لطيفة ثم فقدت معناها. نستطيع أن نقول: هذا لم يعد صالحًا، من غير أن نعلن أن كل شيء فشل. حين نفصل قيمة العلاقة عن نجاح كل تفصيل فيها، يصبح التغيير ممكنًا من دون ذعر.
وسأحذر من أن أذكّركِ لاحقًا بصراحتكِ كي أخيفكِ منها. لن أقول في خلاف آخر إنكِ لا يعجبكِ شيء، ولن أحوّل رفض عطر إلى وصف دائم لشخصكِ. الحقيقة التي تمنحينني إياها في موقف محدد يجب أن تبقى بحجمها. التعميم طريقة كسولة للانتقام، وأنا لا أريد أن تدفعي ثمن كلمة صادقة مرات متعددة. ما يخص الرائحة يخص الرائحة، وما يحتاج نقاشًا آخر يُناقش باسمه.
وحين أقدّم لكِ هدية مستقبلًا، سأترك فيها مساحة لكِ. سأحتفظ بالإيصال إن كان الشيء قابلًا للاستبدال، وأسألكِ عن المقاس واللون حين يكون السؤال أفضل من المفاجأة، وأتذكر أن نجاح الهدية ليس امتحانًا لقدرتي على قراءة أفكاركِ. المفاجأة جميلة حين تفرحكِ، لكنها لا تصبح مقدسة إذا أخطأت. يمكن للمحبة أن تتقبل الاستبدال من غير أن تشعر بأنها هي التي أُعيدت إلى المتجر.
في نهاية الجلسة، ملأت صاحبة الورشة زجاجة صغيرة بالمزيج الأخير. لم يكن عليه اسم، ولم نحتج إلى تسميته. قربتِه من معصمكِ مرة أخرى، ثم مددتِ يدكِ نحوي لأجربه. شممتُ الأرز أولًا، ثم البرتقال، ثم أثرًا هادئًا لم أعرفه. قلتُ إنه مختلف تمامًا عما اخترته. سألتِني إن كنتُ منزعجًا، فأجبتُ أنني أحب كونه وصل إلينا بعد أن قلتِ الحقيقة، لا بعد أن سايرتِني.
خرجنا من الورشة والزجاجة في حقيبتكِ، أما الشريط الأول فبقي على الطاولة. لم ننقذه كتذكار، ولم نتعامل معه كفشل. كان مجرد اقتراح لم يشبهكِ. في الطريق، مررنا بمقهى فسألتكِ أين تريدين الجلوس. أشرتِ إلى طاولة في الخارج، ثم قلتِ فورًا إنكِ غيرتِ رأيكِ وتفضلين الداخل. دخلنا من غير شرح ولا مزاح على ترددكِ. بدت لي هذه الجملة الصغيرة استمرارًا لما بدأ في الورشة: رغبتكِ تصلني مباشرة، فلا أضطر إلى محبتكِ عبر التخمين.
لذلك، حين لا يعجبكِ شيء صنعتُه أو اخترتُه، لا تلبسي ابتسامة تحرسني منكِ. قولي الحقيقة بلطف، واتركي لي كرامة أن أتعلمها. سأفرق بين رفضكِ للشيء ورفضكِ لي، وبين اختلافنا وانكسارنا، وبين خيبة تمر ومحبة تبقى. لا أريد أن أضع حول قلبي زجاجًا يجبركِ على الكلام من خلفه. أريد صوتكِ قريبًا وواضحًا، حتى حين يصححني. فصدقكِ لا يخذلني؛ الذي يخذلنا حقًا هو أن تعيشي إلى جواري برائحة لا تشبهكِ لأنكِ خفتِ أن تقولي لي ذلك.
صدقكِ لا يخذلني
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً