تعطلت السيارة قبل أن نصل إلى الطريق المفتوح الذي اخترناه لذلك المساء. سمعنا ارتطامًا خفيفًا تحتها، ثم أضاءت علامة في اللوحة، فابتعدتُ إلى جانب الشارع وأطفأت المحرك. كان الغروب الذي أردنا مشاهدته ينسحب وراء المباني، وأنتِ تنظرين إلى السماء من الزجاج الأمامي كأنكِ تحاولين الاحتفاظ بآخر شريط برتقالي منها. قلتِ إن الحجز سيضيع، وإن المطعم لن يبقي الطاولة، ثم ابتسمتِ ابتسامة صغيرة متعبة وقلتِ: يبدو أن موعدنا انتهى قبل أن يبدأ.
وجدنا ورشة ما تزال مفتوحة عند طرف الحي. رفع العامل السيارة، وأخبرنا أن القطعة البديلة ستصل بعد ساعة ربما، وربما بعد ساعتين. لم تكن في غرفة الانتظار إلا ثلاثة مقاعد بلاستيكية وآلة مشروبات تبتلع العملات، فخرجنا وجلسنا على الرصيف قرب الباب المعدني. مرّت السيارات أمامنا مسرعة إلى أمكنتها، بينما بقيت سيارتنا معلقة فوق الأرض، عجلاتها ساكنة على غير عادتها، وخطتنا الجميلة تتلاشى بلا ضجيج.
راقبتُكِ وأنتِ تحاولين إنقاذ المساء. فتحتِ هاتفكِ تبحثين عن مطعم قريب، ثم عن سيارة يمكن استئجارها، ثم عن مكان يرى الغروب من هذه الجهة. كنتِ تنتقلين من خيار إلى آخر بسرعة من يشعر أن عليه تعويض الخيبة فورًا. وضعتُ يدي فوق الشاشة وقلتُ إننا لا نحتاج إلى إنقاذ شيء. رفعتِ عينيكِ إليّ وسألتِ: وماذا سنفعل هنا؟ أشرتُ إلى الرصيف، وإلى الورشة، وإلى الساعة التي صارت لنا رغمًا عنا، وقلتُ: سنعيشها.
أريدكِ أن تعرفي أنني لا أحبكِ فقط في الأيام التي نحسن إعدادها. أحبكِ حين تكتمل الزينة، وحين لا نجد إلا ضوء مصباح أبيض فوق باب ورشة. لا تصبح صحبتكِ أقل قيمة لأن الخلفية عادية، ولا يحتاج قربنا دائمًا إلى حجز وصورة وملابس انتقيناها بعناية. بعض أجمل ما سيبقى بيننا لن يعرف أنه كان مناسبة؛ سيحدث بينما ننتظر إصلاح شيء، أو نشتري دواءً، أو نطوي الغسيل، أو نبحث عن مفتاح ظننا أنه ضاع.
لقد علّمونا أن الحب يُثبت نفسه في اللحظات الكبيرة: سفر مفاجئ، هدية نادرة، عشاء تحت ضوء محسوب، وكلمات تُقال في توقيت مثالي. أحب هذه الأشياء ولا أزهد فيها، لكنني أخشى أن ننشغل بصناعة الاستثناء حتى نفوّت الحياة التي تقع بين استثناءين. أغلب العمر لن يكون احتفالًا. سيكون صباحات عمل، وفواتير، وازدحامًا، ومواعيد تتأخر، وطعامًا يؤكل واقفين. وإذا لم نجد بعضنا داخل هذا النسيج العادي، فلن تنقذنا منه ليلة فاخرة كل بضعة أشهر.
لن أقيس نجاح يومنا بعدد الصور التي خرجنا بها منه. قد نعود من مكان بعيد ولا يحمل قلبنا شيئًا، وقد نجلس قرب متجر مغلق فتنفتح بيننا جملة ظلت تنتظر أسابيع. لستِ مطالبة بأن تبدين سعيدة كي لا أشعر أن خطتي فشلت، ولا أن تمدحي كل تفصيل تعبتُ في ترتيبه. إذا لم يعجبكِ المكان، قولي. وإذا أرهقكِ اليوم، فلن أطالبكِ بأداء الامتنان. الموعد الحقيقي ليس العرض الذي نقدمه لبعضنا؛ إنه الصدق الذي نستطيع حمله ونحن فيه.
خرج العامل من الورشة وقال إن الانتظار سيطول. سألنا إن كنا نريد سيارة أجرة، لكنكِ نظرتِ إلى السيارة المرفوعة ثم إلى الرصيف وقلتِ إننا سنبقى. بعد دقائق، عدتِ من البقالة الصغيرة بكيس ورقي فيه شطيرة واحدة وزجاجتا ماء. اعتذرتِ لأن هذا كل ما بقي لديهم من طعام. فتحتِ الغلاف وقسمتِ الشطيرة نصفين، ثم ناولتِني الجزء الأكبر كأن الحركة لا تستحق أن تُرى. انتظرتُ حتى التفتِّ إلى الطريق وبدّلتُ النصفين.
لاحظتِ الأمر فورًا. نظرتِ إلى يدي، ثم إلى يدكِ، وضحكتِ لأول مرة منذ تعطلت السيارة. حاولتِ أن تعيدي النصف الكبير إليّ، فرفعتُ يدي بعيدًا، ودخلنا في مساومة سخيفة فوق الرصيف. انتهينا بأن أخذ كل منا قضمة من النصف نفسه قبل أن نقسمه من جديد بصورة أقل ظلمًا. لم يكن الطعام مميزًا؛ كان الخبز باردًا، والخس ذابلًا عند الأطراف، لكنني شعرتُ أننا جلسنا إلى مائدة كاملة لأن ضحكتكِ صارت في المكان.
هذه التفاصيل هي التي أريد أن أحسن رؤيتها معكِ. الطريقة التي تدفعين بها القطعة الأفضل نحوي من غير إعلان، والطريقة التي تعرفين بها أنني فعلت الشيء نفسه، والنظرة التي تقول إن كلينا مكشوف للآخر ولا يشعر بالحرج. الحب لا يعيش فقط في الجمل التي نحفظها؛ يعيش في نصف شطيرة، وفي شاحن هاتف نتركه للآخر، وفي كوب الماء الأخير، وفي من ينهض ليطفئ الضوء حين يكون الاثنان متعبين ثم لا يحوّل نهوضه إلى بطولة.
ولا أريد لهذه الأعمال الصغيرة أن تتحول إلى دفتر حساب. لن أعدّ من قاد أكثر، ومن غسل الصحون، ومن بدأ الرسالة، ثم أطالبكِ بالتعادل الحسابي كل ليلة. العدل بيننا ضروري، لكن العدل ليس تطابقًا باردًا في كل يوم. قد أحمل عنكِ أكثر في أسبوع يثقل عليكِ، وتحملين عني أكثر حين تنخفض قدرتي. ما يحمينا هو أن يظل العطاء حرًّا ومرئيًّا، وأن نتكلم قبل أن يصير الكرم استنزافًا أو يصير التعب مرارة صامتة.
سأنتبه إلى الملل أيضًا. لن أفسر كل هدوء بيننا على أنه نقص في المحبة، ولن أفتعل مشكلة كي أشعر أن العلاقة ما تزال حيّة. ثمة أيام لن نجد فيها خبرًا جديدًا، وسنعيد الحديث عن الأشياء نفسها، ونجلس كل واحد قرب عمله من غير حكاية مثيرة. لا يخيفني ذلك. الألفة ليست موت الدهشة؛ إنها نوع آخر منها، دهشة أن يظل وجودكِ مريحًا حتى حين لا يحدث شيء يستحق الرواية.
لكنني لن أستخدم جمال العادي ذريعة لإهمالكِ. لن أقول إن الحب في التفاصيل ثم أنسى أن أصنع لنا تفصيلًا جميلًا. سأخطط، وأحتفل، وأفاجئكِ قدر استطاعتي، لا لأثبت شيئًا أمام الناس بل لأن الفرح يحتاج أحيانًا إلى من يدعوه. الفارق أنني لن أجعل قيمة علاقتنا رهينة بنجاح الخطة. إذا أغلق المطعم، سنجد طعامًا آخر؛ وإذا أمطر المكان المفتوح، سنعود مبتلّين؛ وإذا فسد الموعد، لن أتعامل معكِ كأنكِ كنتِ جزءًا من فساده.
وأرجو ألا تعتذري حين لا تملكين طاقة للمناسبة. قد أرتب مساءً ثم تأتين منهكة، وقد ترتدين ما تحبين ثم تشعرين فجأة أنكِ تريدين العودة. أخبريني قبل أن تبتلعي تعبكِ في سبيل الصورة التي توقعناها. لن أرى في التغيير قلة تقدير. تستطيعين أن تحبي جهدي وتحتاجي إلى سريركِ في الوقت نفسه. ما أريده ليس نجاح البرنامج، بل أن نخرج منه من دون أن يخسر أحدنا نفسه كي يحمي مزاج الآخر.
مرّ صبي على دراجة ورمى نحونا نظرة سريعة، ثم اختفى عند الزاوية. بدأتِ تخبرينني عن ورشة كان والدكِ يأخذ السيارة إليها وأنتِ صغيرة، وعن الكرسي المرتفع الذي كنتِ تجلسين عليه وتشربين عصيرًا من علبة معدنية. لم تكن القصة كبيرة، وربما ما كنتِ ستتذكرينها في المطعم الذي حجزناه. المكان العابر استدعى من طفولتكِ بابًا صغيرًا، وجلستُ أصغي إليه وهو ينفتح. فهمتُ أن الخطط الملغاة لا تترك فراغًا دائمًا؛ أحيانًا تفسح مجالًا لشيء لم نعرف أننا نحتاج إليه.
وحين نصنع بيتًا من أيامنا، لن أترك مسؤولية الدفء عليكِ وحدكِ. ليس مطلوبًا منكِ أن تحولي كل وجبة إلى طقس جميل، ولا كل غرفة إلى مكان جاهز للزيارة، ولا كل مساء متعب إلى مساحة رومانسية. سأشارككِ الأعمال التي تجعل اليوم ممكنًا، لا بصفة من يساعدكِ في واجبكِ، بل بصفة من يعيش هنا أيضًا. الجمال الذي يقوم فوق إرهاق امرأة واحدة ليس دفئًا؛ إنه واجهة مضاءة وخلفها شخص لا يجد وقتًا للجلوس.
وقد تمر علينا فترات لا نملك فيها مالًا كثيرًا أو وقتًا واسعًا. لن أجعل ما نستطيع شراءه مقياسًا لما نستطيع منحه. يمكننا أن نمشي في شارع قديم، أو نعدّ الشاي في البيت، أو نقتسم شطيرة كما فعلنا. الرقة لا تحتاج إلى إنفاق كي تكون حقيقية، لكنها تحتاج إلى انتباه. فقر الخيارات ليس فقرًا في المحبة، والغنى لا يضمن حضور القلب. ما يجعل الشيء لنا هو الطريقة التي نكون بها داخله.
بعد ساعة، خفتت حركة الشارع وأغلق المتجر الصغير نوره. بقي باب الورشة مفتوحًا، تتناثر منه شرارات قصيرة كلما لامست أداة معدنًا. أسندتِ كتفكِ إلى كتفي، لا لأنكِ غلبكِ النوم، بل لأن جلستنا صارت طبيعية إلى حد أنكِ لم تعودي تحاولين إصلاحها. قلتِ إنكِ كنتِ متأكدة أن المساء ضاع. ثم نظرتِ إلى غلاف الشطيرة المطوي بيننا وقلتِ: لكنه صار له شكل آخر فقط.
أحببتُ عبارتكِ لأنها لم تدّعِ أن العطل هدية، ولا أن كل خيبة تخبئ حكمة. السيارة تعطلت فعلًا، وخسرنا الحجز، وكان الرصيف قاسيًا. لسنا مضطرين إلى تلميع المتاعب كي نثبت قدرتنا على الفرح. يكفي أن نعترف بما أزعجنا، ثم نرى إن بقي في اليوم شيء صالح لأن يُعاش. النضج ليس أن نسمي السيئ جميلًا؛ هو ألا نمنح السيئ سلطة ابتلاع كل ما حوله.
وأريد أن أكون معكِ هكذا عندما تكون الأعطال أكبر. لن أقول إن فقدان عمل فرصة خفية قبل أن يهدأ الخوف، أو إن مرضًا سيعلمنا الامتنان، أو إن خيبة ثقيلة حدثت لسبب. بعض الأحداث لا تحتاج إلى درس سريع. سأقف معكِ في حقيقتها، ونفعل ما نستطيع، ونبحث بعد ذلك عن لقمة وماء ومكان نجلس فيه. ليس لأن هذه الأشياء تحل الأزمة، بل لأنها تذكّر الجسد أن الحياة لم تتوقف كلها في النقطة نفسها.
عاد العامل أخيرًا يحمل المفتاح وقال إن السيارة جاهزة. نهضنا، ونفضتِ عن معطفكِ فتات الخبز، ثم نظرتِ إلى الساعة. كان المطعم قد أغلق، والغروب صار ليلًا كاملًا. توقعتُ أن نقود مباشرة إلى البيت، لكنكِ سألتِ إن كنتُ أريد أن نمر بالطريق المفتوح على أي حال. قلتِ إننا لن نرى شيئًا، فأجبتِ: سنرى الطريق ليلًا، وهذا شيء لم نخطط له.
قدنا والنوافذ نصف مفتوحة، والهواء البارد يدخل برائحة الإسفلت. لم تكن هناك موسيقى؛ اكتفينا بصوت المحرك بعد إصلاحه وبالخطوط البيضاء تمر تحت الضوء. عند أول مرتفع ظهرت المدينة خلفنا، لا كغروبٍ ذهبي بل كنقاط صغيرة كثيرة. أبطأتُ قليلًا، ومددتِ يدكِ فوق منتصف المقعد. لم تقولي إن الموعد نجا، ولم أقل إنني كنت محقًا. كنا فقط داخل النسخة التي حدثت فعلًا، وقد كفّت عن حاجتها إلى المقارنة بالنسخة التي لم تحدث.
لهذا، إذا جاءتنا الأيام من غير زينة، فلا تظني أن حبنا غائب عنها. ستجدينه في الانتظار، وفي القسمة العادلة، وفي المسافة القصيرة إلى البقالة، وفي سؤال بسيط عمّا تحتاجينه. وإذا تعطلت خطة أخرى، سنحزن عليها بقدرها ثم ننظر حولنا. ربما لا نجد إلا رصيفًا ونصف شطيرة وطريقًا صار مظلمًا، لكنني لن أتعامل مع ذلك بوصفه وقتًا ضائعًا ما دمتِ فيه معي. يكفينا يومٌ عاديّ لا نؤدي فيه دور العاشقين أمام أحد، بل نكونهما حقًا: شخصين يعرفان أن الحياة لا تقع بعد اكتمال الترتيبات، وإنما هنا، في النسخة غير المصقولة التي وصلت، وفي يدكِ حين تمتد فوق المقعد وتقول من غير كلام إن هذا الطريق، على بساطته، صار لنا.
يكفينا يومٌ عاديّ
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً