الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

يدكِ تختار القرب

في الدقيقة الأولى من الموسيقى، وضع المدرّب الأزواج في صفين وطلب من كل شخص أن يقترب من شريكه. كانت القاعة واسعة، وأرضها الخشبية تعكس ضوء النوافذ العالية، فيما تختلط الخطوات بالضحك والارتباك. مددتُ يدي إلى خصركِ بالطريقة التي شرحها، فرأيتُ كتفيكِ يرتفعان قليلًا، ورأيتُ أصابعكِ تنغلق على نفسها. لم تقولي شيئًا، لكن جسدكِ قال إنه يحتاج إلى مسافة. سحبتُ يدي فورًا، وتراجعتُ نصف خطوة، ثم فتحتُ كفي أمامكِ من غير أن ألمسكِ.

نظرتِ إلى يدي، ثم إلى وجهي، كأنكِ تنتظرين أن أحرجكِ أو أسألكِ أمام الجميع عمّا بكِ. قلتُ إننا نستطيع الاكتفاء بالخطوات منفصلين، وإن الرقصة لن تنهار بسبب متر صغير بيننا. بقيت كفي مفتوحة لحظة، لا تطلب جوابًا، ثم أنزلتُها. بعد جولة كاملة، حين هدأ ضجيج القاعة قليلًا، اقتربتِ أنتِ ووضعتِ أصابعكِ في أصابعي. لم يكن الفرق في اللمسة نفسها؛ كان في أنها جاءت منكِ، في الوقت الذي اختاره جسدكِ.

تلك اللحظة علّمتني شيئًا أريد أن يبقى واضحًا بيننا: قربكِ ليس شيئًا أملكه لأنكِ تحبينني. يدكِ، وكتفكِ، ووجهكِ، والمسافة حولكِ، كلها لكِ قبل أن تكون مواضع لحناني. قد ترغبين في عناقي صباحًا ولا تريدينه مساءً، وقد تمسكين يدي في شارع وتفضلين أن تمشي وحدكِ في شارع آخر. تغير رغبتكِ لا يجعل محبتكِ متناقضة؛ يعني فقط أنكِ إنسانة يتغير إحساسها مع التعب والمكان واللحظة.

لن أطلب من «نعم» قديمة أن تجيب نيابة عنكِ اليوم. لأنكِ أحببتِ لمسة في مرة، لا يعني أنها أصبحت حقًا دائمًا لي. ولأنكِ بدأتِ عناقًا، يمكنكِ أن تنهيه حين تريدين من غير أن تشرحي. سأصغي إلى تراجع جسدكِ كما أصغي إلى كلامكِ، لكنني لن أكتفي بالتخمين حين يمكنني السؤال. سأقول: هل هذا مريح؟ لا ببرود يفسد الحنان، بل باهتمام يحميه من أن يتحول إلى عبء صامت.

أعرف أن بعض الناس يتعاملون مع السؤال كأنه يقتل العفوية. يظنون أن القرب الحقيقي يفهم وحده، وأن التوقف للاستئذان يجعل اللحظة مصطنعة. لكنني أرى العكس: ما يقتل العفوية فعلًا هو أن تنشغلي أثناءها بكيفية الإفلات من دون أن تجرحيني. أما السؤال الواضح فيترككِ حرة كي تكون إجابتكِ صادقة، ويجعل ما يأتي بعده أخف. لا أريد لمستي جميلة في ذاكرتي ومربكة في جسدكِ؛ أريدها جميلة لنا معًا.

وحين تقولين «ليس الآن»، لن أحول العبارة إلى محاكمة. لن أسألكِ فورًا إن كنتِ ما تزالين تحبينني، ولن أعبس حتى تضطري إلى التراجع عن حدودكِ لإرضائي. خيبتي، إن جاءت، مسؤوليتي؛ أستطيع أن أشعر بها من دون أن أعاقبكِ. فالرفض المحدد للمسة أو لحظة ليس رفضًا لشخصي كله. وإذا احتجتُ إلى طمأنة، سأطلبها بالكلام، لا بأن أجعلكِ تقدمين جسدكِ دليلًا على صدق قلبكِ.

وقد لا تعرفين سبب انزعاجكِ. ربما القاعة مزدحمة، أو الصوت مرتفع، أو يومكِ ترك في أعصابكِ توترًا لم تجدي له اسمًا. لستِ مطالبة بإحضار حجة كاملة كي أحترم ترددكِ. يكفي أن تقولي إنكِ غير مرتاحة، أو حتى أن تتراجعي خطوة. الحدود لا تحتاج إلى مرافعة كي تصبح نافذة؛ هي نافذة منذ اللحظة التي تشعرين بها. ويمكننا أن نفهم السبب لاحقًا، إذا أردتِ، من غير أن نؤخر الاحترام إلى أن يصل التفسير.

عدنا يومها إلى التمرين، كل واحد يكرر الإيقاع وحده. كان المدرّب يعدّ بصوت مرتفع، لكنني ركزتُ على قدميكِ وهما تستعيدان ثقتهما بالأرض. شيئًا فشيئًا، زال الشد من كتفيكِ. وعندما مددتِ يدكِ، لم أقبض عليها بقوة؛ تركتُها تستقر فوق كفي، ثم انتظرتُكِ لتحددي مقدار القرب. ابتسمتِ، وقلتِ إنكِ تريدين المحاولة من البداية. لم أشعر أنني مُنحت جائزة لأنني تراجعت؛ شعرتُ أن الأمان أعاد إلى الرقصة شريكتها.

هذا مهم: لن أجعل احترامي لحدودكِ فضلًا أمنّ به عليكِ. لا أستحق مكافأة لأنني توقفتُ حين لم ترتاحي، ولا يصبح لكِ دَين نحوي لأنني لم أضغط عليكِ. احترام الجسد هو الحد الأدنى الذي يجعل الحب صالحًا لأن يُعاش. وإذا ذكّرتكِ يومًا بأنني كنتُ صبورًا كي أطالبكِ بقرب لا تريدينه، أكون قد حوّلت الاحترام إلى استثمار ينتظر الربح، وهذا ليس ما أريده لنا.

وأريد منكِ أن تنظري إلى حدودي بالرحمة نفسها. قد أكون أنا من لا يحتمل اللمس في لحظة تعب أو غضب، وقد أحتاج إلى أن يهدأ جسدي قبل أن أستطيع العناق. لا تفسري ابتعادي القصير جفاءً، ولا تطاردي يدي لتتأكدي أنني لم أتغير. سأخبركِ بوضوح أن الأمر ليس عقابًا، وأحدد ما أستطيعه: ربما أجلس قربكِ بلا تماس، أو أعود بعد دقائق. حقنا في المسافة متبادل، مثل حقنا في الاقتراب.

لن أستخدم القرب أمام الآخرين لإثبات شيء. في المجالس والطرقات، سأسأل نفسي إن كانت اللمسة تخصنا فعلًا أم أنها عرض أريد به أن يرانا الناس متحابين. ربما تحبين أن أمسك يدكِ علنًا، وربما يربككِ ذلك في مكان معين. لن أضع ذراعي حولكِ كي أعلن ملكيتي، ولن أعتبر تحفظكِ إخفاءً لي. علاقتنا لا تحتاج إلى علامة على جسدكِ حتى يصدقها المارة.

وفي الأيام الصعبة، لن أفترض أن العناق هو الجواب الوحيد. قد تحتاجين إلى كوب ماء، أو نافذة مفتوحة، أو أن أجلس على الطرف الآخر من الغرفة. سأعرض ولا أقتحم. وإذا قلتِ إنكِ تريدين أن تكوني وحدكِ، سأترك لكِ طريقًا إلى الوحدة من غير أن أملأه باللوم. المساندة التي لا تحترم طريقة صاحب الألم في تلقيها قد تتحول إلى عبء آخر، حتى إن جاءت بقلب طيب.

أحيانًا قد تقولين «نعم» ثم يتغير شعوركِ في منتصف اللحظة. توقّفكِ حينها لا يظلم ما سبق، ولا يلزمكِ بالاستمرار لأننا بدأنا. سأتعامل مع «كفى» ككلمة كاملة، لا بداية تفاوض. لن أسأل كم بقي، أو لماذا الآن، أو ألم تكوني مرتاحة قبل دقيقة. اللحظة الجديدة لها جوابها الجديد. ما كان جميلًا يظل جميلًا إلى الحد الذي كان فيه حرًا، والتوقف في وقته يحفظه من أن يصبح ذكرى ثقيلة.

ولن أجعل حساسيتي عذرًا كي تصمتي. ربما تخشين أن يجرحني رفضكِ، أو أن أظن بكِ سوءًا، فتتحملين ما لا تريدين. أعدكِ أن أعمل على أن يكون وجهي مكانًا آمنًا لجوابكِ، لا ورقة امتحان تقرئين عليها النتيجة. قد أحتاج إلى لحظة لأعيد ترتيب إحساسي، لكنني لن أجعل تلك اللحظة عقوبة لكِ. الصدق الذي يمنع أذى أكبر يستحق أن يُستقبل بنضج، حتى إذا لم يوافق الرغبة.

بعد استراحة قصيرة، خفت عدد المتدربين وصارت القاعة أهدأ. وقفنا قرب المرآة الطويلة نراجع حركة بسيطة: خطوة إلى الجانب، ثم عودة، ثم دوران صغير. هذه المرة سألتكِ أين تفضلين أن أضع يدي. أخذتِ كفي بنفسكِ ووضعتِها أعلى ظهركِ، بعيدًا عن خصركِ، وقلتِ إن هذا أريح. لم أفقد شيئًا من جمال الرقصة؛ على العكس، صار موضع اليد معلومًا، فاستطعنا أن ننشغل بالموسيقى بدل القلق.

أحببتُ فيكِ تلك الدقة. لم تطلبي إلغاء القرب، بل رسمتِ له الطريق الذي يناسبكِ. كثيرون يظنون أن الحدود جدران، مع أنها قد تكون إرشادات تجعل الوصول ممكنًا. حين تقولين كيف تحبين أن أقترب، لا تبعدينني؛ تمنحينني خريطة لا تؤذيكِ. وسأحفظها مع معرفتي بأنها قابلة للتغير، لأن جسدكِ ليس مدينة جامدة، وما كان مريحًا بالأمس قد يحتاج اليوم إلى طريق آخر.

لن أسخر من حرصكِ، ولن أصفكِ بالتعقيد لأنكِ تملكين تفضيلات دقيقة. ربما لا تحبين المفاجآت من الخلف، أو تنزعجين حين يلمس أحد شعركِ، أو تحتاجين إلى أن تري اليد قبل أن تصل. هذه التفاصيل ليست مبالغة؛ هي مفاتيح راحة لا تكلفني شيئًا سوى الانتباه. ومن يحب لا يفتخر بأنه يعامل الجميع بالطريقة نفسها؛ يتعلم الطريقة التي تجعل من أمامه يشعر بأنه حاضر في جسده، لا محاصر داخله.

وفي المقابل، لا أريد الخوف أن يحرمنا من الحنان. سأسأل، وأنتِ قولي ما تريدين، ثم دعينا نثق بالإجابة. حين تفتحين ذراعيكِ، سأقترب من غير أن أظل متجمدًا أخشى كل حركة. الأمان ليس انعدام اللمس، بل وضوح الباب الذي يدخل منه وخروج كل منا منه بحرية. نستطيع أن نكون حنونين وعفويين لأننا نعرف أن التوقف مسموح، وأن أحدًا لن يحول التردد إلى تهمة.

مع نهاية الدرس، انطفأت بعض المصابيح وبقي ضوء ذهبي فوق الأرض. بدأت موسيقى بطيئة بينما كان المدرّب يجمع أغراضه. لم يطلب منا أحد أن نرقص، لكنكِ وقفتِ في منتصف القاعة ومددتِ يدكِ نحوي. سرتُ إليكِ، ثم توقفتُ على بعد خطوة وفتحتُ كفي. وضعتِ يدكِ فيها، وجذبتِني أنتِ مقدارًا صغيرًا. تحركنا من دون عدّ، نخطئ الإيقاع ونضحك، وكل مرة تبتعدين فيها كنتُ أترك المسافة مفتوحة لعودتكِ أو لبقائكِ حيث أنتِ.

في الخارج، قلتِ إن أكثر ما أراحكِ لم يكن أنني فهمتُ سبب توتركِ، بل أنني لم أطلب السبب قبل أن أحترمه. احتفظتُ بالجملة لأنها فرّقت بين المعرفة والحق. قد لا أعرف كل ما يحدث داخلكِ، ومع ذلك أستطيع أن أتصرف برفق. لا ينبغي أن تفتحي تاريخكِ كله كي يصبح جسدكِ مصدقًا، ولا أن تحكي جرحًا قديمًا حتى يُسمح لكِ بخطوة إلى الخلف.

لهذا، إذا مددتُ يدي إليكِ، فاعتبريها سؤالًا لا قيدًا. خذيها إن أردتِ، واتركيها إن احتجتِ، وغيّري جوابكِ متى تغيّر إحساسكِ. سأحب اليد التي تمسك بي بحرية أكثر من يد بقيت خوفًا من حزني. وسأتعلم أن أرى القرب في أشياء لا تلامس الجلد أيضًا: في نظرة طويلة، أو جلوس متجاور، أو كلمة تقول إنكِ هنا. وحين تختارين أن تقتربي، لن أقول إنكِ عدتِ إلى مكاني؛ سأعرف أنكِ عدتِ إلى مكانكِ أنتِ، ثم فتحتِ لي فيه مساحة. عندها فقط تصبح الرقصة لنا: خطوتان تلتقيان من غير أن تبتلع إحداهما الأخرى، ويدان تعرفان أن أجمل ما في الإمساك هو أن كلتيهما كانتا حرتين في الاختيار.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً