توقفتِ الفرشاة في منتصف الطريق بين يدكِ ووجهكِ. كنتِ جالسة أمام المرآة منذ عشرين دقيقة، مع أن موعدنا لم يكن يحتاج إلى كل ذلك الاستعداد؛ فطور بسيط في مقهى قريب، ثم جولة قصيرة في السوق. لم تنامي جيدًا، وكانت عيناكِ تحملان أثر ليلة ثقيلة. وضعتِ قليلًا من اللون تحت إحداهما، ثم نظرتِ إلى الفرق بين الجانبين وقلتِ، بنبرة ضاقت بكِ قبل أن تضيق بصورتكِ: أحتاج إلى أن أصنع وجهًا يصلح للخروج.
لم تؤلمني العبارة لأنكِ أردتِ أن تتجملي. أحب أن أراكِ تختارين ألوانكِ وتستمتعين بتفاصيلكِ حين تكون المتعة لكِ. ما آذاني أن وجهكِ الحقيقي بدا لكِ كأنه نسخة ناقصة، وأن الخروج إلى العالم يحتاج أولًا إلى تصريح تمنحه المرآة. كأن التعب الذي مر بكِ ليلًا خطأ علني ينبغي إخفاؤه، وكأن الناس دفعوا ثمنًا ليروا منكِ ملامح مرتبة لا تزعج صباحهم.
كدتُ أقول الجملة السهلة: أنتِ جميلة في كل حالاتكِ. كانت صادقة، لكنها لم تكن كافية. فالقول إنكِ جميلة قد يبقي الجمال نفسه في مركز الامتحان، بينما ما تحتاجينه أوسع: أن تعرفي أنكِ لا تُطالبين بأن تكوني جميلة أصلًا في كل ساعة. لكِ أن تبدين متعبة، شاحبة، عابسة، أو عادية تمامًا، وأن تخرجي مع ذلك إلى الشارع من غير أن تدفعي للوجود ضريبةً من الزينة والابتسام.
وجهكِ ليس واجبًا. ليس واجهة متجر يجب أن تظل مضاءة، ولا رسالة تطمين ترسلينها لمن حولكِ بأن أموركِ بخير. هو جزء حي منكِ؛ يسهر حين تسهرين، وينكمش حين تحزنين، وتظهر عليه الأيام قبل أن تختاري لها كلمات. لن أطلب منه أن يكذب كي أرتاح، ولن أسألكِ لماذا لا تبدين أسعد إذا كانت الحقيقة أنكِ لستِ سعيدة. أحب أن أقرأ ملامحكِ، لا أن أراقب أداءها.
جلستُ يومها على طرف السرير، بعيدًا عن المرآة، وسألتُكِ سؤالًا واحدًا: هل تريدين وضع الزينة لأن ذلك سيمنحكِ متعة، أم لأنكِ تخافين أن يراكِ أحد هكذا؟ بقيتِ صامتة، ثم وضعتِ الفرشاة على الطاولة. قلتِ إنكِ لا تعرفين متى صار وجهكِ مشروعًا يبدأ قبل كل خروج. لم أحاول أن أجيب عن تاريخ لم أعشه معكِ؛ يكفي أنني رأيتُ التعب الذي يضيفه هذا المشروع إلى تعبكِ الأصلي.
قد تكون البداية قديمة: تعليقًا عابرًا من قريبة قالت إن الهالات تفسد ملامحكِ، صورةً ضحك فيها أحدهم على زاوية وجهكِ، أو صباحًا سألكِ فيه زميل لماذا تبدين مريضة لمجرد أنكِ خرجتِ بلا لون. تتراكم الجمل الصغيرة حتى تسكن اليد؛ فتمتد تلقائيًا إلى المرآة قبل أن تسألي قلبكِ ماذا يريد. لا أستطيع محو تلك الأصوات، لكنني أستطيع ألا أضيف صوتي إليها.
لن أقول لكِ إنني أفضلكِ بلا زينة، كأن تفضيلي قانون جديد يحل محل القانون القديم. هذه العبارة التي تبدو مديحًا قد تصير قيدًا آخر؛ فتترددين في وضع لون تحبينه خشية أن أظن أنكِ تتصنعين. وجهكِ لكِ في الحالتين. إن رسمتِ عينيكِ بعناية، سأرى اختياركِ، وإن غسلتِ وجهكِ وخرجتِ، سأرى اختياركِ أيضًا. لا أريد أن تربحي رضاي بإحدى الصورتين.
وسأتعلم أن أمدحكِ من غير أن أحاصركِ. يمكنني أن أقول إن لونًا أعجبني، من دون أن أجعل غيابه خسارة، وأن ألاحظ أناقتكِ من دون أن أصمت في الأيام العادية حتى تظني أنني لم أركِ. والأهم أنني لن أختصر رؤيتي لكِ في مظهركِ. سأمدح وضوحكِ حين تتكلمين، وكرمكِ حين تنتبهين، وشجاعتكِ حين تراجعين رأيًا، وطريقتكِ في جعل المكان أقل قسوة. جمالكِ شيء فيكِ، وليس كل ما فيكِ.
لن أستخدم صوركِ القديمة معيارًا أحاكم به وجهكِ الحاضر. لن أقول إنكِ كنتِ أصفى أو أنحف أو أكثر إشراقًا، ثم أسمّي المقارنة حنينًا. السنوات ليست إضاءةً سيئة ينبغي تصحيحها؛ إنها عمر عشته ملامحكِ معكِ. الخط الصغير قرب عينكِ لا ينتقص من العين، والتغير الذي يأتي مع التعب أو الصحة أو الزمن لا يجعل النسخة السابقة أصلًا والنسخة الحالية تقليدًا أقل جودة.
وإذا رغبتِ في تغيير شيء لأنكِ تريدينه أنتِ، سأصغي إليكِ بلا سخرية. لن أردد شعارات جاهزة عن الثقة كي ألغي ضيقكِ، ولن أدفعكِ نحو تعديل فقط لأُنهي الحديث. سأحاول أن أعرف: هل القرار يخرج من رغبتكِ أم من خوف زرعه الآخرون؟ ثم سأحترم حقكِ في الاختيار. المحبة لا تعني أن أقرر عنكِ ما ينبغي أن تقبليه أو تغيّريه؛ تعني ألا أستغل هشاشتكِ لأصنع منكِ صورة تناسبني.
وقد تقولين يومًا إنكِ لا تشعرين بالجمال. لن أجادلكِ حتى تتعبي من الدفاع عن شعوركِ. تستطيعين ألا تحبي صورتكِ في صباح ما من غير أن أجبركِ على ترديد عكسها. سأذكركِ فقط أن النفور العابر ليس حكمًا نهائيًا، وأنكِ تستحقين اللطف حتى حين لا تستطيعين منحه لمرآتكِ. لسنا ملزمين بأن نعشق كل تفصيل فينا كي نتوقف عن معاقبته.
كما لن أطلب منكِ ابتسامة لتجميل مزاجي. أعرف كيف يُقال للمرأة: ابتسمي، كأن وجهها مساحة عامة يحق للعابرين تعديلها. معي، لن تكون ملامحكِ خدمة استقبال. إذا كنتِ شاردة، فلكِ شرودكِ، وإذا كنتِ غاضبة، فلكِ أن يظهر ذلك من غير أن أخاف على صورتي أمام الناس. لن ألمس طرف فمكِ بإشارة مازحة كي أرفعه، ولن أتهمكِ بإفساد الجو لأنكِ لم تزينيه بضحكة.
وفي المجالس، إذا قال أحدهم إنكِ تبدين مرهقة، لن أسرع إلى إنكار ما يراه كأن التعب فضيحة. قد تكونين مرهقة فعلًا. سأترك لكِ أن تجيبي أو تغيري الموضوع، ولن أشرح نومكِ وصحتكِ وتفاصيل يومكِ نيابة عنكِ. وإذا تجاوز التعليق حدّه وصار تقييمًا لجسدكِ أو وجهكِ، سأقف مع الحد الذي تختارينه، لا مع رغبة المجلس في الاستمرار على حساب راحتكِ.
أريدكِ أن تعرفي أن عنايتي بكِ لا تبدأ حين تبدين مريضة بما يكفي. لا تحتاجين إلى وجه شاحب يثبت أنكِ تستحقين الراحة، ولا إلى دموع ظاهرة كي أصدق أن اليوم كان صعبًا. قولي إنكِ متعبة، وسأتعامل مع الكلمة كحقيقة لا كطلب يحتاج أدلة. لقد تعود كثيرون أن يخفوا الألم، ثم يُلاموا لأنه لم يكن واضحًا. لن أجعل ملامحكِ ملفًا طبيًا أقرر منه مقدار الرحمة.
وفي الصباحات الجميلة، حين ترغبين في الوقوف طويلًا أمام المرآة، لن أستعجلكِ باستخفاف. سأترك لكِ وقتكِ من غير تعليق على عدد الخطوات أو ثمن الأشياء أو حاجتكِ إليها. المتعة ليست سطحية لأنها تمر عبر لون أو رائحة أو خيط دقيق. الفرق كله في الحرية: أن تفعلي ذلك لأنكِ تحبينه، لا لأنكِ تخشين أن يقل احترام العالم لكِ إن لم تفعلي.
ذلك الصباح، بللتِ قطعة قطن ومسحتِ اللون الذي وضعته تحت عين واحدة. لم تفعليها كتحدٍّ، ولم تعلني انتصارًا على معايير الجمال. قلتِ فقط إنكِ تريدين غسل وجهكِ ووضع ما يحميه من الشمس. صففتِ شعركِ بسرعة، وارتديتِ المعطف الذي كان أقرب إليكِ. وحين وقفتِ عند الباب، سألتِني مرة أخيرة: هل أبدو متعبة؟ قلتُ: نعم، قليلًا. ثم أضفتُ: وهل تريدين أن نؤجل؟
نظرتِ إليّ بدهشة، ربما لأنني لم أكذب، وربما لأنني لم أجعل الصدق حكمًا. فكرتِ لحظة وقلتِ إنكِ تريدين الخروج، وإن الهواء قد يساعدكِ. لم أقل إن التعب اختفى أو إنكِ صرتِ أجمل بعد قرار شجاع. ناولتُكِ مفاتيحكِ، وخرجنا. أحببتُ أن القرار انتقل من سؤال «كيف أبدو؟» إلى سؤال «ماذا أحتاج؟»؛ من إدارة عيون الآخرين إلى الإصغاء لجسدكِ أنتِ.
في المقهى، دخل ضوء الصباح من الواجهة الكبيرة واستقر على وجهكِ بلا رحمة تجميلية. ظهر السهر، وظهرت معه عيناكِ وهما تتابعان البخار الصاعد من الكوب. لم يحدث شيء مما خفتِه. لم يتوقف المكان، ولم يطالبكِ أحد بتفسير. وحين ضحكتِ لاحقًا من خطأ بسيط في الطلب، جاءت الضحكة وحدها، لا لأنها جزء من المظهر المطلوب، بل لأنها وجدت سببها الحقيقي.
لن أحول تلك اللحظة إلى قاعدة تلزمكِ بالخروج كلما تعبتِ. قد تختارين في يوم آخر أن تبقي في البيت، وهذا حقكِ أيضًا. المهم ألا يكون الاختباء عقوبة لوجه لم ينجح في الامتحان. إذا احتجتِ الراحة، فاستريحي لأن جسدكِ يطلبها؛ وإذا أردتِ الناس، فاذهبي إليهم بملامح اليوم كما هي. لا ينبغي للمرآة أن تقرر جدولكِ بدلاً منكِ.
وأنا أيضًا أريد أن أتوقف عن الأداء أمامكِ. قد أحاول إخفاء الإرهاق أو ترتيب ملامحي في هيئة الرجل الذي يسيطر على كل شيء. سأتعلم أن أقول إنني لم أنم، وإنني قلق، وإن وجهي لا يحمل جوابًا مطمئنًا. إذا كنتُ أطلب منكِ أن تأتي بلا قناع، فعليّ ألا أجعل قناعي شرطًا لشعوركِ بالأمان. الصدق بيننا لا يعني أن نهمل أنفسنا؛ يعني ألا نستخدم العناية ستارًا نخفي خلفه إنسانيتنا.
حين عدنا، مررنا بالمرآة نفسها في المدخل. التفتِّ إليها لثانية، ثم واصلتِ طريقكِ إلى المطبخ. لم تتوقفي لتفحصي ما فعل الضوء بوجهكِ، ولم تسأليني إن كان اللون قد عاد إلى عينيكِ. وضعتِ المعطف على الكرسي وقلتِ إنكِ ستنامين ساعة. كان ذلك أجمل من أي عبارة طمأنة: عرفتِ حاجتكِ وسمحتِ لها أن تقودكِ، بدل أن تنتظري حتى يمنحكِ مظهركِ الإذن.
لذلك، حين تجلسين غدًا أمام المرآة، لا أريد أن تسمعي صوتي يأمركِ بالزينة أو يمنعكِ منها. أريد أن تجدي مساحة هادئة تسألين فيها نفسكِ: ما الذي يسعدني؟ ما الذي يريحني؟ ثم تختارين. سأحب الألوان حين تختارينها، وأحب وجهكِ حين يجيء بلا إعداد، لكنني قبل ذلك كله سأحترم المرأة التي تملك الوجه والقرار.
وإذا خرجنا يومًا وقد بقي على ملامحكِ أثر ليل صعب، فلن أمشي قربكِ كمن يغطي نقصًا، ولن أقدمكِ للعالم باعتذار صامت. سأمشي معكِ كما أنتِ: إنسانة لا لوحة مكتملة، وحبيبة لا واجهة، ووجهًا لا يؤدي وظيفةً كي يبقى عزيزًا. قد يراكِ الآخرون جميلة، وقد يمرون من دون أن يلاحظوا، أما أنا فسأنتبه إلى الأهم: أنكِ لم تعودي تسألين المرآة إن كان مسموحًا لكِ أن تعيشي يومكِ، بل فتحتِ الباب وخرجتِ.
وجهكِ ليس واجبًا
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً