الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

ثقتي لا تفتّشكِ

اهتزّت العبّارة قليلًا حين ابتعدت عن الرصيف، فانزلقت قطرة ماء طويلة على النافذة، وتكسّرت أضواء المدينة فوق النهر. تركتِ هاتفكِ على المقعد إلى جواري وذهبتِ إلى المقهى الصغير في آخر الصالة لتأتينا بشيء دافئ. كنتُ أراقب الموج وهو يرفع انعكاس المصابيح ويخفضه، حين أضاءت الشاشة فجأة. ظهر إشعار، ثم آخر، وبقي الهاتف يرتجف فوق الخشب لحظات. لم أقرأ الاسم، ولم أمل رأسي نحو الكلمات؛ وضعتُ كفي على طرف الجهاز وقلبتُه إلى الأسفل، كمن يغلق نافذة فتحها الهواء من غير إذن صاحب البيت.

عدتِ تحملين كوبين من الشاي، ورأيتِ الحركة في لحظتها الأخيرة. توقفتِ خطوة، ثم نظرتِ إليّ نظرة لم أفهمها أولًا. قلتُ إن هاتفكِ كان يضيء، وإنني قلبته حتى لا تزعجنا الشاشة. وضعتِ الكوبين على الطاولة وجلستِ، لكن ملامحكِ ظلت ساكنة لحظة أطول من المعتاد. بعد قليل قلتِ إنكِ توقعتِ أن أسألكِ عمّن يكتب في هذا الوقت. لم يكن في صوتكِ اتهام؛ كان فيه أثر أبواب قديمة فُتحت بالقوة حتى صار الهدوء أمامها أمرًا يثير الدهشة.

لا أريد قربنا بابًا آخر من تلك الأبواب. محبتكِ لا تمنحني تصريحًا لتفتيش جيوب أيامكِ، ولا تجعل كل رسالة تصل إليكِ شأنًا يخصني. هاتفكِ ليس غرفة مشتركة لمجرد أننا نتشارك الحياة، وكلمة المرور التي قد أعرفها لضرورة ما ليست مفتاحًا أبقيه في يدي وأدخل به متى تحرك قلقي. ثقتي بكِ لا أريدها ادعاءً جميلًا أقوله حين أكون مطمئنًا، ثم أسحبه عند أول ضوء يظهر على شاشة لا أرى ما فيها.

أعرف أن الغيرة قد تتنكر في هيئة اهتمام. يسأل الإنسان: من كان؟ ثم يقول إنه يريد الاطمئنان فقط. يطلب أن يرى المحادثة، ويصف طلبه بالشفافية. يراقب وقت الظهور، ويتابع الإعجابات، ويقارن بين دقيقة أُرسلت فيها الرسالة ودقيقة جاء فيها الرد، ثم يقنع نفسه بأنه يحمي الحب. لكن الحب الذي يحتاج إلى غرفة مراقبة كي يبقى واقفًا لا يعيش مطمئنًا؛ يعيش خائفًا، ويحوّل من يحب إلى مشتبه بها مطالبة بإثبات براءتها كل صباح.

لن أجعلكِ تدفعين ثمن خوف لم تصنعيه. ربما خُذلتُ يومًا، أو رأيتُ علاقة تهدمها الخيانة، أو حملتُ من الماضي عادة توقّع الأسوأ. هذه كلها تفسر ارتباكي، لكنها لا تمنحه سلطة على خصوصيتكِ. مسؤوليتي أن أتعرف إلى قلقي قبل أن أضعه في يدكِ على هيئة أمر. أستطيع أن أقول إنني خائف، وأن أطلب حديثًا صريحًا، من غير أن أطالبكِ بأن تفتحي جهازكِ وتعرضي حياتكِ صفًّا صفًّا حتى تهدأ أفكاري.

فالطمأنينة التي تأتي من التفتيش قصيرة العمر. قد لا أجد شيئًا اليوم، فيهدأ رأسي ساعة، ثم يسأل غدًا إن كنتِ قد حذفتِ ما كان سيزعجه. وكل دليل أطلبه يلد دليلًا آخر، حتى يصبح غياب الشبهة نفسه شبهة. لا أريد أن نمشي في هذا الطريق، لأن نهايته ليست معرفة أكثر، بل قدرة أقل على الثقة. أريد أن أعالج السؤال في موضعه الحقيقي: بيني وبين خوفي، ثم آتيكِ بما يحتاج إلى حوار، لا بما يحتاج إلى محقق.

وحين أحتاج إلى الوضوح، لن ألمّح أو أنصب الفخاخ. لن أذكر اسمًا عابرًا لأراقب تغير وجهكِ، ولن أختلق معلومة كي أختبر إن كنتِ ستصححينها. سأقول بوضوح: هذا الموقف أربكني، وأريد أن أفهمه. سأمنحكِ سؤالًا يمكن الإجابة عنه، لا امتحانًا لا تعرفين أنكِ دخلتِه. فالصدق لا ينمو تحت الحيلة، والإنسانة التي تُراقب كل حركة في وجهها لا تعود تتكلم بعفوية؛ تبدأ في إدارة خوف السائل بدل أن تشاركه الحقيقة.

وأريدكِ أن تسأليني بالطريقة نفسها. إذا أقلقكِ شيء في سلوكي، لا تحملي الهاتف بعد أن أنام، ولا تبحثي في صمتي عن دليل جاهز. أيقظيني بالكلام قبل أن توقظكِ الاحتمالات. قد تكون هناك حقيقة مؤلمة علينا مواجهتها، وقد يكون سوء فهم صغيرًا، لكننا لن نعرف الفرق من خلال التخمين. أنا لا أطلب منكِ ثقة عمياء؛ أطلب ثقة تفتح عينيها وتسأل، ثم تصغي إلى الجواب وتراقب اتساقه مع الفعل.

الثقة ليست أن نتجاهل العلامات الواضحة باسم الحب. إذا تناقض كلامي مرارًا، أو اختبأتُ خلف الغضب كلما سألتِ، أو جعلتُكِ تشكين في ذاكرتكِ كي أنجو من مسؤولية، فمن حقكِ أن تتوقفي وتطلبي وضوحًا حقيقيًا. احترام الخصوصية لا يعني حماية الكذب، والحدود ليست ستارًا أستخدمه كي أخفي ما يؤذيكِ. سأفرق معكِ بين مساحة شخصية تحفظ كرامتي، وسرّ يهدم اتفاقًا بيننا. الأولى حق، والثاني خيانة لما بنيناه.

لكنني لن أعتبر احتفاظكِ ببعض الحديث لنفسكِ خداعًا. لكِ صديقة تودعكِ سرّها، وأهل يأتمنونكِ على تفاصيلهم، وأفكار تكتبينها قبل أن تنضج، وأيام تحتاجين إلى فهمها وحدكِ قبل أن تحكيها. لستُ مالكًا لكل ما يمر في ذهنكِ لأنني أقرب الناس إليكِ. الحميمية ليست إزالة كل الستائر؛ هي أن تعرفي أنكِ تستطيعين فتحها حين تريدين، وأنني لن أقف خارجها أبحث عن شق صغير أرى منه ما لم تختاري عرضه.

في العبّارة، بقي هاتفكِ مقلوبًا بيننا، وسألتِني إن كنتُ لا أشعر بالفضول. ضحكتُ وقلتُ إنني أشعر به بالطبع؛ الفضول لا يختفي لأننا قررنا أن نكون محترمين. الفرق أنني لا أطيع كل شعور يزورني. قد أرغب في المعرفة ولا يكون لي حق فيها، كما قد أرغب في جواب الآن وتحتاجين أنتِ إلى وقت. النضج ليس قلبًا خاليًا من الغيرة، بل يدًا تعرف متى لا تمتد، ولسانًا يعرف متى يسأل ومتى يترك السؤال يمر.

أعجبني أنكِ لم تلتقطي الهاتف فورًا لتشرحي. لم تفتحي الإشعارات أمامي كي تكافئي تصرفي، ولم تقولي من كتب. رفعتِ كوبكِ، ونظرتِ إلى الماء خلف الزجاج، ثم بدأتِ تحكين عن مبنى قديم على الضفة. كان ذلك أجمل جواب ممكن: أن تثقي بأن احترام خصوصيتكِ لا يحتاج إلى مكافأة من خصوصيتكِ نفسها. لو فتحتِ الشاشة فقط لتثبتي لي أنني كنتُ محقًا في الثقة، لتحولت اللحظة خفية إلى صفقة، وأنا لم أرد لها إلا أن تكون عادية.

أريد هذا العادي بيننا. أن تتركي هاتفكِ قربكِ من غير أن تخفي الشاشة خوفًا مني، ومن غير أن توجهيها نحوي خوفًا من ظني. أن أدخل الغرفة فتكملي رسالتكِ بدل أن تغلقيها بحركة مذعورة، وأن أرى اسمًا لا أعرفه فلا أبني له حكاية كاملة. الراحة ليست أن نعيش مكشوفين؛ هي ألا يصبح الستر اتهامًا، وألا يصبح الانفتاح واجبًا يؤديه أحدنا تحت نظر الآخر.

لن أطلب موقعكِ طوال الوقت كي أشعر أنني قريب. قد نتشارك المكان في رحلة أو لأجل السلامة، لكنني لن أحوّل النقطة الصغيرة على الخريطة إلى سوار حول يومكِ. لن أسألكِ لماذا توقفتِ هنا سبع دقائق، أو لماذا تغيّر الطريق، أو من كان في المكان نفسه. إذا أخبرتِني أين أنتِ فسأستقبل المعلومة بوصفها عناية، لا مادة للتحقيق. وإذا احتجتُ أن أعرف لسبب حقيقي، سأقول السبب بدل أن أختبئ خلف كلمة الاطمئنان.

وسأحترم حياتكِ الرقمية كما أحترم رسائلكِ المغلقة. لن أفرض عليكِ صورة لنا، أو أغضب لأنكِ لم تعلني كل مناسبة، أو أقيس مكانتي بعدد المرات التي يظهر فيها اسمي على صفحتكِ. ما بيننا لا يصير أقل حقيقة إذا لم يشاهده الآخرون. وقد تختارين أن تحتفظي بيوم جميل خارج الأرشيف العام؛ سأفهم أن بعض الذكريات تحتاج إلى جدار يحميها من عيون المارة، لا إلى جمهور يمنحها شهادة وجود.

وفي المقابل، لن أستخدم الخصوصية كي أعيشكِ في الظل. لن أنكر وجودكِ حين يكون الاعتراف بكِ جزءًا من الاحترام، ولن أطلب منكِ قبول الغموض الدائم بينما أستفيد أنا من قربكِ. هناك فرق بين علاقة لا تعرض تفاصيلها، وعلاقة تخجل من اسمها. سأكون واضحًا في مكاني منكِ، صادقًا في الاتفاق الذي بيننا، ثم أحفظ ما يخصنا من أن يتحول إلى محتوى يستهلكه الناس.

قد يحدث أن تمدّي لي هاتفكِ لتريني صورة، فتصل رسالة فوقها. لن أترك عيني تتبع السطر تلقائيًا، وسأعيد الجهاز إليكِ إذا شعرتُ أنني دخلت مساحة لم تقصدي فتحها. هذه الحركات الصغيرة هي التي تصنع الأمان الحقيقي؛ لا الخطب الكبيرة. فالإنسان يتعلم إن كان آمنًا معنا من الطريقة التي نتصرف بها حين تقع في أيدينا معلومة لم تُقدَّم لنا، وحين تكون فرصة التجاوز سهلة ولا يرانا أحد.

وأنا أيضًا أحتاج أن يكون هاتفي آمنًا قربكِ. لا لأن فيه حياة سرية، بل لأن لي محادثات تخص أصحابها، ومسودات لم أقرر قولها، ومساحة أفكر فيها بصوت مكتوب. سأحرص ألا أتصرف بطريقة تغذي الشك، ولن أجعل خصوصيتي جدارًا باردًا. إذا سألتِ عن شيء يخصنا سأجيب، وإذا كان الأمر يخص شخصًا آخر سأقول ذلك بلطف. أريد حدودًا تشرح نفسها، لا أبوابًا موصدة تزيد الظلام.

حين وصلت العبّارة إلى منتصف النهر، أعلن مكبر الصوت كلمات لم نفهمها بسبب الريح. نهض بعض الركاب نحو السطح، وبقينا نحن قرب النافذة. اهتزت الطاولة، فتحرك هاتفكِ نحو الحافة، فأمسكتِه قبل أن يسقط ووضعته داخل حقيبتكِ. ثم قلتِ إنكِ أمضيتِ وقتًا طويلًا تظنين أن الحب الصادق لا يحتفظ بشيء لنفسه. قلتُ لكِ إن القلب ليس بيتًا بلا أبواب؛ البيت الآمن له أبواب، لكن من فيه لا يخاف طرقها.

أريد أن أطرق دائمًا. حتى بعد سنوات، حتى إذا حفظتُ ملامحكِ وعاداتكِ، لن أفترض أن معرفتي بكِ ألغت حقكِ في الاختيار. سأطلب الإذن قبل أن أروي ما يخصكِ، وقبل أن أفتح درجًا، وقبل أن أقرأ ورقة تركتِها على المكتب. الأشياء القريبة ليست مباحة لمجرد أنها في متناول اليد. والوفاء يظهر أحيانًا في الصفحة التي كان يمكنني قراءتها ولم أفعل، وفي السؤال الذي كان يمكنني انتزاع جوابه واخترتُ أن أنتظره.

وحين تروين لي شيئًا من تلقاء نفسكِ، لن أقول إنكِ كان يجب أن تخبريني أبكر. سأقدّر الطريق الذي قطعته الحقيقة حتى وصلت. ربما احتجتِ إلى ترتيبها، أو خفتِ من حكمي، أو لم تعرفي أهميتها إلا لاحقًا. سنتحدث عن أثر التأخير إذا آذانا، لكنني لن أعاقب صدقكِ لأن موعده لم يطابق رغبتي. أريد لباب الكلام أن يبقى مفتوحًا، لا أن تغلقيه لأن كل اعتراف سيتحول إلى استجواب عن الأيام السابقة.

اقتربت العبّارة من الضفة الأخرى، وظهرت الأرصفة واضحة تحت المصابيح. أخرجتِ هاتفكِ لتعرفي الوقت، فرأيتِ الإشعارات نفسها ما تزال تنتظر. قرأتِها بهدوء، ثم أعدتِ الجهاز إلى حقيبتكِ من غير شرح. مددتِ يدكِ فوق الطاولة، فوضعتُ يدي في يدكِ. لم تكن اللمسة شهادة براءة، ولم يكن صمتكِ لغزًا. كان بيننا شيء أبسط وأصعب: مساحة لا تحتاج إلى التفتيش كي تبقى أمينة.

لهذا، إذا أضاءت شاشة في غيابكِ، سأترك الضوء ينطفئ وحده. وإذا أضاء سؤال في داخلي، سأحمله إليكِ بصورته الصادقة، من غير حيلة ولا اتهام. لن أحبكِ بعين حارس، بل بقلب شريك يعرف أن القرب لا يعني إلغاء الأبواب. أثق بكِ لا لأنكِ قدمتِ لي كل مفاتيحكِ، بل لأننا اتفقنا على الحقيقة، ولأنني أرى أفعالكِ تمشي في اتجاه كلماتكِ. وحين تتركين عالمكِ الصغير إلى جواري وتذهبين لتأتينا بالشاي، أريدكِ أن تعودي مطمئنة: لم أفتحه، لم أبحث فيه عن اسمي، ولم أحتج إلى أن أراكِ مكشوفة كي أعرف أنكِ معي.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً